فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج الكرب والهم والحزن في " الصحيحين " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم» .
وللترمذي عَنْ أنس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» .
وله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أهمه أمر رفع طرفه إلى السماء
[ ١٩٣ ]
وقال: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قال: يا حي يا قيوم» .
ولأبي داود عن أبي بكر الصديق مرفوعا: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللُّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كله لا إله إلا أنت»، وله عَنْ أسماء بنت عميس قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إلا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب: الله اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» وَفِي رواية «سبع مرات» .
ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعا قَالَ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي. إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا» .
وللترمذي عن سعد مرفوعا: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كلمة أخي يونس» .
ولأبي داود أنه ﷺ قال لأبي أُمامة: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ ﷿ هَمَّكَ، وَقَضَى دَيْنَكَ؟ قَالَ: قلت: بلى، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبن وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقهر الرجال "، ففعلت، فَأَذْهَبَ اللَّهُ ﷿ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» .
ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعا: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وَفِي " السُّنَنِ ": «عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنِ النُّفُوسِ الهم والغم» .
وفي " المسند «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»، ويُذكر عن ابن عباس مرفوعا: «مَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ وَغُمُومُهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وفي " الصحيحين «إنها كنز من كنوز الجنة» .
وهذه الْأَدْوِيَةُ تَتَضَمَّنُ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنَ الدَّوَاءِ، فإن لم تقو على إذهاب الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ، فَهُوَ دَاءٌ قَدِ اسْتَحْكَمَ، وتمكنت
[ ١٩٤ ]
أَسْبَابُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِفْرَاغٍ كُلِّيٍّ.
الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الربوبية.
الثاني: توحيد الألوهية.
الثالث: التوحيد العلمي.
الرَّابِعُ: تَنْزِيهُ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ يوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد أنه هو الظالم.
السادس: التوسل بأحب الأشياء إلى الله، وَهُوَ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، وَمِنْ أَجْمَعِهَا لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ ".
السَّابِعُ: الِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَحْدَهُ.
الثَّامِنُ: إِقْرَارُ الْعَبْدِ لَهُ بِالرَّجَاءِ.
التَّاسِعُ: تَحْقِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِأَنَّ نَاصِيَتَهُ فِي يَدِهِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فيهٌ قَضَاؤُهُ.
الْعَاشِرُ: أَنْ يَرْتَعَ قَلْبُهُ فِي رِيَاضِ الْقُرْآنِ، وَيَجْعَلَهُ لِقَلْبِهِ كَالرَّبِيعِ لِلْحَيَوَانِ، وَأَنْ يَسْتَضِيءَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَنْ يَتَسَلَّى بِهِ عَنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَيَتَعَزَّى بِهِ عَنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَيَسْتَشْفِيَ بِهِ مِنْ أَدْوَاءِ صَدْرِهِ، فَيَكُونَ جَلَاءَ حُزْنِهِ، وَشِفَاءَ هَمِّهِ وَغَمِّهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الِاسْتِغْفَارُ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّوْبَةُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْجِهَادُ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الصَّلَاةُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَوْلِ والقوة وتفويضها إلى الله.