الفصل الأول: في الأحداث التي سبقت غزوة بدر الكبرى.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في بعث حمزة إلى سيف البحر، وغزوة الأبواء، وبعث عبيدة بن الحارث.
١ـ قال البيهقي في الدلائل١: وأخبرني أبو عبد الله٢ الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني٣ قال: حدثنا جدي٤
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي ٣/٨-١٠.بسند حسن إلى الزهري، لكنها مرسلة. ٢ هو محمد بن عبد الله الحاكم، صاحب المستدرك، قال الخطيب البغدادي: "كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ..". قال: "وكان ثقة، ولد سنة ٣٢١"، تاريخ بغداد ٥/٤٧٣. ٣ إسماعيل بن محمد بن الفضل النيسابوري، أبو الحسن الشعراني من شيوخ الحاكم، قال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ، وقال الذهبي: العابد الثقة، روى عن جده ورحل وجمع وأخرج لنفسه، مات سنة ٣٤٧، ميزان الاعتدال ١/٢٤٧- ٢٤٨، والعبر ٢/٧٦. ٤ هو الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي، أبو محمد الشعراني، قال ابن أبي حاتم: "تكلموا فيه"، الجرح والتعديل ٧/٦٩، وقال ابن الأخرم: "صدوق غالٍ في التشيع"، قال الحاكم: "ثقة لم يطعن فيه بحجة"، توفي سنة ٢٨٢، انظر الجرح والتعديل ٧/٦٩، وتذكرة الحفاظ ٢/٢٢٦، وميزان الاعتدال ٣/٣٥٨.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر١ قال: حدثنا محمد بن فليح٢ عن موسى ابن عقبة٣ عن ابن شهاب قال: "بعث رسول الله ﷺ حمزة٤ في ثلاثين راكبًا وكان أول٥ بعث بعثه رسول الله ﷺ - فساروا حتى بلغوا
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر الأسدي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، توفي ٢٣٦، خ ت س ق، التقريب ص٩٤ رقم (٢٥٣) . ٢ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي المدني، صدوق يهم، من التاسعة، توفي ١٩٧، خ س ق، التقريب ٥٠٢ رقم (٦٢٢٨) . ٣ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه، توفي ١٤١، ع، التقريب ٥٥٢، رقم (٦٩٩٢) . ٤ هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو عمارة عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، ارضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ولد قبل النبي ﷺ بسنتين وقيل بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة.. شهد بدرًا.. عقد له ﷺ لواء في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإسلام، واستشهد بأحد ﵁. الإصابة ١/٣٥٤. ٥ وممن قال بذلك أيضًا: الواقدي في المغازي ١/٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٦، وخليفة في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/١٤٥، ثم قال: "وقيل: إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة، وقيل: إن أول لواء عقده ﷺ لعبد الله بن جحش والأول أصح والله أعلم" ا. هـ. انظر: الدرر ٩٦-٩٧، وقد نقل الزرقاني والشامي تصحيح ابن عبد البر لهذا القول: انظر شرح المواهب اللدنية ١/٣٩٠، وسبل الهدى والرشاد ٦/٢١، أما ابن إسحاق فقد ذكر أن سرية عبيدة هي الأولى، انظر ابن هشام ١/٥٩٥، ونقل ذلك عنه خليفة بن خياط في تاريخه ٦٢. والطبري في تاريخه ٢/٤٠٤، وابن سيد الناس في عيون الأثر ١/٣٥٤-٣٥٥، وابن حجر في الفتح ٧/٨٤.
