٥٢- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس١، أن الحكم ابن نافع٢ حدثهم قال: أخبرنا شعيب٣، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف٤ يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون؛ يعبدون الأوثان، واليهود؛ وكانوا يؤذون النبي ﷺ
_________________
(١) ١ قد ذكر ابن إسحاق أن مقتل كعب بن الأشرف كان قبل أحد. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٧٣، وذكر الواقدي أن قتله كان على رأس خمسة وعشرين شهرًا في ربيع الأول، المغازي ١/ ١٨٤، وذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣١، أن مقتله كان لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ. ٢ هو: الحكم بن نافع البهراني بفتح الموحدة، أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب ، من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦ رقم (١٤٦٤) . ٣ شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، توفي سنة اثنتين وستين أو بعدها، ع، التقريب ٢٦٧ رقم (٢٧٩٨) . ٤ هو: كعب بن الأشرف، من بني طيء، ثم أحد بني نبهان، ولكن أمه من بني النضير، البداية ٤/ ٥.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وأصحابه: فأمر الله عزوجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ١ الآية، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة ٢، وذكر قصة قتله٣، فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طُرِق٤ صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية (٣٣) . ٢ محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي وهو ممن سمي في الجاهلية محمدًا، شهد بدرًا وما بعدها إلا تبوك. الإصابة ٣/ ٣٨٣. ٣ ستأتي قصة قتله في الرواية الآتية رقم (٥٣) . ٤ طرق: أي جاؤوه ليلًا، وكل آت بالليل طارق. النهاية ٣/ ١٢١. ٥ سنن أبي داود ٣/ ١٥٤ رقم (٣٠٠) وقد قال عنه الألباني في صحيح أبي داود ٢/٥٨١- ٥٨٢، صحيح الإسناد، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٩٨، وأخرجه أيضًا من طريق عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري فذكره بلفظ أتم مما عند أبي داود، ولكنه مرسل وسيأتي. انظر: دلائل النبوة ٣/ ١٩٦- ١٩٨، والسنن الكبرى ٩/ ١٨٣،
[ ١ / ٣٩٥ ]
_________________
(١) وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ١٦١، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣٧، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف ) فذكر طرفًا منه. يرجح الدكتور أكرم العمري في السيرة النبوية الصحيحة (١/ ٢٧٦- ٢٧٧) أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تتناول موادعة الرسول ﷺ لليهود، والثانية توضح التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار، وحقوقهم وواجباتهم، ثم ذكر ان الراجح عنده أن وثيقة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى، وقد استند في ترجيحه هذا إلى روايات ذكرها أبو عبيد في الأموال (رقم ٥١٨) والبلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٢٨٦)، أما طلب اليهود من النبي ﷺ بعد مقتل ابن الأشرف أن يكتب لهم صحيفة كما في رواية أبي داود الصحيحة فإنه لا مانع بعد مقتل كعب أن تعاد كتابة الصحيفة تأكيدًا أو تجديدًا لتعود الطمأنينة إلى النفوس بعد هذه الحادثة التي أرعبت يهود والمشركين. ويذكر الدكتور العمري أن الوثيقة بين المهاجرين والأنصار قد كتبت بعد وثيقة موادعة يهود. المصدر السابق. ورواية أبي داود هذه أصح من تلك الروايات التي تدل على أن وثيقة موادعة يهود كانت قبل بدر، لكن لا بد من التوفيق الذي ذكره العمري؛ لأن بني قينقاع قد أجلوا قبل حادثة مقتل كعب بن الأشرف، وقد كان سبب إجلائهم كما ذكر ابن إسحاق أنهم أول يهود نقضوا ما بينهم ما بين رسول الله ﷺ، وحاربوا فيما بين بدر وأُحد. انظر: ابن هشام (٢/ ٤٧) .
