وفوائد الهجرة والمسائل التي فيها كثيرة، لكن نذكر منها مسألة واحدة. وهي:
أن ناسا من المسلمين لم يهاجروا، كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب، فهو قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (٢) .
فلما خرجت قريش إلى بدر: خرجوا معهم كرها. فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة: أن فلانا قتل، وفلانا قتل، تأسفوا على ذلك وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] (٣) .
فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات. فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر، وفعلوا كفرًا ظاهرًا يُرضون به قومهم: لم
_________________
(١) من آية ٢٦ من سورة الأنفال.
(٢) آية ٢٤ من سورة براءة.
(٣) الآيات من ٩٧ إلى ١٠٠ من سورة النساء.
[ ٣٧ ]
يتأسف الصحابة على قتلهم. لأن الله بين لهم - وهم بمكة - لما عذبوا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (١) .
فلو سمعوا عنهم كلاما أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه، ما كانوا يقولون: " قتلنا إخواننا ".
ويوضحه قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] ولم يقولوا: كيف عقيدتكم؟ أو كيف فعلكم؟ بل قالوا: في أي الفريقين كنتم (٢)؟ فاعتذروا بقولهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا، بل قالوا لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ويوضحه قوله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا - فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩] (٣) .
فهذا في غاية الوضوح. فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة فكيف بغيرهم؟
ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنبا.
فإذا فهمت ما أنزل الله فهما جيدا. وفهمت ما عند من يدعي الدين اليوم، تبين لك أمور:
_________________
(١) من الآية ١٠٦ من سورة النحل.
(٢) الاستفهام " فيم كنتم " يفيد السؤال عن الحال والصفة، والسؤال عن القرناء. وهو عن الحال والصفة أظهر.
(٣) الآيتان رقم ٩٨، ٩٩ من سورة النساء.
[ ٣٨ ]
منها: أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم. فإن هذه وأمثالها: لا تعرف إلا بالتنبيه. فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية، فكيف بغيرهم؟
ومنها: أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم، بل كما قال الحسن البصري - فيما روى عنه البخاري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
نسأل الله أن يرزقنا علما نافعا، ويعيذنا من علم لا ينفع.
قال عمر بن عبد العزيز: يا بني ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن تعقل عن الله، ثم تطيعه.
. . . . . . . . . .