٨٠- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرنا إسماعيل ابن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن فليح٢ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتَّاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني ابن أبي أويس قال: حدثنا
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧، بسند حسن إلى الزهري، لكنه مرسل. ٢ تقدمت تراجم رواة السند في الرواية رقم [١] و[٧] .
[ ١ / ٤٩٣ ]
إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: خرج أبو سفيان وقريش ومن اتبعهم من مشركي العرب معهم حيي بن أخطب، واستمدوا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأقبل بمن أطاعه من غطفان.
وبنو أبي الحقيق كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق سعى في غطفان وحضهم على القتال على أن لهم نصف ثمر خيبر١، فزعموا أن الحارث ابن عوف٢ أخا بني مرة قال لعيينة بن بدر وغطفان: يا قوم أطيعوني ودعوا قتال هذا الرجل وخلّوا بينه وبين عدوه من العرب، فغلب عليهم الشيطان، وقطع أعناقهم الطمع، فانقادوا لأمر عيينة بن بدر على قتال رسول الله ﷺ، وكتبوا إلى حلفائهم من أسد، فأقبل طليحة٣ فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان: أسد وغطفان، وكتبت قريش إلى الرجال من بني سُليم أشرافٍ بينهم وبينهم أرحام، فأقبل أبو الأعور٤ فيمن اتبعه من
_________________
(١) ١ خيبر سيأتي التعريف بها عند الحديث عن غزوة خيبر. ٢ هو الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني من فرسان الجاهلية، قدم في وفد بني مرة منصرف رسول الله ﷺ من تبوك. الإصابة ١/ ٢٨٦. ٣ هو: طليحة بن خويلد بن نوفل بن فضلة بن الأشتر الأسدي الفقعي، قدم في وفد بني أسد على رسول الله ﷺ، وكان قد ارتد، فهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين. الإصابة ٢/ ٢٣٤. ٤ هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد بن قائف بن ثعلبة بن سليم أبو الأعور السلمي مشهور بكنيته، قال أبو عمر: شهد حنينًا مع مالك بن عوف ثم أسلم، الإصابة ٢/ ٥٤٠.
[ ١ / ٤٩٤ ]
سليم مددًا لقريش، فخرج أبو سفيان في آخر السنتين فيمن اتبعه من قبائل العرب، وأبو الأعور فيمن اتبعه من بني سُليم، وعيينة بن بدر في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب١، فلما بلغ خروجهم النبي ﷺ أخذ في حفر الخندق٢، وخرج معه المسلمون فوضع رسول الله ﷺ يده في العمل معهم، فعملوا مستعجلين ويبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أنما بطش رسول الله ﷺ معهم في العمل ليكون أجدّ لهم وأقوى
_________________
(١) ١ إشارة لقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ الآية [سورة الأحزاب آية (٢٠)] إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب آية (٢٢)] . ٢ يقع الخندق في المنطقة الشمالية من المدينة، بين سلع وأسفل حرة الوبرة إلى طرف واقم من الشمال الشرقي ليربط بينهما. انظر: معجم المعالم الجغرافية ١١٤، والعمري في السيرة الصحيحة ٢/ ٤٢٠، والدر الثمين الغالي الشنقيطي ٢٠٥. وكان طوله: خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، انظر: تفسير الطبري ٢١/ ٣٣، ومجمع الزوائد ٦/ ١٣٠، والفتح ٧/ ٣٩٧، وكان الذي أشار به سلمان الفارسي رصي الله عنه، انظر: ابن هشام ٢/ ٢٢٣، ومغازي الواقدي ٢/ ٤٤٥، وفتح الباري ٧/ ٣٩٣.
[ ١ / ٤٩٥ ]
لهم بإذن الله عزوجل، فجعل الرجل يضحك من صاحبه إذا رأى منه فترة١، وقال النبي ﷺ: "لا يغضب اليوم أحد من شيء ارتجز٢ به ما لم يقل قول كعب أو حسان فإنهما يجدان من ذلك قولًا كثيرًا ونهاهما أن يقولا شيئًا يحفظان٣ به أحدًا، فذكروا أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله ﷺ معولًا من أحدهم فضرب به ثلاثًا فكسر الحجر في الثالثة، فزعموا أن سلمان الخير الفارسي٤ أبصر عند كل ضربة برقة٥ ذهبت في ثلاث وجوه كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان٦ لرسول الله ﷺ فقال: رأيت كهيئة البرق أو موج الماء عن ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق والأخرى نحو الشام، والأخرى نحو اليمن،
_________________
(١) ١ فترة: أي ضعف. النهاية ٣/ ٤٠٨. ٢ الرَّجز: بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه. وتسمى قصائده أراجيز، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجز. النهاية ٢/ ١٩٩. ٣ يحفظان به: أي يغضبان. النهاية ١/ ٤٠٨. ٤ هو: سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له: سلمان الإسلام، وسلمان الخير، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان، وكان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق. الإصابة ٢/ ٦٢. ٥ برقة: أي لمعان كالبرق. النهاية ١/ ١٢٠. ٦ المعروف أن رسول الله ﷺ هو الذي بشر الصحابة بالفتوحات عند تكسيره للحجرة التي عجز الصحابة عن تكسيرها، كما روى ذلك أحمد والنسائي وحسن الحافظ ابن حجر إسنادها. انظر: فتح الباري ٧/ ٣٩٧، والطبراني في الكبير ١١/ ٣٧٦.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فقال رسول الله ﷺ: "وقد رأيت ذلك يا سلمان؟ " قال: نعم، قد رأيت ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: "فإنه أُبْيضَ١ لي في إحداهن مدائن كسرى٢ ومدائن من تلك البلاد، وفي الأخرى مدينة الروم، والشام، وفي الأخرى مدينة اليمن وقصورها، والذي رأيت النصر يبلغهن إن شاء الله"، وكان سلمان يذكر ذلك عن رسول الله ﷺ قال: وكان سلمان رجلًا قويًا، فلما وكل رسول الله ﷺ بكل جانب من الخندق، قال المهاجرون: يا سلمان احفر معنا، فقال رجل من الأنصار: لا أحد أحق به منا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "إنما سلمان منا أهل البيت"٣.
[وقال عبد الله بن عباس: لما قتل الأسودَ العنسيَّ كذابَ صنعاء فيروز الديلمي وقدم قادمهم على رسول الله ﷺ قد أسلموا قالوا: يا رسول الله من نحن؟ قال: "أنتم إلينا أهل البيت ومنا"، فلما قضوا حفر
_________________
(١) ١ البياض: ضد السواد، الإصابة ١/ ٢٩٥، والمراد: أنه ظهر لي شيء أبيض. ٢ المدائن: جمع مدينة وتقع هذه المدائن بين أرض الفرات ودجلة بناها الأكاسرة من آل ساسان، بينهما وبين بغداد ستة فراسخ. ياقوت ٥/ ٧٤- ٧٥. ٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٩٨، والحاكم ٣/ ٥٨٩، وقال الذهبي: "سنده ضعيف، وأخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ٢١٢ رقم (٦٠٤٠) قال في المجمع (٦/ ١٣٠): "وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات"، وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص ٤٨٠- ٤٨١ رقم (٣٢٧٢): "ضعيف جدًا".
[ ١ / ٤٩٧ ]
خندقهم وذلك في شوال سنة أربع، وهو عام الأحزاب] ١ وعام الخندق أقبل أبو سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش ومن اتبعه من أهل الضلالة فنزلوا بأعلى وادي قناة من تلقاء الغابة، وغلقت بنو قريظة حصنهم، وتأشموا٢ بحيي بن أخطب وقالوا: لا تكونوا من هؤلاء القوم في شيء فإنكم لا تدرون لمن تكون الدَّبْرة٣، وقد أهلك حيي قومه ما حذروه، وأقبل حيي حتى أتى باب حصنهم، وهو مغلق عليهم، وسيد اليهود يومئذ كعب بن أسد، فقال حيي: أَثَمَّ كعب؟
قالت امرأته: ليس ههنا، خرج لبعض حاجاته.
فقال حيي: بل هو عندك مكث على جشيشته٤ يأكل منها، فكره أن أصيب معه من العشاء.
فقال كعب: ائذنوا له فإنه مشؤوم، والله ما طرقنا بخير، فدخل حيي فقال: إني جئتك والله بعز الدهر إن لم تتركه عليّ، أتيتك بقريش وسقت إليك الحليفين: أسدٌ وغطفان فقال كعب بن أسد: إنما مثلي ومثل ما جئت به كمثل سحابة أفرغت ما فيها ثم انطلقت، ويحك يا حيي دعنا
_________________
(١) ١ من قوله: وقال ابن عباس إلى هنا، أظنه من كلام موسى بن عقبة، والله أعلم. ٢ تأشموا: لعل معناها تشاءموا، والشؤم: ضد اليُمْن، وقد شأم فلان على قومه يشأمهم فهو شائم إذا جر عليهم الشؤم. اللسان (شأم) . ٣ الدَّبَرْ: بالفتح الهلاك. النهاية ٢/ ٩٨. ٤ الجشيشة: الحنطة تطحن طحنًا جليلًا، ثم تجعل في القدور ويقلى عليها لحم أو تمر وتطبخ وقد يقال لها: دشيشة، النهاية ١/ ٢٧٣.
[ ١ / ٤٩٨ ]
على عهدنا لهذا الرجل فإني لم أر رجلًا أصدق ولا أوفى من محمد وأصحابه والله ما أكرهنا على دين ولا غصبنا مالًا ولا ننقم من محمد وعملك شيئًا، وأنت تدعو إلى الهلكة فنذكرك الله إلا ما أعفيتنا من نفسك.
فقال: والله لا أفعل ولا يختبزها محمد إلى يوم القيامة، ولا نفترق نحن وهذه الجموع حتى نهلك، وقال عمرو بن سعد القرظي: يا معشر يهود إنكم قد حالفتم محمدًا على ما قد علمتم أن لا تخونوه ولا تنصروا عليه عدوًا، وأن تنصروه على من دهم١ يثرب٢، فأوفوا على ما عاهدتموه عليه فإن لم تفعلوا فخلوا بينه وبين عدوه، واعتزلوهم، فلم يزل بهم حيي حتى شامهم٣، فاجتمع ملأهم في الغد على أمر رجل واحد، غير أن بني شعبة أسدًا٤ وأسيدًا وثعلبة خرجوا إلى رسول الله ﷺ زعموا وقالت اليهود: يا حيي انطلق إلى أصحابك فإنا لا نأمنهم فإن أعطونا من أشرافهم من كل من جاء معهم رهنًا٥ فكانوا عندنا فإذا نهضوا لقتال
_________________
(١) ١ دهم: أي فاجأ. النهاية ٢/ ١٤٥. ٢ يثرب: هي مدينة المصطفى ﷺ واسمها القديم (يثرب)، فغيرها وسماها: (طيبة الطيبة) كراهة للتثريب وهو اللوم والتعيير، وقيل سميت باسم رجل من العمالقة، وقيل: هو اسم أرضها. النهاية ٥/ ٢٩٢. ٣ شامهم: أي عدل بهم عن رأيهم. القاموس، مادة (شمم) . ٤ هم ممن أسلموا من بني قريظة. انظر: الإصابة ١/ ٣٣. ٥ قال في القاموس: "الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، القاموس مادة (رهن) ".
