٦٧- قال البخاري رحمه الله١: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقّاص وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها٢ من
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣١ رقم (٤١٤١) . ٢ يُعد الزهري أول من استخدم جمع الإسانيد ليكتمل السياق وتتصل الأحداث دون أن تقطعها الأسانيد. أكرم العمري: السيرة الصحيحة ١/٥٥. وقد انتقد على الزهري في هذا حيث لم يذكر حديث كلٍّ منهم على جهته، كما حكى ذلك القاضي عياض، ونقله الحافظ العراقي في طرح التثريب ٨/٤٧. ولكن هذا الانتقاد ليس في محله، فقدقال الإمام النووي ﵀: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا منع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بيّن أن بعض الحديث عن بعضهم، وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجلِّ التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضرّ، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به" النووي على مسلم ١٧/ ١٠٢- ١٠٣. وقال في موضع آخر أثناء تعداده لفوائد الحديث: "إحداها جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه وهذا وإن كان فعل الزهري وحده فقد أجمع المسلمون على قبوله والاحتجاج به" النووي على شرح مسلم ١٧/ ١١٦. وقال ابن رجب في شرح العلل (٣٥٩) بعد أن ذكر أقوال بعض العلماء فيمن يفعل ذلك: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديث، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره". قال الحافظ ابن حجر: "وحاصله أن جميع الحديث عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم". الفتح ٨/ ٤٥٧.
[ ١ / ٤٥٢ ]
بعض وأثبت له اقتصاصًا وقد وعيتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضًا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة١ غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع
_________________
(١) ١ هي: غزوة بني المصطلق - المريسيع - كما جاء ذلك مصرحًا في بعض الروايات، انظر: ابن هشام ٢/ ٢٩٧، وأبا يعلى في مسنده ٨/ ٣٢٢ رقم (٤٩٢٧)، وتاريخ الطبري ٢/ ٦١١، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٩٧- ٩٧ رقم (١٤٥)، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٦٣، إلا أنه قال: المريسيع، و٤/ ٧٣، وقال البخاري: "وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان حديث الإفك في غزوة المريسيع"، البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٨، وقد وصل هذه الرواية البيهقي في الدلائل ٤/ ٦٣، والجوزقي كما ذكر الحافظ ابن حجر في التغليق ٤/ ١٢٣.
[ ١ / ٤٥٣ ]
رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب١، فكنت أحمل في هودجي٢ وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع٣ ظَفَار٤ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم
_________________
(١) ١ تقدم الكلام على الحجاب ونزوله وأنه كان سنة أربع على المشهور، انظر: الرواية رقم [٦٥] من هذا البحث. ٢ الهودج: - بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة آخره جيم - محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه يوضع على ظهر البعير، يركب عليه النساء ليكون أستر لهن. الفتح ٨/ ٤٥٨. ٣ الجزع: - بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة -، وهو خرز يماني، النووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. وانظر: فتح الباري ٨/ ٤٥٨- ٤٥٩. ٤ ظفار: بوزن قطام، - وهي مبنية على الكسر -، اسم مدينة لحمير باليمن، النهاية ٣/ ١٥٨، وانظر الفتح ٨/ ٤٥٩.
[ ١ / ٤٥٤ ]
يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهَبَّلْن١ ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العُلقة٢ من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت٣ منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطَّل السلمي٤ ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي
_________________
(١) ١ يُهبَّلن: - بضم التحتانية وتشديد الموحدة - أي: لم يكثر عليهن اللحم، يقال: هبّله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضًا. النهاية ٥/ ٢٤٠. ٢ العُلقة: - بضم المهملة وسكون اللام - من الطعام: أي البلغة منه/ النهاية ٣/ ٢٨٩، والنووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. ٣ تيممت منزلي: أي قصدته. النووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. ٤ هو: صفوان بن المعطل بن ربيعة - بالتصغير -، ابن خزاعي السلمي ثم الذكواني، الإصابة ٢/ ١٩٠، والمعطّل: - بفتح الطاء المهملة المشددة -. الفتح ٨/ ٤٦١. ٥ أي: قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما جاء مصرحًا بذلك عند ابن إسحاق. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٩٨. ٦ خمرت وجهي: أي غطيتنه، والتخمير: التغطية، النهاية ٢/ ٧٧، والنووي على مسلم ١٧/ ١٠٥.
[ ١ / ٤٥٥ ]
بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين١ في نحر الظهيرة٢، وهم نزول، قال: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك٣ عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه٤، وقال عروة أيضًا: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت٥، ومسطح ابن أثاثة٦، وحمنة بنت
_________________
(١) ١ موغرين: - بضم الميم وسكون الغين المعجمة والراء المهملة -، أي: نازلين في وقت الوغرة - بفتح الواو وسكون الغين -: وهي شدة الحر لما تكون الشمس في كبد السماء. شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ١٠٥. ٢ في نحر الظهيرة: أي أولها، ونحر النهار والشهر: أوله. القاموس ٦١٧، مادة (نحر) . ٣ كبر الإفك: كبر الشيء معظمه أي إثمه، النووي مع مسلم ١٧/ ١٠٥، والفتح ٨/ ٤٦٤، والإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه على وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب، وقيل هو: البهتان. فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٢. ٤ يستوشيه: أي يستخرجه بالبحث عنه والتفتيش، ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا يدعه يخمد. فتح الباري ٨/ ٤٦٤. ٥ هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ، قال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين. ومات وهو ابن عشرين ومائة. الإصابة ١/ ٣٢٦. ٦ هو: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي، كان اسمه عوفًا وأما مسطح فلقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر الصديق، توفي سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ويقال عاش إلى خلافة علي وشهد معه صفين ومات في تلك السنة سنة سبع وثلاثين. الإصابة ٣/ ٤٠٨- ٤٠٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
جحش١ في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وِقاء٢
قالت عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون٣ في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم٥؟ "
_________________
(١) ١ هي: حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب، كانت زوج مصعب ابن عمير فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، كانت من المبايعات وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم. الإصابة ٤/ ٢٧٥. ٢ ديوانه ﵁ (٦٢) . ٣ يُفيضون: - بضم أوله - أي يخوضون، من أفاض إذا أكثر منه. الفتح ٨/ ٤٦٥ ٤ يَريبني: - بفتح أوله - من الريب، ويجوز الضم من الرباعي، يقال: رابه وأرابه. الفتح ٨/ ٤٦٥. ورابه: شككه وأوهمه، شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٦. ٥ تيكم: - بالمثناة المكسورة - وهي للمؤنث مثل ذاكم للمذكر، الفتح ٨/ ٤٦٥، قال الحافظ: واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء ولكنها لما لم تكن تدري السبب لم تبالغ في التنقيب عن ذلك حتى عرفته. الفتح ٨/ ٤٦٥.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ثم ينصرف فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت١، فخرجت مع أم مسطح٢ قِبَل المناصع٣، وكان متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف٤ قريبًا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأُول٥ في البرية٦ قبل الغائط، وكنا
_________________
(١) ١ نقهت: - بفتح القاف وقد تكسر -، والأول أشهر، والناقِه: - بكسر القاف - الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٢ أم مسطح: - بكسر الميم وسكون السين، وفتح الطاء بعدها حاء مهملة - قيل: اسمها سلمى، الفتح ٨/ ٤٦٥، قال الحافظ: وفيه نظر لأن سلمى اسم أم أبي بكر، ثم ظهر لي أن لا وهم فيه فإن أم أبي بكر خالتها. فسميت باسمها. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٣ قبل المناصع: أي جهتها، والمناصع: صعيد أفيح خارج المدينة، كان أهل المدينة يتبرزون فيها، الفتح ٨/ ٤٦٥، وشرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٦. ٤ الكنف: - بضمتين - جمع كنيف وهو الساتر، والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة، الفتح ٨/ ٤٦٥. ٥ وأمرنا أمر العرب الأُول: - بضم الهمزة وتخفيف الواو -: صفة العرب، وبفتح الهمزة وتشديد الواو: صفة الأمر، قال النووي: "كلاهما صحيح تريد أنهم لم يتخلقوا بأخلاق العجم" الفتح ٨/ ٤٥٦، وانظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٧. ٦ في البرية: - بفتح الموحدة وتشديد الراء ثم التحتانية -، والمراد البعد عن البيوت. الفتح ٨/ ٤٦٥.
[ ١ / ٤٥٨ ]
نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهم بن المطلب١ بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعَثَرَت٢ أم مسطح في مِرْطها٣، فقالت: تَعِسَ مسطح٤، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين
_________________
(١) ١ ابنة أبي رُهم: - بضم الراء وسكون الهاء -، وفي رواية صالح: بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وهو الصواب، واسم أبي رهم: أنيس. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٢ عثرت: عثر: كبا، والعثرة: الزلة، وعثر به فرسه: سقط، اللسان ٢/ ٦٨٤، مادة (عثر) . ٣ المرط: - بكسر الميم - كساء من صوف، وربما كان من خز أو غيره. النهاية ٤/ ٣١٩. قال الحافظ: "وهذه ظاهره أنها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام بن عروة - حديث رقم [٤٧٥٧]- أنها عثرت قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له لا تجد منه لا قليلًا ولا كثيرًا، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق (٢/ ٢٩٩)، قالت: "فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي" وفي رواية ابن أويس: (فذهب عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عودي على بدئي) وفي حديث ابن عمر: (فأخذتني الحمى وتقلص ما كان مني)، ويجمع بينهما بأن معنى قولها: "وقد فرغنا من شأننا) أي من شأن المسير، لا قضاء الحاجة". اهـ. كلام الحافظ. الفتح ٨/ ٤٦٦. ٤ تَعِسَ: - بفتح المثناة وكسر العين المهملة وبفتحها أيضًا بعد سين مهملة - أي كب بوجهه، أو هلك ولزمه الشر. الفتح ٨/ ٤٦٦.
[ ١ / ٤٥٩ ]
رجلًا شهد بدرًا؟
قالت: أي هُنْتاه١، ولم تسمعي ما قال؟
قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك قالت: فازددت مرضًا على مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: (كيف تيكم؟)
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس، قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما امرأة قط وضيئة٢ عند رجل يحبها لها ضرائر٣ إلا أكثرن عليها٤، قالت: فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا٥؟
_________________
(١) ١ هنتاه: أي حرف نداء للبعيد، وقد يستعمل للقريب حيث ينزل منزلة البعيد، والنكتة فيه هنا أن أم مسطح نسبت عائشة إلى الغفلة عما قيل فيها ولإنكارها سبّ مسطح فخاطبتها خطاب البعيد، وهي بضم الهاء وسكون النون، وقد تفتح، بعدها مثناة وآخرها هاء ساكنة، الفتح ٨/ ٤٦٦. ٢ وضيئة: بوزن عظيمة من الوضاءة أي حسنة جميلة، وعند مسلم من رواية ابن ماهان (حظية) بمهملة ثم معجمة من الحظوة أي رفيعة المنزلة. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٣ ضرائر: جمع ضرة، وقيل للزوجات ضرائر لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٤ أكثرن عليها: أي القول في عيبها. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٥ زاد الطبري (التفسير ١٨/ ٩١) من طريق معمر عن الزهري: "وبلغ رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم"، وفي رواية ابن هشام (عند البخاري رقم ٤٧٥٧): "فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم، ورسول الله ﷺ". الفتح ٨/ ٤٦٧. ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: "طرق الحديث مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح، لكن وقع في حديث أم رومان ما يخالف ذلك ولفظه: "بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقلت: وما ذاك؟ قالت: ابني ومن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا" هذا لفظ المصنف في المغازي، ولفظه في قصة يوسف: "قالت: إنه نمى الحديث، قالت عائشة: أي حديث؟ فأخبرتها، قالت: فسمعه أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، فخرت مغشيًا عليها". وطريق الجمع بينهما: أنها سمعت ذلك أولًا من أم مسطح ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها، فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا كما مضى من قولها هوني عليك وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها، فقوي عندها القطع بوقوع ذلك، فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيًا منها أن لا يكونا سمعا ذلك ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها إنهما سمعاه غشي عليها". الفتح ٨/ ٤٦٧- ٤٦٨.
[ ١ / ٤٦٠ ]
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ١ لي دمع ولا أكتحل بنوم٢، ثم أصبحت أبكي، قال: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين اسْتَلْبَثَ٣ الوحي يسألهما ويستشيرهما في
_________________
(١) ١ لا يرقأ لي دمع: بالقاف بعدها همز: أي لا ينقطع. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٢ أكتحل بنوم: استعارة للسهر. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٣ استلبث الوحي: بالرفع أي طال لبث نزوله، وبالنصب أي: استبطأ النبي ﷺ نزوله، الفتح ٨/ ٤٦٨
[ ١ / ٤٦١ ]
فراق أهله.
قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق عليك والنساء سواها كثير١ وسل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة٢، فقال: أي بريرة:
_________________
(١) ١ كذا بصيغة التذكير كأنه أراد الجنس. الفتح ٨/ ٤٦٨. قال الحافظ: "وهذا الكلام الذي قاله علي حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان ﷺ شديد الغيرة، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين. الفتح ٨/ ٤٦٨. وقال النووي: "هذا الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر وتقلقه فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره" شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٨. وقال الحافظ ابن حجر: "وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله: "وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة". الفتح ٨/ ٤٦٨. ٢ بريرة هي: مولاة عائشة ﵂، - وهي بفتح الموحدة وكسر الراء - الفتح ٨/ ٤٦٩، انظر ترجمتها في الإصابة ٤/ ٢٥١- ٢٥٢.
[ ١ / ٤٦٢ ]
هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه١، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٢ فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي"، قالت: فقام سعد بن معاذ٣ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان٤ ابنة عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية٥،
_________________
(١) ١ أغمصه: - بغين معجمة وصاد مهملة - أي: أعيبه. الفتح ٨/ ٤٧٠. ٢ الداجن: - هي بدال مهملة ثم جيم -: الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقيل هي كل ما يألف البيوت مطلقًا شاة أو طيرًا. الفتح ٨/ ٤٧٠. ٣ هو سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري. تقدمت ترجمته. ٤ أم حسان اسمها: الفُريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود زيد بن ثعلبة. الفتح ٨/ ٤٧٢. ٥ احتملته الحمية: - بمهملة ثم مثناة ثم ميم -: أي أغضبته. الفتح ٨/ ٤٧٢.
[ ١ / ٤٦٣ ]
فقال لسعد: كذبت لعمر الله١ لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد٢ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين٣، قالت: فثاور٤ الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت٥، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع
_________________
(١) ١ كذبت لعمرو الله: العمر - بفتح العين المهملة - هو البقاء، والعُمر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح. الفتح ٨/ ٤٧٢. ٢ قوله: وهو ابن عم سعد: أي من رهطه، ولم يكن ابن عمه لحًاّ، لأنه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وأسيد بن حضير بن سماك بن عقيل بن امرئ القيس، إنما يجتمعان في امرئ القيس، وهما في التعدد إليه سواء. الفتح ٨/ ٤٧٤. وقوله: "لحًاّ" أي لاصق القرابة. القاموس (لحح) . ٣ تجادل عن المنافقين: أطلق أسيد ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله، وأراد بقوله: فإنك منافق، أي تصنع صنيع المنافقين. الفتح ٨/ ٤٧٤. ٤ فثاور: هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى رقم [٤٧٥٠]: فتثاور الحيان: - بمثناة ثم مثلثة -: تفاعل من الثورة، والحيان بمهملة ثم تحتانية تثنية حي، والحي كالقبيلة، أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب. الفتح ٨/ ٤٧٤. ٥ حتى سكتوا وسكت: وفي رواية ابن حاطب (فلم يزل يومئ بيده إلى الناس ها هنا حتى هدأ الصوت) وفي رواية فليح: فنزل فخفضهم حتى سكتوا)، ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضًا ليكمل تسكيتهم، ووقع في رواية عطاء الخراساني في المعجم الكبير للطبراني ٢٣/ ٧٧ عن الزهري (فحجز بينهم) الفتح ٨/ ٤٧٤.
[ ١ / ٤٦٤ ]
ولا أكتحل بنوم، قالت وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي١، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة٢ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي.
قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، ولقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ ثم قال: "أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله، وإن كنت ألممت٣ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص٤ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول
_________________
(١) ١ الفلق بالسكون: الشق. النهاية ٣/ ٤٧١- ٤٧٢. ٢ قال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٧٤: "لم أقف على اسمها". ٣ ألممت بذنب: أي وقع منك على خلاف العادة، وهذه حقيقة الإلمام ومنه "ألمت بنا والليل مرخ ستوره" الفتح ٨/ ٤٧٥. ٤ قَلَصَ دمعي: - بفتح القاف واللام ثم المهملة -: أي: استمسك نزوله فانقطع، ومنه قلص الظل، وتقلص إذا شمر. قال القرطبي: "سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة" الفتح ٨/ ٤٧٥.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الله ﷺ عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا١ - إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتُصَدِّقنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا قول أبي يوسف٢ حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾ ٣، ثم تحولت فاضطجعت على فراشي٤، والله يعلم أني حينئذ بريئة٥، وأن الله
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قالت هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب ﵇) كما سيأتي". الفتح ٨/ ٤٧٥. ٢ إلا قول أبي يوسف: زاد ابن جريج في روايته "واختلس مني اسمه"، وفي رواية هشام بن عروة: (والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه)، وفي رواية أبي أويس: "نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف" ووقع في حديث أم رومان رقم (٤١٤٣) "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه" وهي بالمعنى للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه. فتح الباري ٨/ ٤٧٤. ٣ سورة يوسف، آية رقم (١٨) . ٤ في رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عند الطبراني في الكبير ٢٣/ ١٠٥: "ثم وليت وجهي إلى الجدار" وصالح بن أبي الأخضر ضعيف لا يعتبر به، كما في التقريب، ٢٧١ رقم (٢٨٤٤) . ٥ في رواية معمر عن الزهري "أنا والله حينئذ أعلم أني بريئة" صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١١٢.
[ ١ / ٤٦٦ ]
مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله تعالى مُنزلٌ في شأني وحيًا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرؤني الله بها، فوالله ما رام١ رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء٢ حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجُمان٣ - وهو في يوم شات - من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسُرِّي٤ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة أما الله فقد برَّأَكِ"، قالت: فقالت لي أمي قومي إليه،
_________________
(١) ١ رام: أي فارق، ومصدره الريم بالتحتانية، بخلاف معنى طلب فمصدره الروم، ويفترقان في المضارع يقال: رام يروم رومًا، ورام يريم ريمًا. الفتح ٨/ ٤٧٦. ٢ البُرَحاء: - بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة ثم مد - هي شدة الحمى، وقيل شدة الكرب، وقيل: شدة الحر، ومنه: برح بي الهم إذا بلغ مني غاية. الفتح ٨/ ٤٧٦. ٣ مثل الجُمان: الجمان - بضم الجيم وتخفيف الميم -: اللؤلؤ، وقيل: حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ، وقال الداوودي: "خرز أبيض، والأول أولى، فشبهت قطرات عرقه ﷺ بالجمان لمشابهتها في الصفاء والحسن". الفتح ٨/ ٤٧٦. ٤ فسري: - بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة -: أي كشف. الفتح ٨/ ٤٧٧
[ ١ / ٤٦٧ ]
فقلت: لا والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عزوجل١، قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ٢ العشر الآيات، ثم أنزل الله تعالى هذا في براءتي.
قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُوْ الفَضْلِ﴾ إلى قوله: ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣ قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش٤ عن
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: وعذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال، مع تحققهم حسن طريقتها، قال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالًا كما يدل الحبيب على حبيبه. الفتح ٨/ ٤٧٧. ٢ سورة النور، من آية رقم (١١)، ووقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري عند الطبراني في الكبير ٢٣/ ٧٨: فأنزل الله عزوجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ٣ سورة النور، آية (٢٢) . ٤ هي: زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ، وأمها أميمة عمة النبي ﷺ، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت: ﴿فلمّا قَضَى زَيدٌ منها وَطَرًَا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ماتت سنة عشرين وهي بنت خمسين. الإصابة ٤/ ٣١٣- ٣١٤.
[ ١ / ٤٦٨ ]
أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري١ والله ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني٢ من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع٣، قالت: وطفقت٤ أختها حمنة تحارب لها٥، فهلكت فيمن هلك"٦.
قال ابن شهاب: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنَفِ٧ أنثى قط، قالت: ثم قتل
_________________
(١) ١ أحمي سمعي وبصري: أي من الحماية، فلا أنسب إليهما ما لم أسمع وأبصر. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٢ تساميني: أي تعاليني من السمو، وهو العلو والارتفاع، أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب، أو تعتقد أن الذي بها عنده مثل الذي لي عنده. الفتح ٨/٤٧٨. ٣ فعصمها الله بالورع: أي حفظها ومنعها بالمحافظة على دينها ومجانبة ما تخشى سوء عاقبته. الفتح ٨/٤٧٨. ٤ طفِقت: - بكسر الفاء،،حكي فتحها - أي جعلت وشرعت. الفتح ٨/٤٧٨. ٥ تحارب لها: أي تجادل لها وتتعصب وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة أختها زينب. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٦ أي حدَّثت فيمن حدّث، أو أثمت مع من أثم. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٧ أي: ما جامعها، والكَنَف - بفتحتين - الثوب الساتر، ومنه قولهم: أنت في كنف الله أي: في ستره. الفتح ٨/ ٤٦٢.
[ ١ / ٤٦٩ ]
بعد ذلك في سبيل الله"١.
_________________
(١) ١ اختلف في سنة استشهاده على أقوال عدة: فقد ذكر ابن إسحاق أنه استشهد في غزوة أرمينية في خلافة عمر سنة تسع عشرة. الفتح ٨/ ٤٦١. وقيل: كان استشهاده بأرض الروم في خلافة معاوية ﵁، سنة أربع وخمسين. الفتح ٨/ ٤٦١. وقيل سنة ٥٨ هـ كما في الاستيعاب ٢/ ٢٨٠- ٢٨١. وقيل سنة ٥٩ كما في الاستيعاب ٢/ ٢٨٠- ٢٨١، وقيل: سنة ٦٠ كما جزم به الطبري والواقدي، وانظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٠، والإصابة ٢/ ١٩٠. ولكن لا يستقيم قول من قال بأن وفاته كانت سنة ٥٨ أو ٥٩ أو ٦٠، لكون عائشة ﵂ توفيت سنة ٥٧هـ أو ٥٨هـ. انظر: الإصابة ٤/ ٣٦١. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في عدة مواضع من كتابه ففي كتاب التفسير رقم (٤٧٥٠) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، وفي كتاب الشهادات رقم (٢٦٦١) من طريق فليح بن سليمان كلاهما عن الزهري بإسناده بألفاظ متقاربة، وأخرجه من طريق يونس وصالح عن الزهري في مواضع متفرقة من صحيحه. انظر: ج٥ رقم (٢٦٣٧) و٦ رقم (٢٨٧٩)، وج٧ رقم (٤٠٢٥)، وج٨ رقم (٤٦٩٠)، وج ١١ رقم (٦٦٦٢) و(٦٦٧٦) وج ١٣ رقم (٧٥٠٠ و٧٥٤٥) . وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس ومعمر كلاهما عن الزهري بإسناده، وهو قريب من لفظ يونس وفليح عند البخاري، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ١٠٢- ١١٤، و١٧/ ١١٤ من طريق صالح بن كيسان وفليح كلاهما عن الزهري بإسناده، قال مسلم: بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٤١٠) وأحمد في المسند ٤٢/ ٤٠٤- ٤١٢ رقم [٢٥٦٢٣] أرناؤوط. وإسحاق بن راهويه في مسنده رقم (١٨٦، ١٨٧ و٥٦٠ و٥٦١) من مسند عائشة، وابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣١١- ٣١٨، وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ٢٤ رقم (١١٤)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٥٠- ٥٦ رقم (١٣٣ ورقم ١٣٤ و١٣٨ و١٤٤ و١٤٥ و١٤٧)، وصحيح ابن حبان ١٠/ ١٣ رقم (٤٢١٢) ومسند أبي يعلى رقم (٤٩٢٧ و٤٩٣٣)، والطبري في تاريخه ٢/ ٦١٠- ٦١٨، وفي تفسيره ١٨/ ٨٨- ٩٢، والبيهقي في السنن ٧/ ٧٤ و٣٠٢، وفي الدلائل له ٤/ ٦٤ من طرق عن الزهري عن شيوخه، وبعضهم اقتصر على أجزاء من حديثه، وبعضهم في سياقه مخالفة لما في الصحيح ولكن المعنى واحد.
[ ١ / ٤٧٠ ]