٢ـ روى ابن إسحاق خبر هذه السرية عن الزهري ويزيد٢ بن رومان، عن عروة فقال: "وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش٣ ابن رئاب الأسدي في رجب٤ مقفله من بدر
_________________
(١) ١ هما نخلتان: الشامية واليمانية، والمقصود هنا اليمانية، لأنها على الطريق القديم بين مكة والطائف والنخلتان متجاورتان في المنبع والمصب؛ فكلاهما تأخذ أعلا مساقط مياهها من السراة الواقعة غرب الطائف ثم تنحدر شمالًا ثم غربًا حتى تجتمعا في مَلْقى كان يسمى "بستان ابن معمر" ثم تكونان وادي مر الظهران. معجم المعالم الجغرافية ٣١٨، والمعالم الأثيرة ٢٨٧. ٢ هو يزيد بن رومان المدني، أبو رَوْح مولى آل الزبير، ثقة من الخامسة. مات سنة ثلاثين، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. التقريب ٦٠١. ٣ هو عبد الله بن جحش بن رياب، براء تحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس أحد السابقين، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا بعثه ﷺ في سرية إلى نخلة. الإصابة ٢/٢٨٦-٢٨٧. ٤ حددتها بعض المصادر التاريخية في آخر يوم من رجب، انظر: تاريخ خليفة ٦٢-٦٣، وأنساب الأشراف للبلاذري ٣٧١، وتاريخ المدينة لابن شبة ٢/٤٧٢، وتاريخ الطبري ٣/١٠-١١، ودلائل البيهقي ٣/١٧، والواحدي في أسباب النزول ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٤، والبداية والنهاية ٣/٢٤٨-٢٥٠. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في تفسيره ١/٨٧ أن هذه السرية كانت في أول ليلة من رجب، وذكر ذلك أبو يعلي في المسند ٣/١٠٢ رقم (١٥٣٤) بسند حسن كما قال محققه حسين سليم أسد، والطبري في تفسيره ٤/٣٠٧ رقم: (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٧، ٤٠٨٩، ٤٠٩٦) والطبراني في الكبير ٢/٦٢، رقم (١٦٧٠)، والواحدي في أسباب النزول ٧١ رقم (١٣١) نقلًا عن المفسرين، وابن كثير في البداية ٣/٢٥١.
[ ١ / ١٧٤ ]
الأولى١ وبعث معه ثمانية٢ رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين٣ ثم ينظر فيه
_________________
(١) ١ كان رجوعه من بدر الأولى في جمادى الآخرة عند ابن إسحاق، (ابن هشام ١/٦٠١) وعند الواقدي في المغازي ج١/١٢، أن ذلك كان في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا. ٢ قال الواقدي في المغازي: "كانوا اثني عشر، ويقال: كانوا ثلاثة عشر، والثابت عندنا ثمانية". المغازي ١/١٧-١٨ ومما يرجح أنهم كانوا أقل من عشرة قوله: (ثمانية رهط) فإن الرهط من الرجال دون العشرة. النهاية (٢/٢٨٣) .وقال ابن سعد في الطبقات ٢/١٠:بعثه في اثني عشر. ٣ ورد عند الطبراني في الكبير ٢/١٦٨ رقم (١٦٧٠) من حديث أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله وفيه ( وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ إلا في مكان كذا وكذا) كذا بالإبهام، قال في المجمع ٦/١٩٨، ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي أيضًا في السنن الكبرى ٩/٢١، والبخاري معلقًا، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١/١٥٣ بعد رقم (٣٦) .
[ ١ / ١٧٥ ]
فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.
وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة١ بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة٢ بن محصن ابن حرثان أحد بني أسد خزيمة حليف لهم.
ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم.
ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص.
ومن بني عدي بن كعب: عامر٣ بن ربيعة حليف لهم؛ من عنز
_________________
(١) ١ هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، قال معاوية اسمه: مهشم وقيل: هشيم: وقيل هاشم، وقيل: قيس،.. كان من السابقين إلى الإسلام وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين. قال ابن إسحاق: "أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا..شهد بدرًا، استشهد يوم اليمامة وهو ابن ستة وخمسين سنة ط. الإصابة ٤/٤٢-٤٣. ٢ هو عكاشة: - بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها أيضًا -: ابن محصن بن حُرثان - بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة - ابن قيس بن مرة بن بُكير بضم الموحدة ابن غنم بن داود ين أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس، من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، وورد ذكره في الصحيحين في حديث ابن عباس في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قيل: استشهد في قتال أهل الردة، قتله طليحة بن خويلد. الإصابة ٢/٤٩٤-٤٩٥. ٣ عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل العنزي، أبو عبد الله حليف بن عدي كان أحد السابقين الأولين وهاجر إلى الحبشة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها. مات سنة ٣٢،، كذا قال أبو عبيدة ثم ذكره في سنة سبع وثلاثين وقال: أظن هذا أثبت، وقال الواقدي، كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وقيل غير ذلك. الإصابة ٢/٢٤٩.
[ ١ / ١٧٦ ]
ابن وائل، وواقد١ بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد٢ بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم.
ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء٣.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة
_________________
(١) ١ واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك.. التميمي الحنظلي اليربوعي، حليف بني عدي بن كعب شهد بدرًا، كان مع سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة وهو الذي قتل ابن الحضرمي ٣/٦٢٨، بتصرف. ٢ خالد بن بكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن بكر الليثي، حليف بني عدي بن كعب، مشهور من السابقين وشهد بدرًا، واستشهد يوم الرجيع وهو ابن أربع وثلاثين سنة. الإصابة ١/٤٠٢. ٣ سهيل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها: دعد، واسم أبيه وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر القرشي، شهد بدرًا وتوفي سنة تسع. الإصابة ٢/٩١. ويلحظ أن ابن إسحاق ذكر في بداية الرواية أنهم ثمانية، ولكنه ذكر أثناء الرواية تسعةً.
[ ١ / ١٧٧ ]
والطائف، فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم"، فلما نظر عبد الله ابن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا، حتى آتيه منهم بخبر، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ.
فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك١ على الحجاز حتى إذا كان بمَعْدِن٢ فوق الفُرُع٣ يقال له: بُحْران٤ أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بطن نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا، وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل
_________________
(١) ١ سلك: السلوك مصدر سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا. والسَّلَكُ بالفتح مصدر سلكت الشيء فانسلك، أي أدخلته فيه فدخل، والمسلك: الطريق اللسان (سلك) . ٢ مَعْدِن: هي قرية مهد الذهب، أو المهد، في نواحي المدينة على طريق نجد (المعالم الأثيرة ٢٧٦) . ٣ الفُرُع: بضم الفاء والراء، وآخره عين مهملة، واد فحل من أودية الحجاز يمر على مسافة ١٥٠ كيلًا جنوب المدينة، كثير العيون والنخل، (المعالم الأثيرة ٢٦٧) . ٤ بُحْران: بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة جبل يقع شرق مدينة رابغ على مسافة ٩٠ كيلًا. (المعالم الأثيرة ٤٤)، وضبطه البكري بفتح أوله على وزن فعلان، معجم ما استعجم ١/٢٢٨.
[ ١ / ١٧٨ ]
بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان؟، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان١، وأفلت٢ القوم، نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم.
فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه، فلما قدموا على رسول الله ﷺ المدينة قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر
_________________
(١) ١ الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي، أسر في أول سرية جهزها رسول الله ﷺ من المدينة وأميرها عبد الله بن جحش ٢ أفلت: التَّفَلُّتُ والإفلات والانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. النهاية (٣/٤٦٧) .
[ ١ / ١٧٩ ]
الحرام"، فوقَّف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا.
فلما قال ذلك رسول الله ﷺ سُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان في مكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود – تفاءَلُ بذلك على رسول الله ﷺ - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله بن عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّه﴾ ِ١.
أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ
_________________
(١) ١ البقرة آية (٢١٧) .
[ ١ / ١٨٠ ]
اسْتَطَاعُوا﴾ .
أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا – يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان – فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله ﷺ، فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فوضعهم الله ﷿ من ذلك على أعظم الرجاء، والحديث في هذا عن الزهري وزيد بن رومان عن عروة٢
_________________
(١) ١ البقرة آية (٢١٨) . ٢ سيرة ابن هشام، ٢/٦٠١-٦٠٥. وهو حديث مرسل صحيح إلى عروة. وقد ورد موصولًا من طريق أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله عن النبي ﷺ، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن كما قال محققه، انظر المسند ٣/١٠٢-١٠٣، رقم: (١٥٣٤) أرناؤوط، والطبراني في الكبير ٢/١٦٢ رقم (١٧٧٠) قال في المجمع: ٦/١٩٨ رواه الطبراني ورجاله ثقات، والبيهقي في السنن ٩/١٢. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح رواية ابن إسحاق هذه ورواية الطبراني التي أخرجها عن جندب البجلي ورواية ابن عباس عند الطبري في التفسير، ثم قال: فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا. الفتح ١/١٥٥. وقد ذكر السيوطي: أن حديث جندب بن عبد الله البجلي أخرجه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح، الدر المنثور ١/٦٠٠. وأخرجها الطبري في التفسير ٤/٣٠٢ رقم (٤٠٨٢) مرسلة عن الزهري عن عروة، والبيهقي في السنن ٩/٥٨-٥٩، والطبري أيضًا في التفسير ٤/٣٠٨ رقم (٤٠٨٦) مرسلة عن الزهري وعثمان الجزري ومقسم مولى ابن عباس. وبهذا يكون قد تابع الزهري. عثمان الجزري ومقسم.
[ ١ / ١٨١ ]
٣- قال عمر بن شبَّة١: حدثنا إبراهيم بن المنذر٢ قال: حدثنا محمد بن فليح٣، عن موسى بن عقبة٤، عن ابن شهاب قال: لبث رسول الله ﷺ بالمدينة أربعة عشر شهرًا، ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين وكتب معه كتابًا فدفعه إليه، وأمره أن يسير ليلتين ثم
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة ٢/٤٧٢. ٢ صدوق، تقدم في الرواية رقم (١) . ٣ صدوق، يهم، تقدم في الرواية رقم (١) . ٤ ثقة، تقدم في الرواية رقم (١) .
[ ١ / ١٨٢ ]
يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه، وفي بعثه ذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعمرو بن سراقة١، وعامر بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، وواقد بن عبد الله، وصفوان بن بيضاء٢، فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه: (أن امض حتى تبلغ نخلة)، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإني ماض على ما أمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه، ولم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفُرُع يقال له: بُحْرَن، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كان يتعاقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةٍ منْ تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزومي ان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم،
_________________
(١) ١ هو عمرو بن سراقة بن المعتمر بن أنس بن أداة بن رباح بن قرط بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي ذكره موسى بن عقبة فيمن خرج في سرية عبد الله بن جحش وذكر خليفة أنه مات في خلافة عثمان ﵁، الإصابة (٢/٥٧٣) . ٢ وفي سائر كتب المغازي: سهيل بن بيضاء. ويلاحظ أن ابن شبة ذكر ثمانية أشخاص، ولم يذكر عكاشة بن محصن ولا خالد بن البكير كما عند ابن اسحاق.
[ ١ / ١٨٣ ]
وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم؛ نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة١.
٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو سعيد٢ بن أبي عمرو الصيرفي، قال: حدثنا أبو محمد٣ أحمد بن عبد الله المزني أخبرنا علي٤ بن
_________________
(١) ١ وهي رواية مرسلة. ٢ هو محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري، وصفه الذهبي بقوله: "الشيخ الثقة المأمون"، السير ١٧/٣٥٠. ٣ هو أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي، أحد الأئمة، أبو محمد المغفلي، قال الحاكم: "كان إمام أهل خرسان بلا مدافعة وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه"، ت سنة ٣٥٦ هـ شذرات الذهب لابن العماد، ٣/١٨. ٤ هو أبو الحسن: علي بن محمد بن عيسى الخزاعي الهروي الحكاني، وحكان: محلة على باب مدينة هراة، قال الذهبي: "ووثقه بعض الحفاظ" السير، ١٣/٤٥٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو اليمان١ قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ بعث سرية من المسلمين وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في يوم٢ بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو، وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا، وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا٣، فشدّوا على ابن الحضرمي فقتلوه، وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي ﷺ بالمدينة فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
_________________
(١) ١ أبو اليمان هم: الحكم بن نافع البهراني، بفتح الموحدة، أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦هـ. ٢ تقدم الخلاف في ذلك ص١٣١، وفي نظري أن هذا الخلاف (المراد الخلاف في تاريخ وقوع القتال في هذه السرية)، لا يترتب عليه كبير فائدة لأن المقصود أن قتل ابن الحضرمي كان في الشهر الحرام، سواء كان ذلك في أوله أم في آخره، والله أعلم. ٣ هذه العبارة ليست عند ابن إسحاق ولا ابن شبة.
