٧- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا أبوبكر٣ محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي، قال أخبرنا أبو محمد٤ القاسم بن عبد الله بن المغيرة الجوهري، قال: أخبرنا إسماعيل٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى٦ بن عقبة، ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي، ٣/١٠١-١١٩، وأخرج أجزاء منها: ابن إسحاق (ابن هشام ١/٦٠٦) بعضها بإسناد جمعي فيهم الزهري، وبعضها بأسانيد ليس فيها الزهري، وبعضها بدون إسناد. ٢ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق، روى عنه البيهقي والخطيب، وقال: كان ثقة تاريخ بغداد، ٢/٢٤٩-٢٥٠، وقال الذهبي: "مجمع على ثقته"، مات سنة ٤١٥، السير، ١٧/٣٣١-٣٣٢. ٣ هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن عَتَّاب العبدي، أبو بكر، قال عنه الخطيب: وكان ثقة، مات سنة ٣٤٤، تاريخ بغداد، ٥/٤٥٢-٤٥٣. ٤ هو القاسم بن عبد الله بن المغيرة، أبو محمد، قال عنه الدارقطني: ثقة مأمون، تاريخ بغداد، ١٢/٤٣٣-٤٣٤. ٥ هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أويس المدني، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، من العاشرة، ت سنة ست وعشرين خ م د ت ق، التقريب، ١٠٨. ٦ هو: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، الأسدي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات في خلافة المهدي، خ تم س، التقريب، ١٠٥، وبقية الإسناد تقدمت تراجمهم في الرواية رقم [١] .
[ ١ / ١٩٧ ]
إسماعيل بن محمد الشعراني، قال: حدثني جدي، قال: أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: أخبرنا محمد بن فليح١ عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب: - وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه موسى بن عقبة -
قال: فمكث رسول الله ﷺ بعد قتل ابن الحضرمي شهرين ثم أقبل أبو سفيان٢؟ بن حرب في عير٣ قريش من الشام ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلها وفيهم: مخرمة٤ بن نوفل، وعمرو بن العاص٥، وكانوا تجارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف
_________________
(١) ١ تقدم في (١) . ٢ هو أيو سفيان صخر بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أسلم عام الفتح شهد حنينا والطائف، توفي أخر خلافة عثمان ﵁ وهو ابن ثلاث وتسعين وقيل ثمان وثمانين سنة الإصابة، ٢/ ١٧٩- ١٨٠ ٣ العير: الإبل بأحمالها، النهاية ٣/٣٢٩. ٤ هو مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، كان من مسلمة الفتح، توفي سنة أربع وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين، قالوا: وعاش مائة وخمس عشرة سنة. الإصابة ٣/٣٩٠-٣٩١. ٥ عمرو بن العاص بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية وولي إمرة مصر مرتين وهو الذي فتحها، توفي سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين، التقريب ٤٢٣، رقم (٥٠٣٠) .
[ ١ / ١٩٨ ]
بعير، ولم يكن لأحد من قريش أوقية١ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك كان تخلف عن بدر ولم يشهده، فذكروا لرسول الله ﷺ وأصحابه، وكانت الحرب بينهم قبل ذلك وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان٢ والحكم٣.
فلما ذكرت عير أبي سفيان لرسول الله ﷺ بعث رسول الله ﷺ عدي٤ بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم، وأصلة من جهينة، وبسبس٥ يعني ابن عمرو إلى العير عينًا له، فسارا حتى أتيا حيًا من جهينه قريبا ًمن ساحل البحر فسألوهم عن العير وعن تجارة قريش، فأخبروهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فاستنفر المسلمين للعير، وذلك في رمضان، وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوف من رسول الله ﷺ وأصحابه فقال: أحسَّوا من محمد، فأخبروه خبر الراكبين:
_________________
(١) ١ بضم الهمزة وتشديد الياء، من معايير الأوزان، وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن وزن أربعين درهمًا، تختلف باختلاف اصطلاح البلاد، النهاية ١/٨٠. ٢ هو عثمان بن عبد الله بن المغيرة، تقدم أنه مات كافرًا. ٣ هو الحكم بن كيسان، تقدمت ترجمته في مبحث سرية نخلة. ٤ عدي بن أبي الزغباء واسمه سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني حليف بني النجار شهد بدرًا وما بعدها، توفي في خلافة عمر ﵁. الإصابة ٢/٤٦٩-٤٧٠. ٥ بَسْبَس - بموحدتين مفتوحتين بينهما مهملة، ساكنة ثم مهملة مفتوحة - ابن عمرو بن ثعلبة الجهني حليف بني طريف بن الخزرج، ويقال له بسبسة كما في مسلم، رقم (١٩٠١) انظر: الإصابة ١/١٤٧.
[ ١ / ١٩٩ ]
عدي بن أبي الزغباء، وبَسْبَسْ، وأشاروا إلى مناخهما، فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيريهما، فَفَتَّه، فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف١ أهل يثرب، وهذه عيون محمد وأصحابه، فساروا سراعًا خائفين للطلب، وبعث أبو سفيان رجلًا من بني غفار يقال له: ضمضم بن عمرو إلى قريش: أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا. وكانت عاتكة٢ بنت عبد المطلب ساكنة بمكة، وهي عمة رسول الله ﷺ، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا٣ قبل بدر، وقبل قدوم ضمضم عليهم، ففزعت منها،
_________________
(١) ١ جمع عَلَف: وهو ما تأكله الدّابة، مثل جمل وجمال، النهاية لابن الأثير ٣/٢٨٧، مادة: عَلَفَ. ٢ هي عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ، كانت زوج أبي أمية بن المغيرة والد أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ، قال ابن عبد البر: اختلف في إسلامها، والكُثُر يأبون ذلك، وذكرها العقيلي في الصحابة كما ذكر ابن حجر ذلك في الإصابة، وقد ذكرها ابن منده في الصحابة، وكذا ابن سعد. انظر: الإصابة ٤/٣٥٧. ٣ أخرج رؤيا عاتكة أيضًا ابن إسحاق بإسناد فيه مجهول حيث قال: فأخبرني من لا أتهم، ابن هشام ٢/٦٠٧، ووصله الحاكم في المستدرك ٣/١٩-٢٠، ولكن فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ضعفه ابن حجر، انظر: التقريب ١٦٧، رقم (١٣٢٦) . وقد تعقب الذهبي الحاكم في التلخيص فقال عن حسين: وحسين ضعيف، المستدرك ٣/٢٠. وأخرجها ابن اسحاق موصولة قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس، انظر: دلائل البيهقي ٣/٢٩. وأخرجها الطبراني في الكبير ٢٤/٣٤٨-٣٤٩ رقم (٨٦٠) وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وحديثه حسن كما قال الهيثمي، انظر: المجمع ٦/٦٩-٧٠. وأخرجها أيضًا ابن مندة كما في الإصابة من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أم كلثوم بنت عقبة. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/٣٥٧-٣٥٨، وفي سندها محمد بن عبد العزيز بن عمر ابن عبد الرحمن بن عوف، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني: "ضعيف"، لسان الميزان ٥/٢٦، قال أبو حاتم: "وليس لمحمد عن أبي الزناد والزهري وهشام بن عروة حديث صحيح"، الجرح والتعديل ٨/٨، وهذا من روايته عن الزهري. والخلاصة: أن رؤيا عاتكة قد وردت من عدة طرق مرسلة صحيحة، وموصولة ضعيفة فبعضها يقوي بعضًا.
[ ١ / ٢٠٠ ]
فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها فجاءها العباس فقالت: رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة قال: وماذا رأيت؟
قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني إنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فعاهدها العباس فقالت: رأيت راكبًا أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته: يا آل غُدر١ أخرجوا في
_________________
(١) ١ في الإصابة ٤/٣٥٨: يا آل بدر، ولعل الصواب ما في هذه الرواية بدليل قوله: يا آل غدر ويا آل فُجر، قال ابن الأثير: غدر معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر غدر والأنثى غدار كفطام، وهما مختصتان بالنداء غالبًا ، ومنه حديث عاتكة: يا لغدر يا لفجر. النهاية ٣/٣٤٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
ليلتين أو ثلاث فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزع له الناس أشد الفزع، قالت: ثم أراه مَثَل على ظهر الكعبة، على راحلته، فصاح ثلاث صيحات فقال: يا آل غُدر ويا آل فُجر١: أخرجوا في ليلتين أو ثلاث ثم أراه مَثَل على ظهر أبي قبيس٢ كذلك يقول يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين٣ من أهل مكة ثم عمد إلى صخرة عظيمة فنزعها من أصلها ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس٤ شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت٥ فلا أعلم بمكة دارًا ولا بيتًا إلا قد دخلتها فلقة٦ من تلك الصخرة فقد خشيت على قومك،
_________________
(١) ١ هو معدول عن فاجر للمبالغة، ولا يستعمل إلا في النداء غالبًا، النهاية ٣/٤١٤. ٢ جبل مشرف على مسجد مكة، معجم البلدان، ٤/٣٠٨، وهو الجبل الذي يشرف على الكعبة من مطلع الشمس، المعالم الأثيرة ٢٢٢. ٣ الأخشبان جبلان بمكة أحدهما عن يمين المسجد الحرام والآخر عن يساره، أحدهما قُعَيقِعان بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير انظر: معجم البلدان لياقوت، ٤/٣٧٩، والآخر أبو قبيس. انظر المعالم الجغرافية للبلادي، ٢٠. ٤ الحسُّ: بكسر الحاء: من أحسست بالشيء، حسّ بالشيء وحُسّ حسًّا وحسيسًا، وأحس به، شعر. اللسان (حسس) . ٥ ارفضت: أي تفتَّتَتْ. شرح السيرة لأبي ذر الخشني ١٥٣. ٦ فلقة: أي الكَسْرَةُ: القاموس المحيط ص١١٨٦، مادة فلق.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ففزع العباس من رؤياها ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، وذكرها عتبة لأخيه شيبة، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا.
فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم.
فقال أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟
فقال: ما رأت من شيء.
فقال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وإياكم كفرسي رهان، فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي، فما بقي إلا أن تقولوا: مِنَّا نبيّة، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجلًا منكم، وآذاه أشد الأذى.
وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم، وكتبنا سجلًا: أنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلًا وامرأةً، أما رضيتم يا بني
[ ١ / ٢٠٣ ]
قصي أن ذهبتم بالحجابة١والندوة٢ والسقاية٣ واللواء٤ والرفادة٥ حتى جئتمونا بنبي منكم؟
فقال العباس: هل أنت منتهٍ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولًا ولا خُرقًا٦، ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديدًا.
فلما كان مساء الليلة الثالثة من الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا
_________________
(١) ١ المراد حجابة الكعبة، وهي سدانتها وتولي حفظها، النهاية ١/٣٤٠. ٢ قال ابن الأثير: "ندوت القوم أندوهم، إذا جمعتهم في النادي، وبه سميت دار الندوة بمكة لأنهم كانوا يجتمعون فيها ويتشاورون". النهاية ٥/٣٧. ٣ السقاية: هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، النهاية ٢/٣٨٠-٣٨١. والمقصود أن هذه الأشياء كانت لبني عبد مناف وبني عبد الدار. انظر: ابن هشام ١/١٢٥، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٠٧-١١٠، والبداية لابن كثير ٢/٢٢٦. ٤ اللواء: الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. النهاية ٤/٢٧٩، وسيأتي لها تعريفًا موسعًا قريبًا. ٥ الرفادة: هي شيء كانت تترافد به في الجاهلية، أي تتعاون فيخرج كل إنسان قدر طاقته فيجمعون مالًا عظيمًا، فيشترون به الطعام والزبيب للنبيذ ويطعمون الناس ويسقونهم أيام الحج حتى ينقضي. النهاية ٢/٢٤٢. ٦ الخُرق: بالضم: الجهل والحمق، وقد خَرِق خَرقًا، فهو أخرق، ومنه حديث جابر: فكرهت أن أجيئهن بخرقاء مثلهن (أي حمقاء جاهلة) وهي تأنيث الأخرق. النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان وهو ضمضم بن عمرو الغفاري، فصاح، فقال: يا آل غالب بن فهر: انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فأحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة، وقال العباس: هذا زعمتم كذا وكذَّب عاتكة فنفروا على كل صعب١ وذلول٢ وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا، فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهًا للخروج يظنون أنه في صغو٣ محمد وأصحابه ولا مسلمًا يعلمون إسلامه ولا أحدًا من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين وهنالك يقول طالب بن أبي طالب:
إما يخرجن طالب بمقنب٤ من هذه المقانب
في نفر مقاتل محارب فليكن المسلوب غير السالب
والراجع المغلوب غير الغالب
_________________
(١) ١ الصعب من الدواب نقيض الذلول، والأنثى صعبة، والجمع صعاب، وأُصْعِبَ الجمل لم يُركب قطُّ. اللسان (صعب) . ٢ دابة ذلول: أي ضد الصعب. اللسان (ذلل) . ٣ الصغو: الميل: يقال: صَغوه معك، وصِغاه وصَغاه أي: ميله معك، وصاغية الرجل الذي يميلون إليه ويأتونه ويطلبون ما عنده ويغشونه، لسان العرب ٢/٤٤٥، مادة: (صغا) . ٤ المقنب: الجماعة من الخيل مقدار ثلاثمائة أو نحوها، شرح السيرة لأبي ذر الخشني ص١٥٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
فساروا حتى نزلوا الجحفة١، نزلوها عشاءً يتروون من الماء وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة٢، فوضع جهيم رأسه فأغفى٣ رأسه ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليَّ آنفًا؟ فقالوا: لا؛ فإنك مجنون. فقال: قد وقف عليّ فارس آنفًا فقال: قتل أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري، وأمية بن خلف، فعد أشرافًا من كفار قريش. فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتمونا بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم! سترون غدًا من يقتل.
ثم ذكر لرسول الله ﷺ عير قريش جاءت من الشام، وفيها أبو
_________________
(١) ١ الجحفة: جيم مضمومة وحاء ساكنة وفاء ثم هاء، توجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي (٢٢) كيلًا إذا خرجت من رابغ تؤم مكة كانت إلى يسارك. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٧٩-٨٠. ٢ هو جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، قال ابن سعد: "أسلم بعد الفتح". وقال ابن عبد البر: "أسلم عام خيبر، وأطعمه رسول الله ﷺ من خيبر ثلاثين وسقًا " قال ابن اسحاق: "وهو الذي رأى أيام بدرٍ رجلًا على فرس يقول: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ". انظر: الإصابة ١/٢٥٦. وقد ذكر رؤيا جهيم ابن إسحاق، انظر: ابن هشام ١/٢١٨، والواقدي في المغازي ١/٤٢. ٣ أغفى رأسه: أدنى جفونه. اللسان (غضض) .
[ ١ / ٢٠٦ ]
سفيان بن حرب ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وجماعةٌ من قريش، فخرج إليهم رسول الله ﷺ فسلك حين خرج إلى بدر على نَقْب١ بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع٢ فنفر رسول الله ﷺ حين نفر ومعه ثلاثمائة٣ وستة عشر رجلًا، وفي رواية ابن فليح: ثلاثمائة٤ وثلاثة عشر رجلًا، وأبطأ عنه كثيرٌ من أصحابه، وتربصوا، وكانت أول وقعة
_________________
(١) ١ بالفتح ثم السكون، الطريق الضيق في الجبل، وبنو دينار من الأنصار من بني النجار، ونقب بني دينار من الحرة الغربية بالمدينة، ولعله الطريق المعروف اليوم والذي يؤدي إلى ذي الحليفة، فقد كان شق في الحرة ثم عُبِّد، المعالم الأثيرة ٢٨٩. ٢ ثنية الوداع من سلع على متنه الشرقي، بداية شارع أبي بكر الصديق (سلطانة) وعند أول شارع سيد الشهداء وهي ثنية الوداع لمن يسافر إلى الشام عن طريق تبوك، معجم المعالم الجغرافية ٣٣٢، والمعالم الأثيرة ٢٩٦. ٣ يشهد له حديث أبي موسى عند البزار (كشف الأستار ١٧٨٤)، قال الهيثمي بعد أن ذكره: "ورجاله ثقات"، انظر: المجمع ٦/٩٣، والحق أن في اسناده: ثابت بن عمارة، صدوق فيه لين كما قال ابن حجر ﵀، انظر: التقريب ١٣٢ رقم (٨٢٣) . ٤ قد وردت عدة روايات تذكر هذا العدد منها ما ذكره ابن إسحاق في رواية البكائي عنه، انظر: ابن هشام ١/٧٠٦، والواقدي في المغازي ١/١٢٥، وأحمد في المسند ٤/١٠٣ رقم (٢٢٣٢)، أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٤/٣٨٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٢٠، والطبري في تاريخه، ٢/٤٣١، والطبراني في الكبير ١١/٣٨٨، رقم (١٢٠٨٣) ورقم (١٢٠٦٣)، وكلها فيها مقال، وتبقى رواية مسلم التي تذكر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا هي الصحيحة والمعتمدة، مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤.
[ ١ / ٢٠٧ ]
أعز الله ﵎ فيها الإسلام، فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدمه المدينة، ومعه المسلمون، لا يريدون إلا العير١، فسلك على نقب بني دينار، والمسلمون غير مقوِّين من الظهر، وإنما خرجوا على النواضح٢ يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وكان زميل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي٣ حليف حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعير واحدٌ، فساروا حتى إذا كانوا بعَرْق الظَّبْيَة٤ لقيهم راكبٌ من قبل تهامة، والمسلمون يسيرون فوافقه نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه عن أبي سفيان فقال: لا علم لي به، فلما يئسوا من خبره قالوا له: سلِّم على النبي ﷺ، قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: أيكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنت رسول الله كما تقول؟ قال: نعم. قال: إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني
_________________
(١) ١ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه من أن النبي ﷺ خرج إلى بدر لا يريد إلا العير حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٥. ٢ النواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح، النهاية في غريب الحديث ٥/٦٩. ٣ هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي وأبوه صحابي واسمه: كناز بنون ثقيلة، وزاي وهما ممن شهد بدرًا، قال ابن إسحاق: "استشهد مرثد في صفر سنة ثلاث في غزاة الرجيع" الإصابة ٣/٣٩٨. ٤ عرق الظبية: يروى بضم الأول وفتحه، ويعرف اليوم (طرف الظبية)، وهو قبل الروحاء بثلاثة أكيالٍ، انظر: المعالم الاثيرة ١٨٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
بما في بطن ناقتي هذه. فغضب رجلٌ من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقْش١ فقال للأعرابي: وقعت على ناقتك فحملت منك فكره رسول الله ﷺ ما قال سلمة حين سمعه أفحش، فأعرض عنه، ثم سار رسول الله ﷺ لا يلقاه خبر، ولا يعلم بنفرة قريش.
فقال النبي ﷺ لأصحابه: أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا.
فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إنا أعلم الناس بمسافة الأرض، أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا - قال ابن فليح في روايته: فكأنا وإياهم فرسا رهان إلى بدر، ثم اتفقا - قال: ثم قال: أشيروا عليَّ.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فتأَهَّبْ لذلك أهبته، وأعد له عدته.
فقال رسول الله ﷺ: أشيروا عليَّ.
فقال المقداد بن عمرو عديد بني زهرة: إنا لا نقول لك كما قال
_________________
(١) ١ هو سلمة بن سلامة بن وقْش بن زغبة الأشهلي الأنصاري أبو عوف شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها. قال إبراهيم بن المنذر: "مات سنة أربع وثلاثين"، وقال غيره: "بل تأخر إلى سنة خمس وأربعين وبه جزم الطبري"، قال: "مات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة"، الإصابة ٢/٦٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أصحاب موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون٢.
فقال رسول الله ﷺ: أشيروا عليّ.
فلما رأى سعد بن معاذ٣ كثرة استشارة النبي ﷺ أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعدٌ أنه يستنطق الأنصار شفقًا ألا يستحوذوا معه، أو قال: ألا يستجلبوا معه على ما يريد من أمره. فقال سعد: لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك، ولا يرونها حقًا عليهم إلا بأن يروا عدوًا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول
_________________
(١) ١ إشارة إلى الآية رقم (٢٤) من سورة المائدة. ٢ ورد عن ابن إسحاق: ".. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، ابن هشام ١/٦١٥. وقد أخرج البخاري كلام المقداد في صحيحه، ولكن ليس عند المشورة وإنما عند دعاء النبي ﷺ على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ٧/٢٨٧ رقم (٣٩٥٢)، ومسند أحمد رقم (٣٦٩٨) تحقيق شاكر. ٣ هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا باتفاق ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة، ثم انتقض جرحه، فمات سنة خمس، الإصابة ٢/٣٧.
[ ١ / ٢١٠ ]
عن الأنصار وأجيب عنهم يا رسول الله، فاظعن١ حيث شئت، وصِل حبل من شئتَ، واقطع حبْل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذته منّا أحب إلينا مما تركت علينا، وما ائتمرت من أمرٍ فأمرنا لأمرك فيه تبعٌ، فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك٢من غِمْدِ ذي يَمَن لسرنا معك٣.
فلما قال ذلك سعد قال رسول الله ﷺ: سيروا على اسم الله ﷿؛ فإني قد رأيتُ مصارع القوم. فعمد لبدر.
_________________
(١) ١ ظَعَنَ بالتحريك، ذهب وسار. انظر: لسان العرب ٢/٦٤٤، مادة ظَعَن. ٢ المراد: برك الغِماد: وهو بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دريد بالضمّ، والكسر أشهر، وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، انظر: معجم البلدان ١/٣٩٩، وهي الآن بلدة صغيرة بين حَلي والقُنْفُذَة على الساحل، وتبعد عن مكة (٦٠٠) كيلٍ تقريبًا، المعالم الجغرافية ٤٢. ٣ أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس أن القائل هو: سعد بن عبادة ﵁، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٤. قال الحافظ ابن حجر: "وفيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرًا، وإن كان يعدّ فيهم لكونه ممن ضرب له بسهم، ثم قال: ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه: (أن النبي ﷺ شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان. والثانية: كانت بعد أن خرج، ثم قال: ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب" فتح الباري ٧/٢٨٨.
[ ١ / ٢١١ ]
وخفض أبو سفيان، فلصق بساحل البحر، وخاف الرصد على بدر، وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله ﷺ ورأى أنه قد أحرز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا، فإنما خرجتم لتحرزوا ركبكم، فقد أحرز لكم.
فلقيهم هذا الخبر بالجحفة، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب فيقاتلنا.
فكره ذلك الأخنس بن شريق١، فأحب أن يرجعوا، وأشار عليهم بالرجعة فأبوا وعصوه، وأخذتهم حمية الجاهلية، فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكبّ على بني زهرة فأطاعوه، فرجعوا، فلم يشهد أحدٌ منهم بدرًا، واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به، فلم يزل فيهم مطاعًا حتى مات، وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع فاشتد عليهم أبو جهل بن هشام، وقال: والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
وسار رسول الله ﷺ حتى نزل أدنى شيء من بدر عشاءً، ثم بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وبسبسًا الأنصاري عديد بني ساعدة،
_________________
(١) ١ الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي أبو ثعلبة حليف بني زهرة، اسمه: أبي، وإنما لقب الأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فقيل خنس الأخنس ببني زهرة، فسمي بذلك، ثم أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنينًا ومات في خلافة عمر ﵁. الإصابة ١/٢٥.
[ ١ / ٢١٢ ]
وهو أحد جهينة في عصابة من أصحاب رسول الله ﷺ وقال لهم: اندفعوا إلى هذه الظِّراب١ وهو في ناحية بدر، فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يلي الظِّراب، فانطلقوا متوشحي السيوف، فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله ﷺ فأخذوا غلامين٢ أحدهما لبني الحجاج بن أسود، والآخر لآل العاص، يقال له: اسلم، وأفلت أصحابهما قبل قريش، فأقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله ﷺ وهو في مُعَرَّسِه دون الماء، فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهما لهم، فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانهم، وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمقائمًا يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين، فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان والركب، كما قال ﷿: ﴿أسفلَ مِنْكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿إذْ أَنْتُم بالعُدوة الدنيا وهم بالعُدوَةِ القُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
_________________
(١) ١ الظراب الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب - بوزن: كتف - وقد يجمع في القلة على أظرب. النهاية في غريب الحديث ٣/١٥٦. ٢ في صحيح مسلم أن الأسر وقع لغلام بني الحجاج، وهو أسود اللون، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، وانظر: سنن أبي داود رقم (٢٦٨١)، وفي مسند أحمد ٢/٢٥٩، رقم ٩٤٨، أرناؤوط، أن الأسير مولى لعقبة بن أبي معيط.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَاد وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كان مفْعُولًا﴾ ١.
قال: فطفقوا إذا قال العبدان: هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما، فلما رأى رسول الله ﷺ صنيعهم بهما سلّم من صلاته، فقال: ماذا أخبراكم؟
قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت.
قال: فإنهما قد صدقا، والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا. خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم، ثم دعا رسول الله ﷺ العبدين فسألهما فأخبراه بقريش، وقالا: لا علم لنا بأبي سفيان، فسألهما رسول الله ﷺ "كم القوم"؟
قالا: لا ندري، والله هم كثير، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "من أطعمهم أمس "؟
فسميا رجلًا من القوم، قال: "كم نحر لهم"؟
قالا: عشر جزائر، قال: "فمن أطعمهم أول أمس"؟
فسميا رجلًا آخر من القوم، فقال: "كم نحر لهم"؟
قالا تسعًا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: القوم ما بين التسع مائة والألف، يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يومًا وعشر ينحرونها يومًا، وزعموا أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام، ونحر لهم بمرّ٢ عشر جزائر، ثم نحر لهم أمية بن خلف
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: آية (٤٢) ٢ مرّ: المراد: مرّ الظهران، وهو وادٍ فحل من أودية الحجاز يمرّ شمال مكة على (٢٢) كيلًا ويصب في البحر جنوب جدة، بقرابة عشرين كيلًا. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٨٨.
[ ١ / ٢١٤ ]
بعُسفان١ تسع جزائر، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقُدَيد٢ عشر جزائر، ومالوا من قديد إلى مياه من نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يومًا فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعًا ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرًا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج أو قال العباس بن عبد المطلب عشرًا، ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعًا، ونحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشر جزائر، ونحر لهم مِقْيس الجمحي على ماء بدر تسعًا٣، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أذوادهم٤.
فقام رسول الله ﷺ فقال: أشيروا عليّ في المنزل، فقام الحباب بن المنذر٥، رجل من الأنصار ثم أحد بني سلمة، فقال: أنا يا رسول الله
_________________
(١) ١ عُسفان: بضمّ العين وسكون السين وفاء وألف وآخره نون، هي بلدة على (٨٠) كيلًا من مكة شمالًا على الجادة إلى المدينة. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٠٨. ٢ قُديد: بضمّ القاف وفتح الدال المهملة ومثناة تحت ودال أخرى، وهو وادٍ فحل من أودية الحجاز يقطعه الطريق من مكة إلى المدينة على نحو من (١٢٠) كيلًا. معجم المعالم الجغرافية، ٢٤٩. ٣ وقد أخرج الواقدي في المغازي (١/٦٠) أن إيماء بن رحضة قد بعث إلى قريش ابنًا له بعشر جزائر حين مروا به، أهداها لهم فشكروه على ذلك. ٤ وردت هنا بالذال، ولكن يظهر أن معناها: أزودة بالزاي. والأزودة جمع زاد على غير القياس، النهاية ٢/ ٣١٧ ٥ هو الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي ثم السلمي، قال ابن سعد: شهد بدرًا، وقال: مات في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين، الإصابة ١/٣٠٢.
[ ١ / ٢١٥ ]
عالم بها وبقُلُبها، إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة فتنزل عليها وتسبق القوم إليها وتغوّر ما سواها١، فقال رسول الله ﷺ: "سيروا فإن الله تعالى قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم"، فوقع في قلوب الناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله ﷺ والمسلمون مسابقين إلى الماء، وسار المشركون سراعًا يريدون الماء فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين ديمة٢ خفيفة لَبَّد لهم المسير والمنزل، وكانت بطحاء دَهِسَة، فسبق
_________________
(١) ١ قصة مشورة الحباب أخرجها الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٢٦- ٤٢٧، قال عنها الألباني في تعليقه على كتاب (فقه السيرة للغزالي ص:٢٤٠): "وفي سنده من لم أعرفه، وقال عنها الذهبي في تلخيصه على المستدرك: "قلت: حديث منكر" ورواها ابن إسحاق بإسناد منقطع، (ابن هشام ١/ ٦٢٠)، وبإسناد مرسل إلى عروة كما في دلائل البيهقي ٣/٣٥، والطبري في تاريخه، ٢/ ٤٤٠ من طريق سلمة بن الأبرش عن ابن إسحاق، وذكرها ابن كثير عن الأموي، انظر: السيرة النبوية لابن كثير، ٢/ ٤٠٢، بإسناد منقطع، وفيها الكلبي وهو متروك، وابن شاهين كما في الإصابة ١/ ٣٠٢ بإسناد ضعيف، وقد تتقوى إلى درجة الحسن لغيره كما قال باوزير في: مرويات غزوة بدر ص ١٦٤. ٢ الديمة: المطر الدائم في سكون. النهاية ٢/ ١٤٨.
[ ١ / ٢١٦ ]
المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، فاقتحم القوم القليب فماحوها حتى كثر ماؤها، وصنعوا حوضًا عظيمًا ثم غوروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله ﷺ: هذه مصارعهم إن شاء الله تعالى بالغداة، وأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ ١.
ويقال: كان مع رسول الله ﷺ فرسان على أحدهما مصعب بن عمير٢، وعلى الآخر سعد بن خيثمة٣، ومرة الزبير بن العوام، ومرة المقداد بن الأسود٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (١١) . ٢ مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري أحد السابقين إلى الإسلام يكنى أبا عبد الله، شهد بدرًا وأحدًا ومعه اللواء، فاستشهد، الإصابة ٣/ ٤٢١. ٣ سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب الأنصاري الأوسي أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا واستشهد بها، الإصابة ٢/٢٥. ٤ أخرج الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٠ و٣٦١، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود - يعني يوم بدر" ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين" وأقره الذهبي. والحق أن حميد بن زياد لم يرو له البخاري في صحيحه، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب ١٨١ رقم (١٥٤٦): "صدوق يهم"، وقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ ما يخالف هذه حيث قال علي ﵁: "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد"، مسند أحمد رقم (١٠٢٣) بتحقيق الأرناؤوط وزملائه، وأخرجه أبو يعلى رقم (٢٨٠) وابن خزيمة رقم (٨٩٩)، وابن حبان رقم (٢٢٥٧)، وأبو داود الطيالسي رقم (١١٦)، وأبو يعلى (٣٠٥٠) من طريق شعبة.
[ ١ / ٢١٧ ]
ثم صف رسول الله ﷺ على الحياض، فلما طلع المشركون قال رسول الله ﷺ - زعموا: "اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني"١ - ورسول الله ﷺ ممسك بعضد أبي بكر يقول – "اللهم إني أسألك ما وعدتني". فقال أبو بكر: يا نبي الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله تعالى ما وعدك"٢. فاستنصر المسلمون الله تعالى واستغاثوه، فاستجاب الله تعالى لنبيهصلى الله عليه وسلم وللمسلمين.
وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءه قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من سير بني كنانة، قال: وأنزل الله تعالى:
_________________
(١) ١ ورد نحو هذا الدعاء عند البخاري ٦/ ٩٩، رقم (٢٩١٥)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤، وأخرجه الواقدي في المغازي (١/ ٥٩) من طريق الزهري عن عروة مرسلًا. ٢ كلام أبي بكر ونحوه عند البخاري ومسلم في المصدرين والمكانين المتقدمين.
[ ١ / ٢١٨ ]
﴿ولا تكونوا كَالذِينَ خَرجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًَا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ١ هذه الآية والتي بعدها٢، قال رجال من المشركين ممن ادعى الإسلام وخرج بهم المشركون كرهًا لما رأوا قلة مع محمد ﷺ وأصحابه غرّ هؤلاء دينهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يتوكلْ على اللهِ فَإِنّ الله عزيزٌ حَكِيْمٌ﴾ ٣ الآية كلها.
وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة، فقال: هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت؟
قال عتبة: فأفعل ماذا؟
قال: تجير بين الناس وتحمل دية ابن الحضرمي٤ وبما أصاب محمد من تلك العير، فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (٤٧) . ٢ وهي قوله تعالى: ﴿وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمالَهُمْ وَقَالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليوْمَ مِنَ النَّاسِ وإني جَارٌ لَكُمْ فلمّا تَراءَتِ الفِئتانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْه وقال إِني بَرِيءٌ مِّنْكم إني أرَى ما لا تَرَوْنَ إِنِّيْ أَخَافُ اللهَ واللهُ شديدُ العِقاب﴾ . ٣ سورة الأنفال آية (٤٩) . ٤ يعني: عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية نخلة. ٥ هذا يدل على أن قريشًا لم تخرج لإنقاذ عيرها فقط، بل لأخذ ثأر ابن الحضرمي أيضًا. وقد ذكر ابن حجر: أن غزوة بدر كانت بسبب قتل المسلمين ابن الحضرمي، الإصابة ٢/ ٤٩٨.
[ ١ / ٢١٩ ]
قال عتبة: نعم، قد فعلت ونعمًا قلت ونعمًا دعوت إليه، فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها، فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركب عتبة بن ربيعة جملًا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي، وما أصابوا من عيركم تلك، وأنا أتحمل بوفاء ذلك، ودعوا هذا الرجل، فإن كان كاذبًا وليَ قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالًا لكم فيهم قرابة قريبة، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه أو ابنه أو ابن أخيه أو ابن عمه، فيورث ذلك فيهم إحنًا وضغائن، وإن كان هذا الرجل ملكًا كنتم في ملك أخيكم، وإن كان نبيًا لم تقتلوا النبي فتسبوا به، ولن تخلصوا أحسب إليهم حتى يصيبوا أعدادهم، ولا آمن أن تكون لهم الدبرة١ عليكم، فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله ﷿ إلا أن ينفذ أمره، وعتبة بن ربيعة يومئذ سيد المشركين، فعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي٢ وهو أخو المقتول فقال: هذا عتبة
_________________
(١) ١ الدبرة: أي الدولة والظفر والنصرة، تفتح الباء وتسكّن، ويقال: على مَنِ الدبَرة؟ أيضًا، أي الهزيمة، النهاية ٢/ ٩٨. ٢ ابن الحضرمي هو: عامر بن الحضرمي أخو عمرو المقتول في سرية ابن جحش، انظر: ابن هشام، ١/ ٧٠٨، وأسد الغابة ٤/ ٧٤، رقم (٣٧٣٩) .
[ ١ / ٢٢٠ ]
يُخَذِّل بين الناس، وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها، أفلا تستحيون من ذلك أن تقبلوا الدية؟
وقال أبو جهل لقريش: إن عتبة قد علم أنكم ظاهرون على هذا الرجل ومن معه وفيهم ابنه وبنو عمه وهو يكره صلاحكم.
