٣٧- قال البيهقي في الدلائل١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب، قال: حدثني القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في المغازي، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه: موسى بن عقبة قال:
ورجعت٢ قريش فاستجلبوا من استطاعوا من مشركي العرب، وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من العام المقبل من وقعة بدر، حتى طلعوا من بئر الحماوين٣، ثم نزلوا ببطن الوادي٤
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٢٠٦، وسندها حسن، وقد تقدم تراجم إسناد هذه الرواية. ٢ أي من بدر، كما ستحددها روايات أخرى ستأتي قريبًا. ٣ لم أجد له تعريفًا بعد البحث. ٤ اسم هذا الوادي (وادي قناة) بفتح القاف والنون وألف، وآخرها هاء، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/٣٩٩، وانظر: وفاء الوفاء للسمهودي ٣/١٠٧٤، والمدينة بين الماضي والحاضر للعياشي ٤٩٠، ومعجم المعالم الجغرافية للبلادي ٢٥٨.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الذي قِبَل أُحد، وكان رجال من المسلمين الذين لم يشهدوا بدرًا ندموا على ما فاتهم من سابقة بدر، وتمنوا لقاء العدوّ، وليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحدٍ، فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرًا بقدوم العدوّ عليهم، وقالوا: قد ساق الله إلينا بأمنيتنا، ثم إن رسول الله ﷺ أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه، فقال: " رأيت البارحة في منامي بَقَرًا والله خير"، وفي رواية ابن فليح "بقَرًا تُذْبح"، ورأيت سيفي ذا الفقار انفصم١ من عند ظُبَّته٢ - أو قال: به فلول٣ فكرهته وهما مُضَبَّبتان - ورأيت أني في درع حصينة٤ وأني مردف كبشًا، فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله! ماذا أولت رؤياك؟
قال: أوّلت البقر الذي رأيت نفرًا فينا وفي القوم، وكرهت ما رأيت
_________________
(١) ١ انفصم: انقطع، وفصمه يفصمه: كسره فانفصم وتفصم، القاموس ١٤٧٨ مادة (فصم) . ٢ ظبة السيف: أي طرفه وحده. النهاية لابن الأثير ٣/ ١٥٦، ولسان العرب ٢/ ٦٤١. ٣ الفلة: الثلمة في السيف، وجمعها: فلول. النهاية ٣/ ٤٧٢. وأخرج الواقدي في المغازي (١/ ٢٠٩) عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة قال: قال النبي ﷺ: "ورأيت في سيفي فلًا فكرهته"، فهو الذي أصاب وجهه ﷺ. ٤ المراد بالدرع الحصينة: المدينة، وذلك كما جاء في تأويله ﷺ لهذه الرؤيا انظر: مسند أحمد ٤/ ٢٥٩ رقم (٢٤٤٥) بتحقيق: شعيب الأرناؤوط وزملائه.
[ ١ / ٣٣٥ ]
بسيفي"، ويقول رجال: وكان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصابوا وجهه يومئذ، وفصموا رَباعيته، وخرقوا شفته، يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص، وكان البَقَرُ من قُتل يومئذ من المسلمين، وقال: "أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو فقتله"، وفي رواية ابن فليح: "يقتله الله، وأوّلت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا١، وأجمعوا الذراري في الآطام٢، فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم"، ورموا من فوق البيوت وكانوا قد شكوا أزقة المدينة بالبنيان، حتى كانت كالحصن.
فقال الذين لم يشهدوا بدرًا: كنا يا نبي الله نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرَّب المسير.
وقال رجال من الأنصار: متى نقاتلهم يا نبي الله إن لم نقاتلهم عند شَعَبِنا٣؟
وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع، وقال رجال قولًا صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبد المطلب قال: "والذي أنزل
_________________
(١) ١ كان هذا رأي النبي ﷺ وهو أنهم يمكثون في المدينة فيقاتلونهم فيها، ولا يخرجون إلى العدو. انظر: مستدرك الحاكم ٢/ ١٢٨ـ١٢٩، ودلائل البيهقي ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥. ٢ الأطم: بالضم: بناء مرتفع وجمعه آطام، ومنه الحديث: ":حتى توارت بآطام المدينة" يعني أبنيتها المرتفعة كالحصون. النهاية ١/ ٥٤. ٣ من معاني: الشَعَب: الزرع، اللسان (شعب)، والمراد: إذا لم نقاتلهم عند زرعنا وأموالنا فمتى نقاتلهم؟!
[ ١ / ٣٣٦ ]
عليك الكتاب لنجالدنَّهم".
وقال يعمر١ بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: "يا نبي الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها"، فقال له رسول الله ﷺ: بمَ؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فقال له رسول الله ﷺ: صدقت، فاستشهد يومئذ.
وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله ﷺ ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم به كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار إليه بالخروج لم يشهدوا بدرًا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة٢ فلما صلى رسول الله ﷺ الجمعة
_________________
(١) ١ لم أجد ليعمر ترجمة، ولعله: النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم، انظر: مغازي الواقدي ١/ ٢١١، والإصابة ٣/ ٥٦٥. ٢ من ذلك قوله ﷺ في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فدمعت عينا عمر، وقال: "الله ورسوله أعلم". صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٠٥ رقم (٣٩٨٣)، وما أخرجه البخاري من حديث معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان من أهل بدر - قال: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدُّون أهل بدر فيكم، فقال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) . صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣١١ - ٣١٢ رقم (٣٩٩٢) . ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" مسلم بشرح النووي ١٦/ ٥٥.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا باللأمة١ فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة وهو أعلم بالله وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء، ثم أشخصناه، يا نبي الله: امكث كما أمرتنا، قال رسول الله ﷺ: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وآذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل٢، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا
_________________
(١) ١ اللأمة: مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفًا. النهاية ٤/ ٣٢٠. ٢ أخرجه البيهقي في السنن ٧/ ٤١ موصولًا بإسناد حسن عن ابن عباس، ثم قال ﵀: (وهكذا ذكره موسى بن عقبة عن الزهري، وكذلك ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن شيوخه من أهل المغازي وهو عام في أهل المغازي وإن كان منقطعًا، وقد كتبناه موصولًا بإسناد حسن. أ. هـ. وانظر: ابن هشام ٢/ ٦٠، ومغازي الواقدي ١/ ٢١٤، والطبقات الكبرى ٢/ ٣٨. وأخرج عبد الرزاق عن الزهري بلفظ: "إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس" تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٥. وأخرجها الطبري في التفسير ٧/ ٣٧٢، بإسناد حسن إلى قتادة ولكنه مرسل، وأخرجها الحاكم في المستدرك ٢/ ١٢٨ - ١٢٩، وصححها ووافقه الذهبي، وقد حسن إسناد هذه الرواية الألباني في تعليقه على حاشية فقه السيرة للغزالي (ص: ٢٦٩)، وذلك بناء على ما ذكر من روايات يقوي بعضها بعضًا، والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدوّ، انظروا ما أمركم به فافعلوه،: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع١ وهم ألف٢ رجل والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله حتى نزل بأُحد، ورجع عنه عبد الله بن أُب ي بن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة فقال كعب بن مالك٣ الأنصاري:
إنّا بهذا الجذع لو كان أهله سوانا لقد ساروا بليل فأقشعوا٤
جلادٌ على ريب الحوادث لا ترى على هالك عينًا لنا الدهر تدمع
ثلاثة آلاف ونحن نصية٥ ثلاثِ ميْينٍ إن كثرنا وأربع
_________________
(١) ١ البدائع: اسم موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرّة إلى جبل أُحد، وفاء الوفاء، للسمهودي ١/٢٨٢، ويسمى هذا المكان بالشيخين، وبه مسجد يقال له: مسجد الشيخين، ويقال له: مسجد البدائع. انظر: وفاء الوفاء ٣/٨٦٥، ويسمى الآن بمسجد المستراح، وهو على الناحية الغربية لشارع سيد الشهداء. انظر: الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين ﷺ ص: ١٧٥. ٢ يؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق يونس عن ابن شهاب في الرواية المتقدمة رقم (١٩) . ٣ هو كعب بن مالك بن أبي بن كعب الأنصاري السلمي شهد العقبة، وبايع بها وتخلف عن بدر وشهد أحدًا وما بعدها وتخلف في تبوك وهو أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، قال البغوي: بلغني أنه مات بالشام في خلافة معاوية. الإصابة ٣/ ٣٠٢. ٤ أقشع القوم: تفرقوا، لسان العرب المحيط ٣/ ٩٣، مادة (قشع) . ٥ النصية: من يتنصى من القوم، أي يختار من نواصيهم، وهم الرؤوس والأشراف، وقد انتصيت في القوم رجلًا: أي اخترته. النهاية ٥/ ٦٨.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فراحوا سراعًا موجفين كأنهم غمام هراقت ماءها الريح تقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا أسود على لحم ببيشة ظُلّع
فلما رجع عبد الله بن أُب ي بالثلاث مائة، سقط في أيدي الطائفتين من المسلمين، وهمتا أن تفشلا، وهما بنو حارثة وبنو سلمة١ كما يقال، وصفَّ رسول الله ﷺ والمسلمون بأصل أُحد وصف المشركون بالسبخة٢ التي قِبَل أُحد، وتعبأ الفريقان للقتال، وجعل المشركون على خيلهم خالد ابن الوليد بن المغيرة، ومعهم مائة فرس، وليس مع المسلمين فرس، وحامل لواء٣ المشركين من عبد الدار، واشتكى صاحب لوائهم طلحة بن عثمان
_________________
(١) ١ يؤيد ذلك ما ذكره البخاري من أن المراد بالطائفتين: بنو حارثة وبنو سلمة، انظر صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٥٧. ٢ السبخة: محركة ومسكنة: أرض مالحة، أو هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية ٢/ ٣٣٣. ٣ اللواء: بكسر اللام والمد هي: الراية، ويسمى أيضًا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل اللواء دون الراية، وقيل اللواء: العلم الضخم، والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب، فتح الباري ٦/ ١٢٦. وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: "كانت راية النبي ﷺ سوداء ولواؤه أبيض" سنن الترمذي ٣/ ١١٥. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لحديث ابن عباس: "وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية"، الفتح ٧/ ٤٧٧. وقد ورد أن لواء النبي ﷺ في فتح مكة أبيض. سنن الترمذي ٣/ ١١٥، وقد يكتب عليها بعض العبارات مثل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فتح الباري ٧/ ٤٧٧. أو يكون فيها هلال أبيض، التراتيب الإدراية للكتاني ١/ ٣٢٠، وتكون مربعة ذراع في ذراع. ابن حجر الفتح ٦/ ١٢٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أخو شيبة بن عثمان١، وكانت لهم الحجابة، والندوة، واللواء، فقال أبو سفيان بن حرب: إن اللواء ضاع يوم بدر حتى قتل حوله من قد علمتم، وأرى أن أعارضهم بلواء آخر، فقالت بنو عبد الدار والأحلاف٢: إن شئتم فارفعوا لواءً آخر، ولكن لا يرفعه إلا رجل من بني عبد الدار، فقال أبو سفيان: بل عليكم بلوائكم فاصبروا عنده.
وأمر رسول الله ﷺ خمسين رجلًا من الرماة فجعلهم نحو خيل
_________________
(١) ١ شيبة بن عثمان وهو الأوقص بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى القرشي العبدري الحجبي أبو عثمان، أسلم يوم الفتح، وكان ممن ثبت يوم حنين، توفي سنة تسع وخمسين، الإصابة ٢/ ١٦١. ٢ الأحلاف: ست قبائل هي: عبد الدار، وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، وسهم، سموا بذلك لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت جفنة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافهم وهم أسد، وزهرة، وتيم، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاهدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا فسُمّوا الأحلاف لذلك. النهاية ١/٤٢٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
العدو، وأَمَّر عليهم عبد الله بن جبير١ أخا خوَّات بن جبير٢ وقال لهم: "أيها الرماة٣، إذا أخذنا منازلنا من القتال فإن رأيتم خيل المشركين تحركت وانهزم أعداء الله فلا تتركوا منازلكم إني أتقدم إليكم أن لا يفارقن رجل منكم مكانه، واكفوني الخيل"٤.
فوعز٥ إليهم فأبلغ، ومن نحوهم كان الذي نزل بالنبي ﷺ يومئذ
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسيّ، شهد العقبة وبدرًا واستشهد بأحد، وكان أمير الرماة يومئذ، وكان المشركون عندما انهزموا ذهبت الرماة ليأخذوا من الغنيمة فنهاهم عبد الله بن جبير فمضوا وتركوه. الإصابة ٢/٢٨٦. ٢ هو خوَّات بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس الأنصاري الأوسيّ، شهد بدرًا والمشاهد كلها، عاش إلى سنة أربعين، ومات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة. الإصابة ١/٤٥٧_٤٥٨. ٣ كان عددهم خمسين رجلًا أميرهم عبد الله بن جبير ﵁. صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٦٢ رقم (٣٠٣٩) ومسند أحمد ٤/٢٠٩، وصحح شاكر إسناده، والمستدرك ٢/٢٩٦، وصححه ووافقه الذهبي. ٤ وردت قصة الرماة عند البخاري بألفاظ فيها بعض الاختلاف، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٦٢، رقم (٣٠٣٩)، ٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣)، وانظر هذه القصة في مسند أحمد ٤/ ٢٠٩، وصحح شاكر إسناده، والمستدرك ٢/ ٢٩٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر أيضًا مغازي الواقدي ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، وابن سعد ٢/ ٣٩. ٥ وعز: وعز إليه في كذا أن يفعل أو يترك، وأوعز، ووعز: تقدم وأمر، القاموس المحيط ٦٧٩. ر
[ ١ / ٣٤٢ ]
والذي أصابه، فلما عهد النبي ﷺ إلى أصحابه عهده في القتال، وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أنا عاصم١ إن شاء الله لما معي، فقال له طلحة - يعني ابن عثمان ـ: هل لك يا عاصم في المبارزة؟
قال: نعم، فبدره ذلك الرجل، فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيه فقتله، فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقًا لرؤيا رسول الله ﷺ أني مردف كبشًا، فلما صرع صاحب اللواء انتشر النبي ﷺ وأصحابه، وصاروا كتائب٢ متفرقة، فجاسوا٣ العدوّ ضربًا حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مراتٍ، كل ذلك تنضح بالنبل، فترجع مغلولةً، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلًا، فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عزوجل قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيءٍ، قد أهلك العدو إخواننا في عسكر المشركين، وقال طوائف منهم: على ما نصفُّ، وقد هزم الله العدو؟! فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي ﷺ ألاّ يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول،
_________________
(١) ١ ورد في سيرة ابن هشام ٢/ ٧٣: أنا أبو الفصم، والرجل هو علي بن أبي طالب ﵁، كما ذكر في المصدر السابق، وتفسير الطبري ٧/ ٢٨١ من مراسيل السدي. ٢ الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش والجمع: كتائب. النهاية ٤/ ١٤٨. ٣ الجوس: هو طلب الشيء بالاستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في القارة، القاموس المحيط ٦٩١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فأوجفت١ الخيل فيهم قتلًا، وكان عامتهم٢، في العسكر، فلما أبصروا ذلك الرجال المتفرقة أن الخيل قد فعلت ما فعلت، اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخ: أُخراكم أُخراكم، قُتِل رسولُ الله ﷺ، فسقط في أيدي المسلمين فقتل منهم من قتل وأكرمهم الله بأيدي المشركين وأصعد الناس في الشعب لا يلوون على أحد٣، وثَبَّت الله عزوجل النبي ﷺ حين انكشف عنه من انكشف من أصحابه، وهو يدعوهم في أخراهم حتى جاءه من جاءه منهم إلى قريب من المِهْرَاسِ٤ في الشِّعب.
