٢٩- عبد الرزاق٢ عن معمر عن الزهري قال وأخبرني
_________________
(١) ١ هو النضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن جبر بن النحام بن عازر بن عيزر بن هارون بن عمران ﵇، وفاء الوفاء للسمهودي ١/ ١٦١. ٢ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٨ رقم (٩٧٣٣) بسند صحيح وفيه جهالة الصحابي وهي لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ١٥٦ رقم (٣٠٠٤) وحكم عليه الألباني بالصحة، انظر: صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٨٣، ومن طريق عبد الرزاق أيضًا أخرجه ابن مردويه بسند صحيح إلى معمر عن الزهري كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣١ ثم قال بعد ذكره لرواية ابن مردويه: وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق. وأخرج أبو عبيد في الأموال رقم (١٨) عن محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهري نحوه مرسلًا. ومن طريق أبي عبيد أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٣٩.
[ ١ / ٣١١ ]
_________________
(١) وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، دلائل النبوة ٣/ ١٧٨، ففي هذه الرواية الثابتة بيان سبب وقعة بني النضير وأنها كانت بعد بدر، بل بعدها بستة أشهر كما ستحددها الروايات الآتية في مبحث (تاريخ غزوة بني النضير)، وقد وافق الزهري السهيلي في الروض ٣/ ٢٥٠، والذهبي ١٥٣ في السيرة النبوية. أما ابن إسحاق فقد ذكر سببًا آخر لوقعة بني النضير تتلخص "بأن النبي ﷺ ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، فجلس النبي ﷺ إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك، فانصرف عنهم مسرعًا إلى المدينة ثم أمر بحصارهم فنزلوا على الصلح " تلخيص هذا السبب اقتبسته من السيرة الصحيحة للعمري ١/ ٣٠٧، وانظر الخبر مفصلًا عند ابن هشام ٢/ ١٩٠، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مثل ذلك، مغازي عروة ١٦٤، وابن لهيعة ضعيف. وهذا السبب الذي ذكره ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، مرسل، ولا يرتقي لمعارضة السبب الذي ذكره عبد الرزاق بسند صحيح، وبما أن السبب الذي ذكره ابن إسحاق يعود إلى حادثة بئر معونة التي كانت في السنة الرابعة، فلا بد أن تكون غزوة بني النضير في السنة الرابعة، وسيأتي التفصيل في تاريخ الغزوة في المبحث الآتي. قال الحافظ ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق (يقصد الرواية المتقدمة التي ذكرها عبد الرزاق) من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أصحاب المغازي، فالله أعلم، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قاله ابن إسحاق يعني في تاريخ الغزوة، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق". اهـ. الفتح ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.
[ ١ / ٣١٢ ]
عبد الله١ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتلُنه أو لتخرجٌنَّه أو لنستعن عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا، فاجتمعوا، وأرسلوا، وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعة، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة٢ والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (١٥٣): "أظنه انقلب، وأنه عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك شيخ الزهري، وهو مترجم في (التهذيب) ولكن ذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة في الثقات، كالذي وقع هنا، فلعله ابن عمه والله أعلم". وهو ثقة عالم من الثالثة، مات في خلافة هشام خ م د س، التقريب ٣٤٤ رقم (٣٩٢٩) . ٢ الحلْقة: بسكون اللام: هي السلاح عامًا، وقيل: هي الدروع خاصة، النهاية ١/ ٤٢٧.
[ ١ / ٣١٣ ]
يحولن بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهو الخلاخل - فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلت إلى النبي ﷺ: أخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرًا١، حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلُّنا.
فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف تفهم ونفهم، ونحن ستون رجلًا؟ أُخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنَّا كلنا، وصدقناك.
فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ابن أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ، فسارَّه بخبرهم، قبل أن يصل النبي ﷺ
_________________
(١) ١ الأحبار: جمع حَبْر بالفتح والكسر، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعب: كعب الأحبار، تفسير ابن جرير الطبري ١٠/ ٣٤١ رقم (١٢٠١٠)، طبعة شاكر، والنهاية ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ٣١٤ ]
إليهم، فرجع النبي ﷺ، فلما كان من الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب١، فحاصرهم، وقال لهم: إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء٢، وعلى أن لهم ما أقلَّت الإبل إلا الحلقة - والحلقة: السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلَّت إبل٣ من أمتعتهم، أبواب بيوتهم، وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام٤، وكان بنو النضير من سبط٥ من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء
_________________
(١) ١ كتائب: جمع كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش، النهاية ٤/ ١٤٨. ٢ الجلاء: الخروج، يقال: جلا عن الوطن يجلو جلاءًا، وأجلى يجلي إجلاءًا: إذا خرج مفارقًا، النهاية ١/ ٢٩١. ٣ هكذا في المطبوع من المصنف، ولعلها: الإبل. ٤ لم يجلوا جميعًا إلى الشام بل ذهب بعضهم إليها وذهب البعض الآخر إلى خيبر مثل: حيي بن أخطب، وابن أبي الحقيق، وسلاّم بن مشكم وغيرهم، يدل على ذلك قتالهم في غزوة خيبر وقتل ابن أبي الحقيق وأسر صفية وزواجها من النبي ﷺ. ٥ السبط: جمعه أسباط، والأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، فهو واقع على الأمة، والأمة واقعة عليه، النهاية ٢/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣١٥ ]
لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة فأعطاه الله إياه، وخصه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ٢ يقول: بغير قتال، قال: فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، [و] لرجلين من الأنصار٣ كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ في يد بني فاطمة.
_________________
(١) ١ سورة الحشر آية (١) . ٢ سورة الحشر، آية (٦) . ٣ هما: ١- أبو دجانة - سماك بن خرَشة -. ٢- سهل بن حُنيف. انظر: ابن سعد الطبقات الكبرى ٣/ ٤٧١- ٤٧٢.
[ ١ / ٣١٦ ]