وقال أبو جهل لعتبة وهو يسير فيهم ويناشدهم: انتفخ سَحَرُك، وزعموا أن النبي ﷺ قال: وهو ينظر إلى عتبة: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يرشدوا١، فلما حرض أبو جهل قريشًا على القتال أمر النساء يعولن عمرًا، فقمن يصحن واعمراه واعمراه، تحريضًا على القتال، وقام رجال فتكشفوا يعيرون بذلك قريشًا، فاجتمعت قريش على القتال، وقال عتبة لأبي جهل: ستعلم اليوم من انتفخ سَحَرُه، أي الأمرين أرشد٢، وأخذت قريش مصافها للقتال، وقالوا لعمير بن وهب: اركب فاحزر٣ لنا محمدًا وأصحابه، فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله ﷺ وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال: حزرتهم بثلاثمائة مقاتل زادوا شيئًا أو نقصوا شيئًا، وحزرت سبعين، ونحو
_________________
(١) ١ من قوله: "إن يكن عند أحد إلى هنا" أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٥٩ رقم: [٩٤٨] أرناؤوط، بسند صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٢، ٣٦٤، وأبو داود رقم (٢٦٦٥)، والواقدي في المغازي (١/ ٥٩)، والبزار رقم (٧١٩)، والطبري في التاريخ ٢/ ٤٢٤، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٦٣، والسنن ٩/ ٣٣١. ٢ أخرج الواقدي في المغازي (١/ ٦٢- ٦٤) من طريق الزهري نحوه. ٣ الحزر: عَدَدُ الشيء بالحَدْس أي بالتقدير. اللسان. حزر.
[ ١ / ٢٢١ ]
ذلك، ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو خبيء، فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه، فأطافوا حول رسول الله ﷺ وأصحابه ثم رجعوا، فقالوا: لا مدد لهم ولا خبيء، وإنما هم أكلة جزور طعام مأكول، وقالوا لعمير: حَرِّش بين القوم، فحمل عمير على الصف ورجعوا بمائة فارس، واضطجع رسول الله ﷺ وقال لأصحابه: لا تقاتلوا حتى أوذنكم١، وغشيه نوم فغلبه، فلما نظر بعض القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا، فاستيقظ رسول الله ﷺ، وقد أراه الله تعالى إياهم في منامه قليلًا، وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض، ولو أراه عدداَ كثيراَ لفشلوا ولتنازعوا في الأمر، كما قال الله ﷿، ومع رسول الله ﷺ وأصحابه فَرَسان: أحدهما لأبي مرثد الغنوي، والآخر للمقداد بن عمرو.
وقام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وأخبرهم أن الله تعالى قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم، فقام عمير بن حُمام٢ أخو بني سلمة عن عَجِين كان يعجنه لأصحابه حين سمع قول النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟
قال: نعم، فشدّ على أعداء الله مكانه فاستشهده الله تعالى، وكان
_________________
(١) ١ انظر ما يؤيده في صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/ ٤٥. ٢ هو عمير بن الحُمام بضم المهملة، وتخفيف الميم ابن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي، الإصابة ٣/٣١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
أول قتيل١ قتل. ثم أقبل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلف بآلهته ليشرَبَنّ من الحوض الذي صنع محمد وليهدمنّه، فشدّ فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب، فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض فهدم منه، واتبعه حمزة حتى قتله.
فلما قُتل الأسود بن عبد الأسد نزل عتبة بن ربيعة عن جمله حميّة لِما قال له أبو جهل، ثم نادى: هل من مبارز؛ فوالله ليعلمن أبو جهل أينا أجبن وألأم، ولحق أخوه شيبة، والوليد ابنه، فناديا يسألان المبارزة فقام إليهم ثلاثة من الأنصار فاستحيى النبي ﷺ من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون، ورسول الله ﷺ شاهد معهم، فأحب النبي ﷺ أن تكون الشوكة لبني عمه، فناداهم النبي ﷺ: أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم٢، فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن
_________________
(١) ١ ورد عند البيهقي في الدلائل ٣/١٢٧، من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة أن أول قتيل من المسلمين، هو: مهجع مولى عمر بن الخطاب، وورد أيضًا عند البيهقي ٣/١٢٣-١٢٤، من طريق عُقيل عن الزهري أن أول قتيل هو مهجع، وفي سنده أبو صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، انظر: التقريب لابن حجر ٣٠٧ رقم (٣٣٨٨) . ويمكن الجمع بين القولين: بأن أول من استُشهد من المهاجرين: مهجع مولى عمر، وأول من استشهد من الأنصار: عمير بن الحُمام. والله أعلم. ٢ انظر قصة المبارزة في: ابن هشام ١/ ٦٢٥، ومغازي الواقدي ١/ ٦٨، ومغازي الأموي كما عند ابن كثير في السيرة ٢/ ٤١٣، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٤، ومسند أحمد ٢/ ٢٥٩ رقم [٩٤٨] أرناؤوط، وسنن أبي داود رقم (٢٦٦٥)، والطبري في التاريخ ٢/ ٤٢٤، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٦٣ و٧١، ومستدرك الحاكم ٣/ ١٩٤. وقد ذكر البخاري قصة المبارزة ولكن باختصار، انظر أرقام الأحاديث عنده (٣٩٦٥، ٣٩٦٦، ٣٩٦٧، ٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٤)، ومسلم بشرح النووي باختصار أيضًا ١٨/ ١٦٦- ١٦٧.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فبرز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة، وبرز علي بن أبي طالب للوليد١، فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي فحُمِل حتى توفي بالصفراء٢.
وفي ذلك تقول هند بنت عتبة٣:
_________________
(١) ١ عند أبي داود رقم (٢٦٦٥) أن عليًا برز لشيبة، وحمزة لعتبة، وعبيدة للوليد، قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٢٩٧: إنها أصح الروايات. وانظر فيما يتعلق بأقوال العلماء في المبارزة: مرويات غزوة بدر للعليمي ٢٠٧. ٢ الصفراء: تعرف اليوم باسم (الواسطة)، ووادي الصفراء من أودية الحجاز الفحول كثير القرى يلقاك على بعد (٥١) كيلًا من المدينة ثم يفارقك على (١٦٣) كيلًا منها، ثم يدفع في البحر على آثار مدينة الجار التاريخية، انظر: معجم المعالم الجغرافية ١٧٦- ١٧٧. ٣ هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عثمان ﵁، الإصابة ٤/ ٤٢٥-٤٢٦.
[ ١ / ٢٢٤ ]
أيا عيني جودي بدمع سرب١ على خير خندف٢ لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حر أسيافهم يعلونه بعدما قد ضرب
وعند ذلك نذرت هند بنت عتبة لتأكلنَّ من كَبِد حمزةَ إن قدرت عليها، فكان قتل هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين.
وعجّ٣ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأوا القتال قد نشب، ورفع رسول الله ﷺ يديه إلى الله تعالى يسأله ما وعده ويسأله النصر، ويقول: "اللهم إنْ ظُهِرَ على هذا العصابة ظَهَر الشرك ولم يقم لك دين"، وأبو بكر ﵁ يقول: يا رسول الله والذي نفسي بيده لينصرنك الله عزوجل وليبيضن وجهك، فأنزل الله عزوجل من الملائكة جندًا٤ في أكتاف العدو،
_________________
(١) ١ يقال: سربت العين سربًا، وسربت تسرب سروبًا، وتسربت: سالت. لسان العرب٢/ ١٢٧ (ترتيب يوسف خياط ط٠سرب) . ٢ خندف: قال في لسان العرب: الخندفة: مشية كالهرولة ومنه سميت، زعموا: خندف امرأة إلياس بن مضر واسمها: ليلى نسب ولد إلياس إليها وهي أمهم، لسان العرب ١/ ٩٠٩، ترتيب يوسف خياط، والمراد: أن أباها خير خندف أي خير قبائل خندف وأفضلهم. ٣ العج: هو رفع الصوت، النهاية ٣/ ١٨٤. ٤ من قوله: ورفع رسول الله ﷺ إلى هنا له شاهد عند البخاري ومسلم، انظر: البخاري رقم (٢٩١٥، ٣٩٥٣، ٤٨٧٥، ٤٨٧٧)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤- ٨٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فقال رسول الله ﷺ: "قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة أبشر يا أبا بكر، فإني قد رأيت جبريل ﵇ معتجرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبط إلى الأرض جلس عليها، فتغيب عني ساعة ثم رأيت على شقيه١ غبارًا".
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ما يدل على نزول جبريل بفرسه عليه أداة الحرب يوم بدر، انظر: البخاري رقم (٣٩٩٥، ٤٠٤١) . ومشاركة الملائكة في القتال يوم بدر ثابتة بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوْحِي رَبُّكَ إِلَى الملائِكَةِ أَنِّيْ مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِيْ فِيْ قُلُوبِ الذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان﴾ الأنفال آية (١٢)، هذا إذا أرجعنا الضمير في قوله تعالى: ﴿فاضْرِبوا﴾ على الملائكة، وهو الراجح. وأما السنة: فلما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه، كضربة السوط، فاخْضَرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري يحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة" مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٥- ٨٦. وفي قصة أسر العباس عند أحمد: أن رجلًا من الأنصار قصير، جاء بالعباس أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: "اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم" المسند رقم (٩٤٨)، تحقيق أحمد شاكر وحكم عليه بالصحة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال أبو جهل: اللهم انصر خير الدينين، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث، ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة وتبرأ من نصر أصحابه، فأوحى الله عزوجل إلى الملائكة وأمرهم بأمره وحدثهم أنه معهم، وأمر بنصر رسول الله ﷺ والمؤمنين، وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين فجعل الله ﵎ تلك الحصباء عظيمًا شأنها لم تترك من المشركين رجلًا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون بهم قتلًا، معهم الله والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم منكبًا على وجهه، لا يدري أن يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه.
وكان رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين قبل القتال إن رأوا الظهور أن لا يقتلوا عباس ًا ولا عقيلًا، ولا نوفل بن الحارث، ولا أبا البختري في رجال١، فأسر هؤلاء النفر في رجال ممن أوصى بهم رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ أخرج أحمد في المسند ٢/ ٩٧ رقم (٦٧٦) بتحقيق الأرناؤوط وزملائه من رواية أبي إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا" وأخرجه البزار (كشف الأستار رقم ١٧٦٣) وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٨٢، أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله فإنهم خرجوا كرهًا".
[ ١ / ٢٢٧ ]
وغيرهم إلا أبا البختري فإنه أبى أن يستأسر وذكروا له - زعموا: أن النبي ﷺ قد أمرهم أن لا يقتلوه إن استأسر فأبى، وأسر بشر كثير ممن لم يأمر النبي بإساره التماس الفداء، قال: ويزعم ناس أن أبا اليسر١ قتل أبا البختري - ويأبى عظيم الناس، إلا أن المجذّر٢ هو الذي قتله، بل قتله أبو داود٣ المازني، وسلبه سيفه وكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بني أبي البختري وقال المجذر:
بشر بِيُتم إن لقيتَ البختري وبشرنْ بمثلها مني بني
أنا الذي أزعم أصلي من بلي أطعن بالحربة حتى تنثني
ولا ترى مجذّرًا يفري فريّ
فزعموا أنه ناشده إلا استأسر وأخبر أن رسول الله ﷺ نهى عن قتله إن استأسر فأبى أبو البختري أن يستأسر وشد عليه بالسيف فطعنه
_________________
(١) ١ اسمه: كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد الأنصاري السلمي، مشهور بكنيته، وهو الذي أسر العباس توفي سنة خمس وخمسين، الإصابة ٤/ ٢٢١. ٢ المجذر بن زياد بن عمرو بن أخرم بن عمرو بن عمارة البلوي، يقال اسمه: عبد الله والمجذر؛ لقب، وهو بالذال المعجمة، ومعناه الغليظ الضخم، الإصابة ٣/ ٣٦٣، وقد ذكر ابن حجر قصته مع أبي البختري يوم بدر وقوله لأبي البختري إن النبي ﷺ قال: "من لقي منكم أبا البختري فلا يقتله"، فقال أبو البختري: وزميلي؟ فقال: لا والله فإني قاتله فقتله هو وزميله"، المصدر السابق. ٣ أبو داود الأنصاري المازني قيل: اسمه عمرو، وقيل: عمير، الإصابة ٤/ ٥٨.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الأنصاري بين ثدييه وأجهز عليه١، وأقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك في وجه رسول الله فقال: "اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمة".
فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعًا بينه وبين المعركة غير كبير مقنعًا في الحديد واضعًا سيفه على فخذيه ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوًا وهو منكب ينظر إلى الأرض، فلما رآه عبد الله بن مسعود أطاف حوله ليقتله وهو خائف أن يثور إليه وأبو جهل مقنع في الحديد، فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن عبد الله أن أبا جهل مثبت جراحًا فأراد أن يضربه بسيفه فخشي أن لا يغني سيفه شيئًا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيفه، فاستله وهو منكب لا يتحرك، فرفع عبد الله سابغة البيضة عن قفاه فضربه، فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر في عنقه جدرًا وفي يديه وفي كتفيه كهيئة السياط٢.
_________________
(١) ١ قال ابن إسحاق: "وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام بنقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم". ابن هشام١/ ٦٢٩. ٢ ورد في صحيح مسلم ١٢/ ٦١- ٦٣ بشرح النووي: أن مقتل أبي جهل كان على يد غلامين من الأنصار هما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن العفراء، وأن النبي ﷺ أعطى سلبه إلى معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٣٩٦٢) عن أنس قال: قال النبي ﷺ: "من ينظر ما صنع أبو جهل؟ ". فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه أبناء عفراء حتى برد، قال: أأنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو رجل قتله قومه؟ " انظر أيضًا: رقم (٣٩٦١)، و(٣٩٦٣) من البخاري، وانظر أيضًا: قصة أبي جهل عند أحمد في المسند ٦/ ٣٧٤ رقم [٣٨٢٤] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٧٢- ٣٧٣، وأبي داود رقم (٢٧٠٩) وعند ابن هشام ١/ ٦٣٤، وتاريخ الطبري٢/ ٤٥٤ - ٤٥٦، ودلائل البيهقي ٣/ ٨٥- ٨٦، ومغازي الواقدي ١/ ٨٩- ٩٠.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وأتى ابن مسعود النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد به فقال النبي ﷺ: "ذلك ضرب الملائكة، وقال: اللهم قد أنجزت ما وعدتني".