[ ١ / ١٦٨ ]
_________________
(١) ثم قال ابن إسحاق: "وبعض الناس يقولون: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد المسلمين وذلك أن بعثه وبعْث عبيدة كانا معًا فشبه ذلك على الناس "، ثم قال: "فالله أعلم، أي ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له"، ابن هشام ١/٥٩٥-٥٩٦. وقد ورد في المصنف لابن أبي شيبة ١٤/١٢٣، ومسند أحمد ٣/١١٨-١١٩، رقم: (١٥٢٩) أرناؤوط، والبزار في كشف الأستار رقم (١٧٥٧)، أن أول لواء عقد ﷺ كان لعبد الله بن جحش إلى نخلة، ولكن مدار تلك الروايات على مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، انظر التقريب، ٥٢٠، رقم (٦٤٧٨) . وقال الهيثمي في المجمع ٦/٦٧ "وهو ضعيف عند الجمهور". وقد كان هذا البعث في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر النبي ﷺ ذكر ذلك الواقدي في المغازي ١/ ٢، وتبعه في ذلك ابن سعد كما في الطبقات ٢/٦، وخليفة بن خياط في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، والبيهقي في الدلائل، ٣/١٥، وابن القيم في الزاد ٣/١٦٣، والذهبي في تاريخ الإسلام قسم السيرة ص ٤١، وابن كثير في البداية ٣/٢٣٤، وابن حجر في الفتح ٧/٢٨٠، والواقدي متروك عند المحدثين كما قال الحافظ في التقريب ٤٩٨، مع سعة علمه، ولكن قوله مقبول هنا لأن القضية تتعلق بتاريخ بعث فقط، ولأن الواقدي من أئمة هذا الشأن، قال عنه ابن كثير ﵀: والواقدي ﵀ عنده زيادات حسنة، وتاريخه محرر غالبًا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار، البداية ٣/٢٣٤-٢٣٥. أما ابن إسحاق فقد جعلها في شهر ربيع الأول من السنة الثانية، انظر ابن هشام ١/٥٩١، ونقل الطبري قول ابن إسحاق في تاريخه ٢/٤٠٤، وذكر ابن عبد البر أنها في جمادى الأولى من السنة الثانية، انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٤٥، وذكر الذهبي أنها في أحد البيعين، انظر: تاريخ الإسلام قسم المغازي ص٤٥.
[ ١ / ١٦٩ ]
سِيْف١ البحر من أرض جهينة - فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، فحجز بينهم، مخشي بن عمرو الجهني٢ - وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعًا - فلم يعصوه، فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم فلم يكن بينهم قتال، فلبث رسول الله ﷺ بعد ذلك ثم غزا، فأول٣ غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدم ﷺ المدينة حتى
_________________
(١) ١ سيف البحر: بكسر السين المهملة، انظر: سبل الهدى والرشاد، للصالحي، ٦/١٢، والمراد بالسيف ساحل البحر. لسان العرب المحيط ٢/٢٥٤، رتبه على حروف الهجاء: يوسف خياط. ٢ وعند ابن إسحاق: مجدي بن عمرو ١/٥٩٥، وكذلك عند مسلم في صحيحه، انظر: مسلم بشرح النووي ١٨/١٣٨. ولم أجد لـ (مجدي) ولا لـ (مخشي) ترجمةً في كتب الصحابة، فلعله لم يسلم. ٣ في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم أن أول غزوة غزاها ﷺ ذات العشيرة أو العسيرة. البخاري رقم (٣٩٤٩) وسلم بشرح النووي ١٢/١٩٥ ووجهه بعضهم بأن المراد: أول غزوة شهدها زيد مع النبي ﷺ، أو أنه ربما خفي عليه ما قبل العشيرة وهي الأبواء لصغر سنه، انظر: السيرة النبوية لابن كثير ٢/٣٦٢، وفتح الباري ٧/٢٨٠-٢٨١.
[ ١ / ١٧٠ ]
بلغ (الأَبْواء) ١ ثم رجع٢.