[ ١ / ١٨٥ ]
كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ إلى آخر الآية، فحدثهم الله في كتابه: أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك: من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة، والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا٢ أن النبي ﷺ عقل٣ ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه
_________________
(١) ١ سورة البقرة (٢١٧) . ٢ القائل (فبلغنا) عروة بن الزبير، يشهد لذلك ما أخرجه الواقدي في المغازي ١/١٨ من طريق معمر، عن الزهري عن عروة قال: فودى رسول الله ﷺ عمرو بن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام الحديث. ٣ في رواية ابن إسحاق المتقدمة ذكرت أن النبي ﷺ قبض العير والأسيرين وبعثت قريش إليه بفدائها، وهذا يدل على أنه لم يعقل ابن الحضرمي، لأنه لو عقله لما قبض العير ولا فادى الأسيرين، وقد ذكر البيهقي في الدلائل ٣/١١١ رواية الزهري المطولة عن غزوة بدر وفيها إشارة حكيم بن حزام على عتبة أن يتحمل دية ابن الحضرمي ويرجع بالناس الخ، فلو كان عقله النبي ﷺ لما أشار حكيم على عتبة بذلك. وقد أخرج الواقدي من طريق الزهري، عن عروة أن رسول الله ﷺ ودى عمرو بن الحضرمي. المغازي (١/١٨)، وذكر رواية أخرى عن ابن عباس أن الرسول ﷺ لم يودِ ابن الحضرمي. المصدر السابق. ورجح الواقدي رأي ابن عباس ثم قال: "المجتمع عليه عندنا أنه لم يود". المغازي ١/١٨. ولم أر عقل ابن الحضرمي في الروايات التي ذكرت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة.. لا من طريق الزهري ولا من غيره، سوى ما ذكر في هذه الرواية، والرواية التي ذكرها الواقدي عن الزهري.
[ ١ / ١٨٦ ]
حتى أنزل الله ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١.
٥- وأخرج عبد الرزاق٢ عن معمر٣ عن الزهري. وعن عثمان٤ الجزري عن مقسم٥ مولى ابن عباس قال: "لقي واقد بن عبد الله
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية رقم (١) . ٢ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مصنف شهير عمي في آخر عمره، فتغير وكان يتشيع، من التاسعة توفي سنة إحدى عشرة وله خمس وثمانون، ع، التقريب ٣٥٤، رقم ٤٠٦٤. ٣ معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهمام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، توفي سنة أربع وخمسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ع، التقريب ٥٤١ رقم (٦٨٠٩)، لكنه من أثبت الناس في الزهري، قال الدوري عن ابن معين أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ثم عد جماعة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس، فقال في ذلك معمر. تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٤. ٤ عثمان بن عمرو بن ساج بمهملة وآخره جيم الجزري، مولى بني أمية، وقد ينسب إلى جده، فيه ضعف من التاسعة، س، التقريب ٣٨٦ رقم (٤٥٠٦) . ٥ مقسم - بكسر أوله - ابن بُحره بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال: نجدة بفتح النون وبدال، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى عبد الله بن عباس للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة، نوفي سنة ١٠١، وماله في البخاري سوى حديث واحد خ٤، التقريب، ٥٤٥، رقم (٦٨٧٣) .
[ ١ / ١٨٧ ]
عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب وهو يرى أنه في جمادى فقتله، وهو أول قتيل من المشركين، فَعَيَّر المشركون المسلمين قالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ١.
يقول: وكفر بالله، والمسجد الحرام، يقول: وصد عن المسجد الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من قتلكم عمرو بن الحضرمي، (والفتنة)، يقول: والشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضًا.
قال الزهري: "وكان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحله بعد"٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية (٢١٧) . ٢ تفسير عبد الرزاق ١/٨٧-٨٨، وتفسير الطبري ٤/٣٠٨، رقم (٤٠٨٦) . وهو حديث مرسل؛ مروي بإسنادين عن اثنين من التابعين هما الزهري ومقسم مولى ابن عباس، فرواه معمر عن الزهري، ورواه عن عثمان الجزري عن مقسم.
[ ١ / ١٨٨ ]