[ ١ / ٤٩٩ ]
محمد وأصحابه خرجنا نحن فركبنا أكتافهم، فإن فعلوا ذلك فاشدد العقد بيننا وبينهم، فذهب حيي إلى قريش فعاقدوه على أن يدفعوا إليه السبعين، ومزقوا صحيفة القضية١ التي كانت بين رسول الله ﷺ وبينهم، ونبذوا إلى رسول الله ﷺ بالحرب وتحصنوا، فخرج رسول الله ﷺ فعبأ أصحابه للقتال، وقد جعلهم المشركون في مثل الحصن بين كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة٢، وأخذوا بكل ناحية حتى ما يدري الرجل أتم صلاته أم لا، ووجهوا نحو منزل رسول الله ﷺ كتيبة غليظة يقاتلونه يومًا إلى الليل، فلما حضرت الصلاة، صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم نارًا"٣، وفي
_________________
(١) ١ هي الصحيفة التي عملها النبي ﷺ وكتبها بين المسلمين واليهود عندما قدم المدينة بعد الهجرة وكان من ضمن بنودها: أن بينهم النصر جميعًا على من دهم يثرب، انظر هذه الصحيفة والوثيقة في رسالة هارون رشيد محمد إسحاق، بعنوان: صحيفة المدينة دراسة حديثية وتحقيق، من قسم الدراسات العليا من كلية التربية جامعة الملك سعود عام ١٤٠٥هـ- ص١٣٣ فما بعدها. ٢ وفي مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) بضع عشرة ليلة، وتفسيره ١/ ٨٣، وأخرج الواقدي في المغازي ٢/ ٢٩١ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا أن مدة الحصار كانت بضعة وعشرين يومًا، وأخرج كذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٧٣ عن الزهري عن ابن المسيب، وفي رواية أخرى لسعيد بن المسيب: أنهم حاصروهم أربعًا وعشرين ليلة. انظر: الإصابة ٢/ ٧٣. ٣ أخرجه البخاري في الصحيح. انظر: الفتح ٧/ ٤٠٥ رقم (٤١١١) وانظر رقم (٤١١٢) ورقم (٢٩٣١) ورقم (٤٥٣٣) ومسلم في المساجد (٦٢٧) باب التغليظ في تفويت الصلاة، وأبا داود في الصلاة رقم (٤٠٩)، وأحمد ٢/ ١٢٩ رقم [٥٩١] أرناؤوط، والدارمي في الصلاة ١/ ٢٨٠، باب في الصلاة الوسطى من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي رصي الله عنه.
[ ١ / ٥٠٠ ]
رواية ابن فليح: "بطونهم وقبورهم نارًا"١.
فلما اشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: "والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع الله عزوجل إليّ مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزوجل".
وقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ههنا لا يأمن أحدنا أن يذهب الغائط، والله لما يعدنا إلا غرورًا٢، وقال آخرون ممن معه: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة٣، وقال آخرون: يا أهل يثرب لا مقام
_________________
(١) ١ هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٤٠٢، ولعلها: "قبورهم وبطونهم نارًا" ٢ ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب آية رقم (١٢)] . ٣ حكى الله عنهم في ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَارًا﴾ [الأحزاب آية (١٣)] .
[ ١ / ٥٠١ ]
لكم فارجعوا١.
وبعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أخا عبد الأشهل، وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة٢ وخوات بن جبير إلى بني قريظة ليكلموهم ويناشدوهم في حلفهم، فانطلقوا حتى أتوا باب حصن بني قريظة، استفتحوا ففُتح لهم، فدخلوا عليهم فدعوهم إلى الموادعة٣ وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسروا جناحنا، يريدون بجناحهم المكسورة بني النضير، ثم أخرجوهم وشتموا النبي ﷺ شتمًا، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه، فقال سعد بن معاذ لسعد بن عبادة: إنا والله ما جئنا لهذا ولَمَا بيننا أكثر من المشاتمة ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني
_________________
(١) ١ جزء من الآية السابقة. ٢ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الخزرجي الأنصاري الشاعر المشهور يكنى أبا محمد من السابقين الأولين من الأنصار وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. الإصابة ٢/ ٣٠٦. ٣ الموادعة: يقال: توادع الفريقان: إذا أعطى كل واحد منهم الآخر عهدًا ألاَّ يغزوه، النهاية (٥/ ١٦٧) .
[ ١ / ٥٠٢ ]
النضير أو أمّر منه.
فقالوا: أكلتَ أَيْر أبيك، فقال: غير هذا من القول كان أجمل وأحسن منه.
فرجعوا إلى رسول الله ﷺ حين يئسوا مما عندهم، فعرف رسول الله ﷺ في وجوههم الكراهية لما جاءوا به، فقال: ما وراءكم؟
فقالوا: أتيناك من عند أخابث خلق الله وأعداهم لله ولرسوله ﷺ، وأخبروه بالذي قالوا، فأمرهم رسول الله ﷺ بكتمان خبرهم وانصرف رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وهم في بلاء شديد يخافون أشد من يوم أحد فقالوا: حين رأوا رسول الله ﷺ مقبلًا: ما وراءك يا رسول الله، قال: "خيرًا فأبشروا"، ثم تقنع بثوبه فاضطجع ومكث طويلًا واشتد عليهم البلاء والخوف حين رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا أنه لم يأته من بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: "أبشروا بفتح الله ونصره"، فلما أصبحوا دنا القوم بعضهم إلى بعض، فكان بينهم رمي بالنبل والحجارة، قال ابن شهاب: قال سعيد بن المسيب١: قال رسول الله ﷺ: "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" ٢، وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي وهو من المشركين
_________________
(١) ١ انظر: مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) . ٢ هذا الدعاء ذكره ﷺ في غزوة بدر كما في البخاري وغيره. انظر: الصحيح مع الفتح ٧/ ٢٨٧، وأخرجه ابن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. الطبقات الكبرى ٢/ ٧٣.
[ ١ / ٥٠٣ ]
على فرس له ليقحمه١ الخندق فقتله الله، وكبت به المشركين وعظم في صدورهم وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ إِنّا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي ﷺ: إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله، ولعن ديته، فلا أربَ٢ لنا بديته، ولسنا مانِعِيكُم أن تدفنوه، ورمي سعد بن معاذ رمية فقطعت منه الأكحل٣ من عضده٤ ورماه زعموا حبان بن قيس٥ أخو بني عامر بن لؤي، ثم أحد بني العَرِقَة٦، ويقول آخرون: أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، وقال سعد بن معاذ: رب اشفني من بني قريظة قبل الممات فرَقَأَ٧ الكلْم٨ بعدما كان قد انفجر، وصبر أهل
_________________
(١) ١ ليقحمه: يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم، وتقحمه، إذا رمى نفسه فيه من غير روية وتثبت. النهاية ٤/ ١٨. ٢ لا أرب: أي لا حاجة. النهاية ١/ ٣٥. ٣ الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية ٤/ ١٥٤. ٤ العضد: ما بين الكتف والمرفق. النهاية ٣/ ٢٥٢. ٥ قال السهيلي: "هو حبان بن قيس بن العرقة. الروض ٣/ ٢٨٠، قال: وحبان هو عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. ويشهد له ما في صحيح البخاري فقد ذكر أن الذي رماه: حبان بن العرقة". انظر: الصحيح مع الفتح ٧/ ٤١١. ٦ العَرِقَة: هي: قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها. وهي جدة خديجة أم أمها هالة. الروض ٣/ ٢٨٠. ٧ رقأ: يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءًا بالضم إذا سكن وانقطع. النهاية ٢/ ٢٤٨. ٨ الكلم: الجرح. النهاية ٤/ ١٩٩.
[ ١ / ٥٠٤ ]
الإيمان على ما رأوا من كثرة الأحزاب وشدة أمرهم، وزادهم يقينًا لموعد الله ﵎ الذي وعدهم، ثم رجع بعضهم عن بعض، ثم إن أبا سفيان أرسل إلى بني قريظة أن قد طال ثُواؤنا١ ههنا وأجدب٢ من حولنا فما نجد رعيًا للظهر، وقد أردنا أن نخرج إلى محمد وأصحابه فيقضي الله بيننا وبينهم فماذا ترون؟
وبعثت بذلك غطفان، فأرسلوا إليهم: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم فانهضوا فإنا لا نحبسكم إذا بعثتم بالرهن إلينا، وأقبل رجل من أشجع يقال له نعيم بن مسعود٣ يذيع٤ الأحاديث وقد سمع الذي أرسلت به قريش وغطفان إلى بني قريظة والذي رجعوا إليهم، فلما رآه رسول الله ﷺ أشار إليه وذلك عشاءً، فأقبل نعيم بن مسعود حتى دخل على رسول الله ﷺ قُبَّةً له تُركية ومعه نفر من أصحابه فقال له رسول الله ﷺ: "ما وراءكم؟ ".
