فصل
فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس عن عبد الله بن مسعود يرفعه: «إن للملك بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ بِالْخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، وَرَجَاءُ صَالِحِ ثواب، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَقُنُوطٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الْمَلَكِ، فَاحْمَدُوا الله، واسألوه مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ، فَاسْتَعِيذُوا بالله واستغفروه» . وقال له عثمان بن أبي العاص: قد حال الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ (١) فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا» (٢) . «وَشَكَا إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ أن أحدهم يجد في نفسه لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ
_________________
(١) بخاء معجمة، ثم نون ساكنة، ثم زاي مفتوحة، ثم باء موحدة واختلف العلماء في ضبط الخاء منه، فمنهم من فتحها، ومنهم من كسرها، وهذان مشهوران، ومنهم من ضمها، حكاه ابن الأثير في " نهاية الغريب " والمعروف الفتح والكسر.
(٢) رواه مسلم.
[ ٩٠ ]
يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ.» «وَأَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ وَسْوَسَةِ التَّسَلْسُلِ فِي الْفَاعِلِينَ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ - أَنْ يَقْرَأَ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» (١) . وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أتكلم به، فقال: أشيء من شك؟ قلت: بلى، قال: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] (٢) الآية، فَإِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ﴾ [الحديد: ٣] الآية. فأرشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ سِلْسِلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، كَمَا تَنْتَهِي فِي آخِرِهَا إِلَى آخِرٍ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، كَمَا أَنَّ ظُهُورَهُ: هُوَ الْعُلُوُّ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَبُطُونَهُ هُوَ: الْإِحَاطَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ دُونَهُ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ، لَكَانَ ذَلِكَ هو الرب الخلاق، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غني عن غيره، كل شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ، مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ بِهِ قَدِيمٌ، لَا أَوَّلَ لَهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ بَاقٍ بِذَاتِهِ، وَبَقَاءُ كل شيء به، وَقَالَ ﷺ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ من ذلك شيء، فليستعذ بالله، ولينته» . وقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦] (٣) الآية ولما كان الشيطان نوعين: نوعا يرى عيانا وهو الإنسي، ونوعا لا يرى وهو الجني - أمر الله تعالى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَكْتَفِيَ من شر الإنسي بالإعراض والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر الجني بالاستعاذة، وجمع بين نوعين في (سورة الأعراف) و(المؤمنون) و(فصلت) .
فَمَا هُوَ إِلَّا الِاسْتِعَاذَةُ ضَارِعًا أَوِ الدَّفْعُ بالحسنى هما خير مطلوب
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٣.
(٢) سورة يونس، الآية: ٩٤.
(٣) سورة فصلت، الآية: ٢٦.
[ ٩١ ]
فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَا يُرَى وَذَاكَ دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَحْجُوبِ