هناك أمور أعطت مرويات الزهري في المغازي أهمية وقيمة كبيرة وهي:
١- اعتماده على الإسناد:
فالزهري يعَدّ من كبار المحدثين ومن الذين لهم عناية خاصة بالإسناد والتمسك به، وقد زاد اهتمامه بذلك عندما لحظ بعض الأحاديث التي تذهب إلى العراق فيزاد فيها، حيث يقول: يخرج الحديث من عندنا شبرًا فيرجع ذراعًا – يعني من العراق١.
وقد سمع أهل الشام يقولون: قال رسول الله ﷺ، فقال: يا أهل الشام مالي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم٢. فتمسك الناس بالإسناد من يومئذ٣."
وسمع مرة إسحاق بن أبي فروة يحدث فيرسل فغضب وقال: "قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأَك على الله، ألا تسند حديثك يا ابن أبي فروة؟ ما هذه الأحاديث التي ليس لها خطم ولا أَزِمَّة"٤.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ ٢/٧٦١. ٢ تاريخ دمشق رقم (١٠٤) من ترجمة الزهري. ٣ المصدر السابق. ٤ الطبقات الكبرى لابن سعد ١٧٩-١٨٠، القسم المتمم، وشرح علل الترمذي ١/١٨٥، وتاريخ أبي زرعة (١٣٢٤)، والضعفاء للعقيلي ١/١٠٢، والمجروحين لابن حبان ١/١٣٢، والحلية ٣/٣٦٥، والإرشاد للخليلي ١/١٩٤، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٨) بلفظ: (قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأك على الله ) .
[ ١ / ١٦٠ ]
أما مروياته المرسلة فقد ورد لبعضها أو لبعض أجزائها شواهد موصولة من طرق صحيحة١، مما يزيد من قيمة روايات هذا الإمام.
٢- أن معظم روايات الزهري عن أهل المدينة أبناء الصحابة الذين بدورهم تلقوا هذا العلم من أفواه الصحابة الذين عايشوا التنزيل، وعاصروا تلك الأحداث وشهدوها، فأكسبت هذه الميزة مزيدًا من القوة لروايات الزهري.
٣- أن روايات الزهري موافقة لما عند غيره من أهل المغازي إلا ما ندر٢، بل وموافقة لما عند المحدثين الكبار أمثال الإمام أحمد، والبخاري،
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال: الرواية رقم (٧) عن حديث غزوة بدر الرواية رقم (٩) عن أسرى المشركين يوم بدر، الرواية رقم (٢٥) أحداث غزوة أحد، الرواية رقم (٢٧) عن أحداث غزوة بني النضير، الرواية رقم (٤٥) عن سرية بئر معونة، الرواية رقم: (٦٧) عن أحداث غزوة بني قريظة، الرواية رقم (٨٢) عن فتح خيبر ومقتل مرحب اليهودي، الرواية رقم (٩٢) عن قصة الشاة المصلية المسمومة التي قدمتها امرأة يهودية في خيبر للنبي ﷺ، والرواية (١٠٣) عن غزوة مؤتة، الرواية رقم (١٠٨) عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، الرواية رقم (١٤٩) عن سرية مقتل ابن أبي الحقيق. وهذه أمثلة فقط تدل على أن بعض الروايات المرسلة قد وردت من طرق من غير طريق الزهري عند المحدثين وغيرهم. ٢ مثل قوله في عدد أسرى المشركين في يوم بدر، انظر: الرواية رقم (٩) . وتاريخ غزوة بني النضير، انظر: الرواية رقم (٢٧) علمًا أن الراجح ما قاله الزهري حسب ما ظهر لي، بالرغم من مخالفته لكُتَّاب المغازي.
[ ١ / ١٦١ ]
ومسلم، وغيرهم.
٤- أن روايات الزهري قد شملت معظم غزوات الرسول ﷺ، وجزءًا كبيرًا من سراياه خاصةً تلك التي لها أهمية كبيرة، مثل سرية الرجيع، وسرية بئر معونة، وسرية مقتل كعب بن الأشرف، وسرية مقتل ابن أبي الحُقَيق، وسرية عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان الهذلي، وسرية مؤتة.
[ ١ / ١٦٢ ]