[ ١ / ٣٩٦ ]
٥٣- وقال ابن شبة١: قال الحزامي٢، حدثنا ابن وهب، عن حيوة بن شريح٣ وابن لهيعة٤، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ وأصحابه،
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة لابن شبة ٢/٤٥٩، بسند صحيح إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٧٦ رقم (١٥٤) . وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: هو كعب بن الأشرف، ثم ذكر قصة مقتله بألفاظ مقاربة لما عند ابن شبة، انظر: تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، وأخرج الواقدي عن الزهري، عن كعب بن مالك، فذكر نحوه، المغازي (١/ ١٨٤)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٣، من طريق الزهري مختصرًا، ومن طريق ابن سعد ذكره ابن سيد الناس في عيون الأثر ١/ ٤٥٢. ٢ هو إبراهيم بن المنذر، تقدم في الرواية رقم (١) . ٣ حيوة بن شريح، بفتح أوله وسكون التحتانية، وفتح الواو، بن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، من السابعة، مات سنة ثمان وقيل تسع وخمسين، ع، التقريب ١٨٥، رقم (١٦٠٠) . ٤ هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون، مات سنة أربع وسبعين، وقد ناف على الثمانين، م د ت ق، التقريب ٣١٩ رقم (٣٥٦٣) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وهي أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود أهل الحلقة، والحصون، وهم حلفاء الحيّين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم استصلاحهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشركًا، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشركًا، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل ﵎: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ١ وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ فلما أبى كعب أن ينزع عن أذى رسول الله ﷺ وأذى المسلمين أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ في خمسة٣ رهط، فأتوه عشية في مجلسه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٨٦) . ٢ سورة البقرة آية (١٠٩) . ٣ ذكر الطبراني في روايته أربعة هم: ١- سعد بن معاذ، ٢- محمد بن مسلمة، ٣- وأبو عيسى بن حبر الأنصاري، ٤- والحارث بن أخي سعد بن معاذ. معجم الطبراني الكبير ١٩/ ٧٧ رقم (١٥٤) .
[ ١ / ٣٩٨ ]
بالعوالي١، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد يذعر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟
قالوا: بنا حاجة إليك.
قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها، فدنا إليه بعضهم، فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا لنا نستعين بأثمانها.
فقال لهم: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم ثم جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل، ثم واعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنه الناس، فجاؤوه فناداه رجل منهم، فقام ليخرج إليهم، فقالت له امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب.
قال: بلى، إنهم قد حدثوني حديثهم، فخرج إليهم، فاعتنقه محمد بن مسلمة٢، وقال لأصحابه: لا تستنكروا إن قتلتموني وإياه جميعًا، قال: وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته، فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان
_________________
(١) ١ المقصود بالعوالي: عالية المدينة، وهي ما كان في الجهة الجنوبية من المدينة وأدناها إلى المسجد النبوي يبعد ميلًا، انظر: وفاء الوفاء للسمهودي ٤/ ١٢٦٠- ١٢٦٢، ويطلق على تلك الجهات (العوالي) إلى يومنا هذا، انظر: معجم المعالم الجغرافية ١٩٧. ٢ محمد بن مسلمة، تقدم التعريف به في الرواية رقم (٥٠)
[ ١ / ٣٩٩ ]
معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: قد طُرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا فقتل غيلة١، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به، ودعاهم إلى أن تكتب بينهم وبين المسلمين صحيفة فيها جماع أمر الناس، فكتبها ﷺ.
٥٤- وأخرج ابن شبّ َة من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان كعب ابن الأشرف اليهودي أحد بني النضير قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وفد على قريش فاستعان بهم عليه، فقال أبو سفيان بن حرب: أناشدك، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء٢، ونسقي اللبن ونطعم ما هبت الشمال.
قال: أنتم أهدى سبيلًا، ثم خرج مقبلًا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ معلنًا بعداوته وهجائه، فقال رسول الله ﷺ: من لنا من ابن الأشرف؟ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشًا أن تقدم فينا طبائعهم٣، ثم قرأ النبي ﷺ على المسلمين ما
_________________
(١) ١ غيلة: أي خفية واغتيال: وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، النهاية ٣/ ٤٠٣. ٢ الجزور الكوماء: أي مشرفة السنام عاليته. النهاية ٤/ ٢١١. ٣ هكذا في المطبوع من تاريخ ابن شبة ٢/ ٤٥٥، والصواب: [أن يقدم فيقاتلنا معهم] . كما في مغازي موسى بن عقبة، جمع ودراسة وتخريج: محمد باقشيش أبو مالك، ص: ١٨١.
[ ١ / ٤٠٠ ]
أنزل الله فيه أن كذلك، والله أعلم، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا﴾ ١ وآيات معها فيه وفي قريش٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية (٥١) . ٢ تاريخ المدينة ٢/ ٤٥٤- ٤٥٥، وهو مرسل. وقصة مقتل كعب بن الأشرف ذكرها البخاري في صحيحه، انظر: الفتح ٧/ ٣٣٦ رقم (٤٠٣٧)، ومسلم رقم (١٨٠١)، وأبو داود كما مر رقم (٣٠٠٠)، وابن هشام في السيرة ٢/ ٥١، والواقدي في مغازيه ١/ ١٨٤، وابن سعد ٢/ ٣٣، والمعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٧٦ رقم (١٥٤)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٧، وفي السنن له ٩/ ٨١- ٨٢ كما مر، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، وتفسير الطبري ٨/ ٤٦٦ الأثر رقم (٩٧٨٦) فما بعده، وتاريخه ٢/ ٤٩٥، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/ ١٤٢، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ١٦١.
[ ١ / ٤٠١ ]