دخول رسول اللَّه ﷺ المدينة ولما بلغ الأنصار مخرج رسول اللَّه -ﷺ - من مكة. كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه. فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من
[ ١٣٤ ]
نبوته. خرجوا على عادتهم. فلما حميت الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة. فرأى رسول اللَّه -ﷺ - وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب. فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول اللَّه -ﷺ -.
وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف. وكبر المسلمون فرحا بقدومه. وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة. وأحدقوا به مطيفين حوله.
فلما أتى المدينة، عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهدم - أو على سعد بن خيثمة - فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة. وأسس مسجد قباء. وهو أول مسجد أسس بعد النبوة.
فلما كان يوم الجمعة ركب. فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف. فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركب. فأخذوا بخطام راحلته يقولون. هلم إلى القوة والمنعة والسلاح. فيقول «خلوا سبيلها. فإنها مأمورة» فلم تزل ناقته سائرة لا يمر بدار من دور الأنصار، إلا رغبوا إليه في النزول عليهم فيقول: «دعوها فإنها مأمورة» فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها، حتى نهضت وسارت قليلا. ثم رجعت وبركت في موضعها الأول. فنزل عنها.
وذلك في بني النجار، أخواله (١) -ﷺ -.
_________________
(١) هم أخوال جده عبد المطلب.
[ ١٣٥ ]
وكان من توفيق اللَّه لها. فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم. فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم. وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله فأدخله بيته. فجعل رسول اللَّه -ﷺ - يقول: «المرء مع رحله» وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بخطام ناقته. فكانت عنده. وأصبح كما قال قيس بن صرمة - وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقر به النوى وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن اللَّه لا رب غيره وأن كتاب اللَّه أصبح هاديا
[ ١٣٦ ]
وكما قال حسان بن ثابت ﵁:
قومي الذين هموا آووا نبيهمو وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام همو تبع في الصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم اللَّه. قولهمو لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا. ففي أمن وفي سعة نعم النبي. ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهمو. دار هي الدار
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين. وقسم الجاحد النار
وكما قال:
نصرنا وآوينا النبي محمدا على أنف راض من معد وراغم
قال ابن عباس: كان النبي -ﷺ - بمكة فأمر بالهجرة. وأنزل اللَّه عليه، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] (١) والنبي -ﷺ - يعلم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل اللَّه سلطانا نصيرا، فأعطاه. قال البراء.: أول من قدم علينا: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن. ثم جاء عمار بن ياسر، وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا. ثم جاء رسول اللَّه -ﷺ -. فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به حتى جعل النساء والصبيان
_________________
(١) آية ٨٠ سورة الإسراء.
[ ١٣٧ ]
والإماء يقلن قدم رسول اللَّه جاء رسول اللَّه -ﷺ -.
قال أنس شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا. وشهدته يوم مات. فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات.
فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده.
وبعث رسول اللَّه -ﷺ - وهو في منزل أبي أيوب - زيد بن حارثة وأبا رافع. وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه. وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأم أيمن. وأما زينب فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج وخرج عبد اللَّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر. وفيهم عائشة.