فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في قراءة القرآن كان له حزب لا يخل به، وكانت قراءته ترتيلا حرفا حرفا، ويقطع قراءته آية آية، ويمد عِنْدَ حُرُوفِ الْمَدِّ، فَيَمُدُّ الرَّحْمَنَ، وَيَمُدُّ الرَّحِيمَ. وكان يستعيذ في أول القراءة، فَيَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وَرُبَّمَا قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ من همزه ونفخه ونفثه» وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ الْقُرْآنَ مِنْ غَيْرِهِ، وأمر ابن مسعود، فقرأ وهو يسمع، وخشع حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا إلا الجنابة، وكان يتغنى به، ويرجع صوته أحيانا. وحكى ابن المغفل ترجيعه، ذكره البخاري، وإذا جمعت هذا إلى قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» وَقَوْلِهِ: مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الترجيع منه اختيار لا لهز الناقة، وإلا لم يحكه ابن المغفل اختيارا ليتأسى به ويقول: كان يرجع في قراءاته.
[ ٣٦ ]
وَالتَّغَنِّي عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا. مَا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ من غير تكلف، فهذا جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين، «كما قال أبو موسى لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ عَلِمْتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا» أي: لحسنته لك تحسينا، وهذا هو الذي كان السلف يفعلونه، وعليه تحمل الأدلة كلها.
والثاني: ما كان صناعة من الصنائع، كما يتعلم أصوات الغناء بأصناف الألحان على أوزان مخترعة، فهذه هي التي كرهها السلف، وأدلة الكراهة إنما تتناول هذا.