فصل في الهجرة قد ذكرنا: أنه -ﷺ - كان يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي عكاظ وغيرها. يدعوهم إلى اللَّه. فلم يجبه أحد منهم. ولم يأوه. فكان ممن صنع اللَّه لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة: أن نبيا يبعث في هذا الزمان فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد.
وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب، دون اليهود. فلما رأى الأنصار رسول اللَّه -ﷺ - يدعو الناس إلى اللَّه. وتأملوا أحواله. قال بعضهم لبعض تعلمون واللَّه يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود. فلا يسبقنكم إليه وقدر اللَّه بعد ذلك. أن اليهود يكفرون به. فهو قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]- والآية بعدها (١) .
بيعة العقبة الأولى فلقي رسول اللَّه -ﷺ - عند العقبة: ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج. منهم أسعد بن زرارة وجابر بن عبد اللَّه بن رئاب السلمي. فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا
_________________
(١) الآيتان ٨٩ - ٩٠ من سورة البقرة.
[ ١١٨ ]
إلى الإسلام. فنشأ الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا ودخلها. فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول. خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان، وغيرهم. الجميع اثنا عشر رجلا.
وكان الستة الأولون قد قالوا له - لما أسلموا -: إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم وعسى اللَّه أن يجمعهم بك، وسندعوهم إلى أمرك. فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب. أصلهم من اليمن من سبأ. وأمهم قيلة بنت كاهل - امرأة من قضاعة - ويقال لهم لذلك أبناء قيلة. قال الشاعر.
بهاليل من أولاد قيلة لم يجد عليهم خليط في مخالطة عتبا
فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل فلبثت بينهم الحرب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها اللَّه بالإسلام. وألف بينهم برسول اللَّه -ﷺ - وذلك قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]- الآية (١) .
فلما جاءه الاثنا عشر رجلا العام الآتي - الذين ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم وعويم بن ساعدة والباقي من الخزرج.
فلما انصرفوا بعث معهم رسول اللَّه -ﷺ - مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل على أبي أمامة - أسعد بن زرارة - فخرج بمصعب - في إحدى خريجاته - فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر. فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
_________________
(١) آية ١٠٣ من سورة آل عمران.
[ ١١٩ ]