فصل
في هديه في القراءة في باقي الصلوات وَأَمَّا الظُّهْرُ، فَكَانَ يُطِيلُ قِرَاءَتَهَا أَحْيَانًا، حَتَّى قَالَ أبو سعيد: كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ، وَيُدْرِكُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطِيلُهَا. رَوَاهُ مسلم، وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا تَارَةً بِقَدْرِ ﴿الم - تنزيل﴾ [السجدة: ١ - ٢] السجدة (٤) وَتَارَةً بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] (٥) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (٦) .
وأما العصر، فعلى النصف من قراءة الظُّهْرِ إِذَا طَالَتْ، وَبِقَدْرِهَا إِذَا قَصُرَتْ.
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ، فَكَانَ هَدْيُهُ فِيهَا خِلَافَ عَمَلِ النَّاسِ اليوم، فإنه صلاها مرة
_________________
(١) مسلم والترمذي.
(٢) مسلم وأبو داود.
(٣) أبو داود والبيهقي بسند صحيح.
(٤) أحمد ومسلم.
(٥) أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن خزيمة (١ / ٦٧ / ٢) .
(٦) أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن خزيمة (١ / ٦٧ / ٢ / ٢) .
[ ١٣ ]
بـ (الأعراف) في الركعتين، ومرة بـ (الطور) (١) ومرة بـ (المرسلات) (٢) .
وأما المداومة على قراءة قصار المفصل فيها، فهو من فعل مروان (٣) . ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت قال ابن عبد البر روي عنه أنه قرأ في المغرب بـ (المص) (٤) وبـ (الصافات)، وبـ (الدخان) و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وبـ (التين) (٥) وبـ (المعوذتين) وبـ (الْمُرْسَلَاتِ) وَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ; وكلها آثار صحاح مشهورة.
وأما عشاء الآخرة، فقرأ ﷺ فيها بـ (التين) (٦) وَوَقَّتَ لمعاذ فِيهَا: بِـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] وبـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] وَنَحْوِهَا.
وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ قِرَاءَتَهُ فِيهَا بـ (البقرة) وقال لَهُ: «أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا معاذ؟» فَتَعَلَّقَ النَّقَّارُونَ (٧) بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا قَبْلَهَا وما بَعْدَهَا.
وَأَمَّا الْجُمُعَةُ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِسُورَتَيِ (الجمعة) و(المنافقين) (٨) وسورتي: (سبح) و(الغاشية) (٩) .
وأما الأعياد، فتارة يقرأ بـ (ق) و(اقتربت) (١٠) كاملتين، وتارة بـ (سبح) و(الغاشية) (١١) وهذا الهدي الذي استمر عَلَيْهِ إِلَى أَنْ لَقِيَ اللَّهَ ﷿.
ولهذا أخذ به الخلفاء، فقرأ أبو بكر في الفجر سورة (البقرة) حتى سلم قريبا من طلوع الشمس (١٢) . وكان بعده عمر يقرأ فيها بـ (يوسف) و(النحل) و(هود) و(بني إسرائيل) ونحوها.
وأما قوله: «أيكم أمّ الناس فليخفف» فالتخفيف أمر نسبي يرجع فيه إِلَى مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ، لا إلى شهوات المأمومين.
وهديه الذي كان يواظب عليه، هو الحاكم في كل ما تنازع فيه المتنازعون.
وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ
_________________
(١) البخاري ومسلم.
(٢) البخاري ومسلم.
(٣) هو مروان بن الحكم. والذي أنكر عليه المداومة. وثبت عنه ﷺ بالقصار في " مسند أحمد " و" البخاري " و" مسلم ".
(٤) البخاري وأبو داود.
(٥) الطبراني والمقدسي بسند صحيح.
(٦) البخاري ومسلم والنسائي.
(٧) الذين يجعلون صلاتهم كنقر الديكة.
(٨) مسلم وأبو داود.
(٩) مسلم وأبو داود.
(١٠) مسلم وأبو داود.
(١١) مسلم وأبو داود.
(١٢) فقالوا له: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كادت الشمس أن تطلع! فقال: لو طلعت لم نجدها غافلين.
[ ١٤ ]
إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين.
وكان من هديه قراءة السورة، وربما قرأها في الركعتين. وَأَمَّا قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا، فَلَمْ يُحْفَظْ عنه.
وأما قراءة السورتين في الركعة، فكان يفعله في النافلة. وَأَمَّا قِرَاءَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ مَعًا، فقلما كان يفعله.
وكان يطل الركعة الأولى على الثانية من كُلِّ صَلَاةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ يُطِيلُهَا، حَتَّى لَا يسمع وقع قدم.