ورجعت قريش إلى مكة مغلوبين منهزمين وكان أول من قدم بهزيمة المشركين الحيسُمان الكعبي وهو جد حسن بن غيلان، فاجتمع عليه الناس عند الكعبة يسألونه، لا يُسْأَلُ عن رجل من أشراف قريش إلا نعاه، فقال صفوان بن أمية١ وهو قاعد مع نفر من قريش في الحجر: والله ما يعقل هذا الرجل، ولقد طار قلبه، سلوه عني، فإني أظنه سوف ينعاني، فقال بعضهم للحيسُمان: هل لك علم بصفوان بن أمية؟
_________________
(١) ١ هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة أبو وهب الجمحي، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، هرب يوم فتح مكة وأسلمت زوجته، فأحضر له ابن عمه عمير بن وهب أمانًا من النبي ﷺ، فحضر وحضر وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم، انظر الإصابة ٢/ ١٨٧.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قال: نعم، هو ذاك جالس في الحجر ولقد رأيت أباه أمية بن خلف قتل، ثم تتابع فلّ المشركين من قريش ونصر الله عزوجل رسوله ﷺ والمؤمنين، وأذلّ بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين، فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرق الله تعالى بين الشرك والإيمان.
وقالت اليهود: تيقنا أنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت، وأقام أهل مكة على قتلاهم النوح في كل دار من مكة شهرًا، وجزّ النساء رؤوسهنّ، يؤتى براحلة الرجل أو بفرسه فيوقف بين ظهري النساء فَيَنُحْنَ حولها، وخرجن في الأزقة فسترنها بالستور، ثم خرجن إليها يَنُحْنَ.
ولم يقتل من الأسرى صبرًا١ غير عقبة بن أبي معيط٢، قتله عاصم٣ بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف لما أبصره عقبة
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرًا". النهاية ٣/ ٨. ٢ عند ابن هشام ١/ ٦٤٤، كذلك وذكر أن عليًا ﵁ قتل النضر بن الحارث صبرًا. وفي المعجم الأوسط للطبراني ٤/ ١٣٥ رقم (٣٨٠١) أن النبي ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة صبرًا، قتل: النضر بن الحارث من بني عبد الدار، وطعيمة بن عدي بن بني نوفل، وعقبة بن أبي معيط. ٣ هو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح قيس بن عصمة بن النعمان، جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أمير السرية التي ذهبت إلى بني لحيان فقتل فيها. الإصابة ٢/ ٢٤٤- ٢٤٥. قال ابن هشام: "ويقال: قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي عن ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم". ابن هشام (١/ ٦٤٤)
[ ١ / ٢٣١ ]
مقبلًا إليه استغاث بقريش، فقال: يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟
فقال رسول الله ﷺ: "على عداوتك لله ورسوله".
وأمر رسول الله ﷺ بقتلى قريش من المشركين فألقوا في قليب بدر ولعنهم وهو قائم يسميهم بأسمائهم، غير أن أمية بن خلف كان رجلًا مسمنًا فانتفخ في يومه، فلما أرادوا أن يلقوه في القليب تفقأ، فقال رسول الله ﷺ: "دعوه"، وهو يلعنهم١: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا٢؟
قال موسى بن عقبة: قال نافع: قال عبد الله بن عمر: قال أناس من أصحابه: يا رسول الله أتنادي ناسًا موتى؟ فقال رسول الله ﷺ: "ما أنتم بأسمع لما قلت منهم"٣.
_________________
(١) ١ في البخاري رقم (٤٠٢٦): يلقيهم. ٢ من قوله: فقال رسول الله ﷺ دعوه إلى هنا، أخرجه البخاري حديث رقم: (٤٠٢٦) قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح بن سليمان عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: هذه مغازي رسول الله ﷺ فذكر الحديث. فقال رسول الله ﷺ وهو يلقيهم: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ " والمراد بقوله فذكر الحديث أي تعداد الزهري لغزوات النبي ﷺ. ٣ من قوله قال موسى بن عقبة إلى هنا: رواية لموسى بن عقبة عن ابن عمر أدخلها بين روايته ورواية الزهري الطويلة، وقد ذكرها البخاري رقم (٤٠٢٦) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال١: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فدخل من ثنية الوداع، ونزل القرآن يعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ٢ إلى هذه الآية وثلاث آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٣ هذه الآية وأخرى معها، وأنزل فيما غشيهم من النعاس أمنة منه حين وكلهم إليه حين أخبروا بقريش فقال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ﴾ ٤ هذه الآية والتي بعدها، وأنزل في قتل
_________________
(١) ١ قوله: قال: من كلام الزهري تتمة لروايته الطويلة. ٢ سورة الأنفال (٥-٦) . ٣ سورة الأنفال (٩) . ٤ سورة الأنفال الآية (١١-١٢) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
المشركين والقبضة التي رمى بها رسول الله ﷺ من الحصباء، والله أعلم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا﴾ ١، هذه الآية والتي بعدها، وأنزل في استفتاحهم ودعاء المؤمنين: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ ٢، وقال في شأن المشركين: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ٣ هذه الآية كلها.
ثم أنزل تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ في سبع آيات معها، وأنزل في منازلهم، فقال: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ٥ والآية التي بعدها، وأنزل فيما يعظهم به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ ٦ الآية وثلاث آيات معها، وأنزل فيما تكلم به
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (١٧) ٢ سورة الأنفال، الآية (١٩) ٣ سورة الأنفال، الآية (١٩) ٤ سورة الأنفال، الآية (٢٠) ٥ سورة الأنفال، الآية (٤٢) ٦ سورة الأنفال، الآية (٤٥)
[ ١ / ٢٣٤ ]
رجال من أهل الإسلام خرج بهم المشركون كرهًا، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ ١، الآية كلها، وأنزل في قتلى المشركين ومن اتبعهم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ ٢ الآية وثمان آيات معها، وعاتب الله عزوجل النبي ﷺ والمؤمنين فيما أسروا وكره الذي صنعوا ألا يكونوا أثخنوا العدو بالقتل، فقال الله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ٣، ثم سبق من الله عزوجل لنبيه ﷺ والمؤمنين إحلال الغنائم وكانت حرامًا على من كان قبلهم من الأمم، كان فيما يتحدث عن رسول الله ﷺ - والله أعلم - أنه كان يقول: "لم تكن الغنائم تحل لأحد قبلنا فطيبها الله عزوجل لنا"٤، فأنزل الله فيما سبق من كتابه بإحلال الغنائم فقال: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (٤٩) ٢ سورة الأنفال، آية (٥٠) . ٣ سورة الأنفال، آية (٦٧) . ٤ هذا اللفظ يشهد له ما أخرجه البخاري (٦/٢٢٠ رقم ٣١٢٤ مع الفتح) ومسلم رقم (١٧٤٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ثم أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا".
[ ١ / ٢٣٥ ]
مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ هذه الآية والتي بعدها، وقال رجال ممن أسر: يا رسول الله: إنا كنا مسلمين وإنما أخرجنا كرهًا فعلام يؤخذ منا الفداء، فأنزل الله عزوجل فيما قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، آية (٦٨) . ٢ سورة الأنفال، آية (٧٠)، والرواية بطولها مرسلة، ولكن قد ورد لبعض فقراتها شواهد في الصحيحين وفي غيرهما، انظر ما تقدم من الحواشي.
[ ١ / ٢٣٦ ]