فأتاهم قصي بمن معه من قريش وقضاعة وكنانة عند العقبة، فقال: نحن
_________________
(١) الحديث رواه الأربعة، ورمز له في الجامع الصغير بالصحة.
[ ٢٥ ]
أولى بهذا منكم. فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدًا. ثم انهزمت صوفة. وغلبهم قصيّ على ما كان بأيديهم. وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم، كما منع صوفة. ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة.
فلما انحازوا بادَأهم وأجمع لحربهم. فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا. تم تداعوا إلى الصلح، فحكّموا يَعْمُر بن عوف، أحد بني بكر. فقضى بينهم بأن قصيًا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة. وكل دم أصابه قصي منهم موضوع شَدْخُه تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية، وأن يخلى بين قصيّ وبين الكعبة ومكة. فسمي يومئذ يعمر الشداخ.
فوليها قصي. وجمع قومه من منازلهم إلى مكة. وتملك عليهم وملكوه. لأنه أقر للعرب ما كانوا عليه. لأنه يراه دينا لا يغير فأقر النّسَأَة وآل صفوان وعدوان، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه. حتى جاء الإسلام، فهدم ذلك كله. وفيه يقول الشاعر:
قُصَي لعمري كان يُدْعَى مجمعًا به جمع الله القبائل من فِهْرِ
فكان قصي بن لؤي أصاب ملكًا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسقاية والرفادة، والندوة، واللواء. وقَطّع مكة رباعًا بين قومه. فأنزل كل قوم منهم منازلهم.
وقيل: إنهم هابوا قطع الشجر عن منازلهم. فقطعها بيده وأعوانه، فسمته قريش " مجمعًا" لما جمع من أمرهم، وتيمنت بأمره. فلا تُنكح امرأة
[ ٢٧ ]
منهم ولا يتزوج رجل ولا يتشاورون فيما نزل بهم، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره يعقده لهم بعض ولده.
فكان أمره في حياته - وبعد موته - عندهم كالدين المتبع، واتخذ لنفسه دار الندوة، فلما كبر قصي ورقّ عظمه - وكان عبد الدار بِكْره. وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وعبد العزى وعبد الدار. فقال قصي لعبد الدار: لألْحقَنّك بالقوم وإن شرفوا عليك. لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له. ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت. ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك. ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلا من طعامك. ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلا في دارك.
فأعطاه دار الندوة، والحجابة، واللواء، والسقاية والرفادة، وهي خَرْج تخرجه قريش في الموسم من أموالها إلى قصي، فيصنع به طعامًا للحاج، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد. لأن قصيا فرضه على قريش. فقال لهم: إنكم جيران الله وأهل بيته. وإن الحاج ضيف الله، وهم أحق الضيف بالكرامة. فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا.
وكان قصي لا يخالف، ولا يرد عليه شيء صنعه.
فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم. ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك فتفرقت قريش: بعضهم معهم. وبعضهم مع عبد الدار. فكان صاحب أمر عبد مناف عبد شمس؛ لأنه أسنهم، وصاحب أمر بني
[ ٢٨ ]
عبد الدار عامرُ بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفًا مؤكدًا. فأخرج بنو عبد مناف جَفْنة مملوءة طيبًا. فغمسوا أيديهم فيها، ومسحوا بها الكعبة. فسموا " المطيبين " وتعاقد بنو عبد الدار وحلفاؤهم فسموا " الأحلاف " ثم تداعوا إلى الصلح، على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فرضوا. وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام. فقال ﷺ: «كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» .