٢٥- أخرج البخاري في صحيحه١ من طريق الزهري، عن عروة ابن الزبير: (أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة٢ فدكية٣ وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة٤ في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسارا، حتى مرا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٢٣٠ رقم (٤٥٦٦) و١٠/ ٥٩١ رقم (٦٢٠٧)، وأخرجه مسلم برقم (١٧٩٨) في الجهاد والسير، باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين. وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٧٨٤)، ومن طريقه أحمد في المسند ٣٦/١٠١، رقم [٢١٧٦٧] الأرناؤوط، وابن إسحاق في السيرة (ابن هشام ٢/ ٢٣٦- ٢٣٨)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣٥٦- ٣٥٧، وابن حبان في صحيحه ١٤/ ٥٤٣ رقم (٦٥٨١) والطبراني في الكبير مختصرًا ١/ ١٦٢ رقم (٣٨٥) . ٢ أي كساء غليظ. فتح الباري ٨/ ٢٣١. ٣ فَدَك: بفتح الفاء والدال، قرية من شرقي خيبر، وتعرف اليوم بالحائط، وتبعد عن المدينة بمرحلتين. انظر: فتح الباري ٨/ ٢٣١، ومعجم المعالم الجغرافية ٢٣٥. وتقدر المرحلة بأربعين كيلًا في هذا العصر. ٤ سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج، يكنى أبا ثابت، وأبا قيس. كان أحد النقباء ليلة العقبة، اختلف في شهوده بدرًا، فأثبته البخاري، وقال ابن سعد: كان يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل، وكان مشهورًا بالجود، هو وأبوه وجده وولده. الإصابة ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
بمجلسٍ فيه عبد الله بن أُبي بن سلول١، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أُبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة٢، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة٣، خمَّر٤ ابن أُبّيٍّ أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا. فسلَّم رسول الله ﷺ عليهم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال له عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه.
قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون٥، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول
_________________
(١) ١ عبد الله بن أبي بن سلول، يكنى أبا الحباب، كان رأس المنافقين، وممن تولى كبر الإفك في عائشة، الاستيعاب ٣/ ٧١ رقم (١٦٠٨) . ٢ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري، الخزرجي، الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. الإصابة ٢/ ٣٠٦. ٣ عَجَاجة: بفتح المهملة وجيمين الأولى خفيفة. أي غبارها. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٤ خمَّر: أي غطى. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٥ يتثاورون: بمثلثة، أي يتواثبون، أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا، يقال: ثار القوم إذا قاموا بسرعة، الفتح ٨/ ٢٣٢.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الله ﷺ: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو الحباب؟! يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا.
فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله، بأبي أنت، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة١ على أن يتوجوه٢ ويعصبوه٣ بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ٤ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ ٥ الآية. وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: "هذا اللفظ يطلق على القرية، وعلى البلد، والمراد هنا المدينة النبوية". الفتح ٨/ ٢٣٢. ٢ أي: يرئسوه عليهم ويسودوه. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٣ يعصبوه: سمي الرئيس مُعصبًا لما يعصب برأسه من الأمور، أو لأنهم يعصبونه رؤوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٤ "شَرِقَ" بفتح المعجمة وكسر الراء، أي غَصَّ به، وهو كناية عن الحسد، يقال: غصّ بالطعام وشجِيَ بالعظم وشَرِق بالماء إذا اعترض شيءٌ من ذلك في الحلق، فمنعه الإساغة. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٥ آل عمران آية (١٨٦) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ١، فكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به، حتى أُذِن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار وسادة قريش، فقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أُبيّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجه، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، فأَسلَموا) .
_________________
(١) ١ البقرة آية (١٠٩) .
[ ١ / ٢٦٩ ]