فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في حفظ الصحة قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] (١) فأرشدهم إِلَى إِدْخَالِ مَا يُقِيمُ الْبَدَنَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عِوَضَ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَدَنُ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، فَمَتَى جَاوَزَ ذَلِكَ كَانَ إِسْرَافًا، وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنَ الصِّحَّةِ جَالِبٌ لِلْمَرَضِ أَعْنِي عَدَمَ الأكل والشرب أو الإسراف فيهما، فحفظ الصحة في هاتين الكلمتين الإلهيتين.
وَلَمَّا كَانَتِ الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَأَجْزَلِ عَطَايَاهُ وَأَوْفَرِ مِنَحِهِ، بل العافية المطلقة من أجل النعم على الإطلاق، فحقيق بمن رُزِقَ حَظًّا مِنَ التَّوْفِيقِ مُرَاعَاتُهَا وَحِفْظُهَا وَحِمَايَتُهَا عما يضادها.
ولهذا قال ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»، وَفِي الترمذي مرفوعا: «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سربه، عنده قوت يوم، فكأنما حيزت له الدنيا» وفيه أيضا مرفوعا: «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ من النعم أن يقال: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء البارد» .
ومن هنا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] (٢) قال: عن الصحة.
ولأحمد مرفوعا: «سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ، فَمَا أُوتي أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» فَجَمَعَ بَيْنَ عافيتي الدنيا والدين، وَلَا يَتِمُّ صَلَاحُ الْعَبْدِ فِي الدَّارَيْنِ إِلَّا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقاب الآخرة
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٣١.
(٢) سورة التكاثر، الآية: ٨.
[ ١٩٦ ]
وَالْعَافِيَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ أَمْرَاضَ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ وبدنه.
وفي " سنن النسائي " مرفوعا: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ، فَمَا أُوتِيَ أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة» وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ الشُّرُورِ الْمَاضِيَةِ بِالْعَفْوِ، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة.
ولم يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ ﷺ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، فإنه مضر ولو أنه أفضل الأغذية، بل يَأْكُلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِأَكْلِهِ من اللحم والفاكهة والخبز والتمر ونحو ذلك.
قال أنس: «مَا عَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تركه» (١) ومتى أكل الإنسان ما لا يشتهيه، كان تضرره به أكثر من نفعه، وَكَانَ يُحِبُّ اللَّحْمَ، وَأَحَبُّهُ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَمُقَدَّمُ الشاة وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما.
وَكَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ - أَعْنِي اللحم والحلوى والعسل - من أنفع الأغذية للبدن والكبد والأعضاء.
وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ عِنْدَ مَجِيئِهَا ولا يحتمي عنها، وهو من أَسْبَابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جعل في كل بلد الفاكهة ما ينتفع به أهلها، فيكون تناوله من أسباب صحة أهلها، وَقَلَّ مَنِ احْتَمَى عَنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السَّقَمِ إِلَّا وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النَّاسِ جِسْمًا.
وصح عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» وَقَالَ: «إِنَّمَا أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يأكل العبد» وفسر بالتربع، وبالاتكاء على الشيء، وبالاتكاء على الجنب، والأنواع الثلاثة من الاتكاء مضر.
وكان يأكل بأصابعه الثلاث، وهو أنفع ما يكون من الأكلات.
وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.
وصح عنه أنه أمر من فعله أن يتقيأه، وصح عنه أنه شرب قائما للحاجة.
وكان يتنفس في الشرب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأمرأ، وأبرأ أي: أشد ريا. وَأَبْرَأُ: أَفْعَلُ مِنَ الْبُرْءِ، وَهُوَ الشِّفَاءُ، أَيْ: يُبرئ من العطش، وأمرأ: هو أفعل من مرى الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي بَدَنِهِ: إِذَا دَخَلَهُ وَخَالَطَهُ بِسُهُولَةٍ وَلَذَّةٍ وَنَفْعٍ، وَمِنْهُ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هنيئا في عاقبته، مريئا في مذاقته.
وللترمذي عَنْهُ ﷺ: «لَا تَشْرَبُوا نَفَسًا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى، وسموا الله إذا شربتم، واحمدوا الله إذا أنتم فرغتم» .
وفي
_________________
(١) متفق عليه بلفظ وإن كرهه تركه.
[ ١٩٧ ]
" الصحيح " منه: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ ليس عليه غطاء ولا سِقَاءٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ من ذلك الوباء» قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في كانون الأول.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ وَلَوْ أن يعرض عليه عودا.
وصح عنه أنه أمر عند الإيكاء والتغطية بذكر اسم الله، ونهى عن الشرب من فم السقاء، وعن النفس في الإناء والنفخ فيه، وعن الشرب من ثلمة القدح، وكان يحب الطيب ولا يرده وقال: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طيب الريح، خفيف المحمل» ولفظ أبي داود والنسائي: «من عرض عليه طيب» وفي " مسند البزار " عَنْهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنَاءَكُمْ وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود يجمعون القمامة في دورهم» .
وَفِي الطِّيبِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّهُ، والشياطين تنفر منه، فَالْأَرْوَاحُ الطَّيِّبَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ، وَكُلُّ رُوحٍ تَمِيلُ إِلَى ما يناسبها، فـ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وهذا وإن كان في الرجال والنساء، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَالَ وَالْأَقْوَالَ، وَالْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ والروائح، إما بعموم لفظه، وإما بعموم معناه.