قصة أم معبد ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء يشترونه؟ فقالت واللَّه لو عندنا شيء ما أعوزكم القرى. والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - فنظر رسول اللَّه -ﷺ - إلى شاة في كسر الخيمة فقال «ما هذه الشاة؟» قالت خلفها الجهد عن الغنم. فقال «هل بها
[ ١٣١ ]
من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك. قال «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: نعم - بأبي أنت وأمي - إن رأيت بها حليبا فاحلبها.
فمسح رسول اللَّه -ﷺ - بيده ضرعها، وسمى اللَّه ودعا، فتفاجت عليه ودرت. فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا. ثم شرب هو. وحلب فيه ثانيا فملأ الإناء. ثم غادره عندها وارتحلوا.
فقل ما لبثت أن جاء زوجها يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا. فلما رأى اللبن قال: من أين هذا؟ والشاء عازب. ولا حلوبة في البيت؟ . قالت: لا واللَّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حديثه كيت وكيت، قال: واللَّه إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه. صفيه لي يا أم معبد.
قالت: ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صورته صحل وفي عنقه سطع. وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار وإذا تكلم علاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب. حلو المنطق، فصل: لا نذر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا تقتحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول. غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا. له رفقاء يحفون به. إذا قال استمعوا لقوله. وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود. لا عابس ولا مفند (١) .
_________________
(١) هو الذي لا فند ولا ضعف في كلامه ولا يرد عليه في أي شأن لكمال قوته وحكمته.
[ ١٣٢ ]
قال أبو معبد: هذا - واللَّه - صاحب قريش الذي تطلبه. ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن، إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت عال بمكة يسمعونه ولا يرون القائل يقول:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيالقصي ما زوى اللَّه عنكمو به من فخار لا يحاذى وسؤدد
وقد غادرت وهنا لديها بحالب يرد بها في مصدر ثم مورد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها؟ فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به - بعد الضلالة - ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
[ ١٣٣ ]
وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء بنت أبي بكر. مكثنا ثلاث ليال لا ندري: أين توجه رسول اللَّه -ﷺ -؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب، والناس يتبعونه ويسمعون منه ولا يرونه حتى خرج من أعلى مكة فعرفنا أين توجه رسول اللَّه -ﷺ -.
قالت ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله. فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: إني واللَّه لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت: كلا واللَّه قد ترك لنا خيرا. وأخذت حجارة فوضعتها في كوة البيت. وقلت: ضع يدك على المال. فوضعها، وقال: لا بأس. إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، قالت: واللَّه ما ترك لنا شيئا وإنما أردت أن أسكت الشيخ.