[بعث عبيدة بن الحارث]
فأرسل ستين رجلًا من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من
_________________
(١) ١ الأَبْواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة ، ويقال لها ودَّان: وهي قرية من أعمال الفُرُع من المدينة بينها وبين الجُحْفة مما يلي المدينة ٢٣ ميلًا. معجم البلدان، لياقوت ١/٧٩. وبالأبواء اليوم آبار كثيرة، ومزارع عامرة، والمكان المزروع منه يسمى اليوم (الخريبة)، تصغير خربة، ويبعد المكان المزروع عن بلدة (مستورة) شرقًا ثمانية وعشرين كيلًا، والمسافة بين الأبواء و(رابغ) ثلاثة وأربعون كيلًا. المعالم الأثرية ص (١٧) . ٢ وكون غزوة الأبواء هي أول غزوة غزاها النبي ﷺ قد أخرجها الطبري في الكبير١٧/١٦، رقم (١٢)، بسند متصل من غير طريق الزهري، لكن في سندها كثير بن عبد الله المزني، قال عنه الهيثمي في المجمع، ٦/٦٨، ضعيف عند الجمهور، وقد حسن حديثه الترمذي، وبقية رجاله ثقات. انظر تفصيل الخبر عن غزوة الأبواء من غير طريق الزهري في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) بدون إسناد، والواقدي بإسناده الجمعي (١/١١-١٢)، وعنه ابن سعد في الطبقات (٢/٨)، وكان الرسول ﷺ قد خرج في هذه الغزوة يريد قريشاَ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا. المصادر السابقة.
[ ١ / ١٧١ ]
الأنصار أحد وأمَّر عليهم عبيدة بن الحارث بن المطلب١، فلقوا بعثًا عظيمًا من المشركين على ماء يدعى (الأحياء) ٢ من رابغ٣، فارتموا بالنبل، وانحاز المسلمون ولهم حامية تقاتل عنهم حتى هبطوا ثنية المرة، وسعد بن أبي وقاص٤ ﷺ يرمي عن أصحابه، ثم انكفأ بعضهم عن بعض، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال، وفر عتبة بن غزوان٥ والمقداد بن
_________________
(١) ١ هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم قديمًا وكان رأس بني عبد مناف حينئذ، شهد بدرًا وبارز فيها مع حمزة وعلي، وكان قد جرح فمات بعد ذلك في الصفراء بعد مقفل النبي ﷺ من بدر. الإصابة ٢/٤٤٩. ٢ جمع حي من أحياء العرب، أو حي ضد الميت وهو ماء أسفل من ثنية المرة برابغ، انظر: معجم البلدان لياقوت ١/١١٨، والمعالم الأثيرة لمحمد شراب ٢٣. ٣ رابغ: بعد الألف باء موحدة، وآخرة غين معجمة، معجم البلدان ٣/١١، وهي اليوم مدينة مشهورة بين جدة وينبع، على مسافة ١٥٥ كيلًا شمال جدة. المعالم الأثيرة ص (١٢٣) . ٤ هو سعد بن مالك بن أهيب، ويقال له وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو إسحاق بن أبي وقاص أحد العشرة وآخرهم موتًا كان أحد الفرسان وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة من أهل الشورى، مات بالعقيق وحمل إلى المدينة فصلي عليه في المسجد سنة خمس وخمسين. الإصابة ٢/٣٣. ٥ هو عتبة بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي ابن جابر بن وهب المازني حليف بني عبد شمس أو بني نوفل. من السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة ثم رجع مهاجرًا إلى المدينة رفيقًا للمقداد، وشهد بدرًا وما بعدها. الإصابة ٢/٤٥٥.
[ ١ / ١٧٢ ]
الأسود١ يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك فتوصلا٢ بالمشركين حتى خرجا إلى عبيدة وأصحابه"٣.
_________________
(١) ١ هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني وقيل الحضرمي، قال ابن الكلبي: "كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي، فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسودُ المقدادَ فصار يقال له: المقداد بن الأسود، شهد بدرًا وما بعدها، مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، الإصابة ٣/٤٥٤-٤٥٥. ٢ توصلا: أرياهم أنهما معهم حتى خرجا إلى المسلمين. النهاية ٥/١٩٣. ٣ انظر: أحداث سرية عبيدة بن الحارث في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) من دون سند، ومغازي الواقدي ١/١٠، وابن سعد في الطبقات ٢/٧.
[ ١ / ١٧٣ ]