_________________
(١) ١ ثوى: المثوى المنزل من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام فيه. النهاية ١/ ٢٣٠. ٢ الجدْب: هو القحط، وهي الأرض التي لا نبات فيها. النهاية ١/ ٢٤٢- ٢٤٣. ٣ هو: نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ الأشجعي يكنى أبا سلمة الأشجعي أسلم ليالي الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان، قتل في أول خلافة علي رصي الله عنه، وقيل مات في خلافة عثمان رصي الله عنه. الإصابة ٣/ ٥٦٨. ٤ ذاع الخبر يذيع ذيعًا وذيوعًا: انتشر، والمذياع: بالكسر من لا يكتم السر. القاموس (ذاع) .
[ ١ / ٥٠٥ ]
قال: إنه والله مالك طاقة بالقوم وقد تحزبوا عليك وهم معالجوك، وقد بعثوا إلى بني قريظة أنه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا وقد أحببنا أن نعاجل محمدًا وأصحابه فنستريح منهم، فأرسلت إليهم بنو قريظة: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم، فابعثوا بالرهن ثم لا يحبسكم إلا أنفسكم.
فقال له رسول الله ﷺ: "إني مسر إليك شيئًا فلا تذكره"، قال: نعم، قال: "إنهم قد أرسلوا إليّ يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم"، فخرج نعيم من عند رسول الله ﷺ إلى غطفان، فقال رسول الله ﷺ: "إن الحرب خدعة١، وعسى الله أن يصنع لنا"، فأتى نعيم غطفان فقال: إني لكم ناصح وإني قد اطلعت على غدر يهود، تعلمون أن محمدًا ﷺ لم يكذب قط، وإني سمعته يحدث أن بني قريظة، قد صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى ديارهم وأموالهم، ويدفعوا إليه الرهن، ثم خرج نعيم ين مسعود الأشجعي حتى أتى أبا سفيان بن حرب وقريشًا فقال: اعلموا أني قد اطلعت على غدر يهود،
_________________
(١) ١ خدعة: قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات، واتفقوا على أن أفصحهن خَدعة بفتح الخاء وإسكان الدال، والثانية بضم الخاء، والثالثة بضم الخاء وفتح الدال، النووي على مسلم ١٢/ ٤٥. وقوله ﷺ: "الحرب خدعة" أخرجه البخاري في الجهاد رقم (٣٠٣٠)، ومسلم في الجهاد رقم (١٧٣٩)، وأبو داود رقم (٢٦٣٦)، والترمذي في الجهاد رقم (١٦٧٥) .
[ ١ / ٥٠٦ ]
إني سمعت محمدًا يحدث أن بني قريظة صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى دورهم وأموالهم، على أن يدفعوا إليه الرهن ويقاتلون معه ويعيدون الكتاب الذي كان بينهم، فخرج أبو سفيان إلى أشراف قريش فقال: أشيروا عليّ وقد ملّوا مقامهم، وتعذرت عليهم البلاد، فقالوا: نرى أن نرجع ولا نقيم فإن الحديث على ما حدثك نعيم والله ما كذب محمد، وإن القوم لغدر.
وقال الرُّهْن حين سمعوا الحديث: والله لا نأمنهم على أنفسنا ولا ندخل حصنهم أبدًا، قال أبو سفيان: لن نعجل حتى نرسل إليهم فنتبين ما عندهم، فبعث أبو سفيان إليهم عكرمة بن أبي جهل وفوارس، وذلك ليلة السبت، فأتوهم فكلموهم فقالوا: إنا مقاتلون غدًا فاخرجوا إلينا.
قالوا: إن غدًا السبت وإنا لا نقاتل فيه أبدًا.
قال عكرمة: إنا لا نستطيع الإقامة، هلك الظهر والكراع ولا نجد رعيًا.
