تحويل القبلة وكان رسول اللَّه -ﷺ - لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، قبلة اليهود. وكان يحب أن يصرفه اللَّه إلى الكعبة. وقال لجبريل ذلك. فقال إنما أنا عبد. فادع ربك واسأله. فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل اللَّه عليه ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]- الآيات (١) .
_________________
(١) الآيات ١٤٤ - ١٥٥ من سورة البقرة.
[ ١٤٢ ]
وكان في ذلك حكمة عظيمة ومحنة للناس مسلمهم وكافرهم. فأما المسلمون فقالوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] وهم الذين هدى اللَّه ولم تكن بكبيرة عليهم.
وأما المشركون فقالوا كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وأما اليهود فقالوا (١) . ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]
وأما المنافقون فقالوا إن كانت القبلة الأولى حقا: فقد تركها. وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل.
ولما كان ذلك عظيما وطأ اللَّه سبحانه قبله أمر النسخ وقدرته عليه وأنه سبحانه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله. ثم عقب ذلك بالمعاتبة لمن تعنت على رسوله ولم ينقد له. ثم ذكر بعده اختلاف اليهود والنصارى، وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا على شيء. ثم ذكر شركهم بقولهم اتخذ اللَّه ولدا (٢) .
ثم أخبر أن المشرق والمغرب لله. فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجهه. وأخبر رسوله أن أهل الكتاب لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم.
ثم ذكر خليله إبراهيم وبناءه البيت بمعاونة ابنه إسماعيل عليهما
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في المطبوعة. وهو في المخطوطتين.
(٢) يضاهئون قول الذين كفروا من البوذيين والبراهمة وقدماء المصريين وغيرهم من كل مشرك وكان شركه على أساس: أن الله اتخذ ولدا. ولم يكونوا يقولون: إنها كولادة البشر. بل يقولون: إن معبودهم ومقدسهم ووليهم من بني الإنسان: هو النور الأول الذي فاض وانبثق من الله فأخذ كل صفات وخصائص الله وهذه عقيدة كل مشرك وإن لم يصرح بها بلسانه واقرأ سورة الأنعام من السور المكية تفهم ذلك.
[ ١٤٣ ]
السلام وأنه جعل إبراهيم إماما للناس وأنه لا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه.
ثم أمر عباده أن يأتموا به وأن يؤمنوا بما أنزل إلى رسوله محمد -ﷺ - وما أنزل إليهم وإلى سائر النبيين.
وأخبر أن اللَّه - الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم - هو الذي هداهم إلى هذه القبلة التي هي أوسط القبل وهم أوسط الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب.
وأخبر أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة إلا الظالمين فإنهم يحتجون عليهم بتلك الحجج الباطلة الواهنة. التي لا ينبغي أن تعارض الرسل بأمثالها وليتم نعمته عليه ويهديهم.
ثم ذكر نعمته عليهم بإرسال الرسول الخاتم وإنزال الكتاب. وأمرهم بذكره وشكره ورغبهم في ذلك بأنه يذكر من ذكره ويشكر من شكره.
وأمرهم بما لا يتم ذلك إلا به وهو الاستعانة بالصبر والصلاة. وأخبرهم أنه مع الصابرين.
[ ١٤٤ ]