قالت اليهود: إنا لا نعمل يوم السبت عملًا بالقتال، ولكن امكثوا إلى يوم الأحد، وابعثوا إلينا بالرهن، فرجع عكرمة وقد يئس من نصرهم، واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلًا ولا نهارًا، وأراد رسول الله ﷺ أن يبعث رجلًا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه١ فقال: "هل أنت
_________________
(١) ١ الذي في صحيح مسلم ٣/ ١٤١٤- ١٤١٥ رقم (١٧٨٨) "أن النبي ﷺ انتدب حذيفة بن اليمان رصي الله عنه بعد أن نادى في الناس أن يأتوه بخبر القوم، فلما لم يجبه أحد عين حذيفة رصي الله عنه"، ولم أر في المصادر التي وقفت عليها أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا من أصحابه فاعتل.
[ ١ / ٥٠٧ ]
مطلع القوم؟ "
فاعتل١ فتركه، وأتى آخر، فقال مثل ذلك، وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول الله ﷺ وهو في ذلك صامت لا يتكلم مما به من الضر والبلاء، فأتاه رسول الله ﷺ وهو لا يدري من هو، فقال: "من هذا؟ " قال: أنا حذيفة بن اليمان، قال: "إياك أريد، أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم؟ "
قال حذيفة: والذي بعثك بالحق إنه لبأُذني، قال: "فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي؟ "
قال: الضر والجوع، فلما ذكر الجوع، ضحك رسول الله ﷺ فقال: "قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا،" فقام حذيفة مستبشرًا بدعاء رسول الله ﷺ كأنه احتمل احتمالًا، فما شكا من جوع ولا خوف ولا درى شيئًا مما أصابه قبل ذلك من البلاء، فانطلق حتى أجاز الخندق من أعلاه، فجلس بين ظهري المشركين، فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا
_________________
(١) ١ اعتل: العلة بالكسر: المرض. القاموس ١٣٣٨ (علل) .
[ ١ / ٥٠٨ ]
النيران، وقال: ليعلم كل امرئ مَنْ جليسه، فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه، فقال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وقبض يد رجل عن يساره قال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وبَدَرَهُم بالمسألة خشية أن يفطنوا له، ثم إن أبا سفيان أذَّن بالرحيل، فارتحلوا وحملوا الأثقال، فانطلقت ووقفت الخيل ساعة من الليل، ثم انطلقت، وسمعت غطفان الصياح والإرصاء١ من قبل قريش، فبعثوا إليهم، فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا٢ لا يلوون على شيء، وقد كان الله عزوجل قَبْلَ رحيلهم قد بعث عليهم بالريح٣ بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق الله لهم بيتًا يقوم، ولا رمحًا حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا والريح أشد ما كانت معها جنود الله لا تُرى كما قال الله عزوجل٤، ورجع حذيفة ببيان خبر القوم، فأتى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي - وكذلك فعل رسول الله ﷺ حين خرج محمد بن مسلمة وأصحابه فقتلوا كعب بن الأشرف، فلم يزل قائمًا يصلي حتى فرغوا منه وسمع التكبير، - ولما دنا
_________________
(١) ١ لم يتبين لي معناها. ٢ انقشعوا: تفرقوا. القاموس المحيط (قشع) . ٣ إشارة لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ الآية [الأحزاب آية رقم (٩)] . ٤ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب آية رقم (٩)] .
[ ١ / ٥٠٩ ]
حذيفة من رسول الله ﷺ أمره أن يدنو حتى ألصق ظهره برجل رسول الله ﷺ فثنا ثوبه حتى دفئ، ثم انصرف إليه رسول الله ﷺ فسأله عن القوم، فأخبره الخبر، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون قد فتح الله عزوجل لهم وأقرّ أعينهم، فرجعوا إلى المدينة شديدًا بلاؤهم مما لقوا من محاصرة العدوّ، وكانوا حاصروهم في شتاء شديد فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح١.
_________________
(١) ١ وقد أخرج الواقدي في المغازي ٢/٤٨٦ من طريق معمر، عن الزهري مرسلًا نحوه.
[ ١ / ٥١٠ ]