فلما فُقِدَ رسولُ الله ﷺ قال رجل منهم: إن رسول الله قد قُتل فارجعوا إلى قومكم فيؤمنونكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلون البيوت.
وقال رجل منهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.
_________________
(١) ١ الإيجاف: سرعة السير، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا إذا حثّها. النهاية ٥/ ١٥٧. ٢ لم يبق من الرماة مع أميرهم سوى اثني عشر رجلًا كما في البخاري حديث رقم (٣٠٣٩) . ٣ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ الآية، آل عمران (١٥٣) . ٤ المهراس: بالكسر ثم السكون وآخره سين مهملة، وهو حجر يشبه القدح يمسك ماء المطر، والمراد المهراس الذي في الشعب من جبل أحد، معجم المعالم الجغرافية ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقال آخرون: إن كان رسول الله ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون عن دينكم، وعلى ما كان عليه نبيكم، حتى تلقوا الله شهداء؟
منهم: أنس بن النضر١ شهد له بها سعد بن معاذ عند رسول الله ﷺ، ويقال: أحد بني قشير الذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.
ومضى النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فإذا المشركون نحو وجهه على طريقه، فلما رآهم رسول الله ﷺ قد استقبلوه، قال: "اللهم إن تشأ لا يغلبك أحد في الأرض، وقال: اللهم إن تشأ لا تعبد" ٢.
فانصرف المشركون والنبي ﷺ يدعو أصحابه مصعدًا في الشعب، معه عصابة صبروا معه، منهم: طلحة بن عبيد الله٣، والزبير بن العوام، وبايعوه على الموت وجعلوا يسترونه بأنفسهم ويقاتلون معه حتى قتلوا إلا
_________________
(١) ١ هو أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي عم أنس بن مالك، كان قد غاب عن بدر وشهد أحدًا واستشهد بها. انظر: الإصابة ١/ ٧٤. ٢ قد ورد بمعناه في غزوة بدر كما في البخاري رقم (٢٩١٥) ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤، من حديث عمر ﵁، وقد قال الحافظ ابن حجر: "ووقع عند مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال هذا الكلام أيضًا يوم أحد". فتح الباري ٧/ ٢٨٩. ٣ هو طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمرو بن كعب القرشي التيمي أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد الستة أصحاب الشورى، قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. الإصابة ٢/ ٢٢٩ـ٢٣٠.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ستة نفر أو سبعة وهم مع ذلك يمشون حول المهراس، ويقال: كان كعب ابن مالك أول من عرف عين رسول الله ﷺ حين فقد من وراء المغفر فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول الله ﷺ فأشار إليه، - زعموا - رسول الله ﷺ - أن اسكت١ - وجرح رسول الله ﷺ وكُسِرت رَباعيتُه٢، وكان أُبيّ بن خلف قال حين افتدى: "والله إن عندي لفرس أعلفها كل يوم فَرَق٣ ذرة، ولأقتلنّ عليها محمدًا"، فبلغت رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ يشهد له ما رواه عبد الرزاق في مصنفه ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦ رقم (٩٧٣٥) عن الزهري عن عروة وفي تفسيره عن الزهري ١/ ١٣٤، وما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في إتحاف الخيرة للبوصيري، رقم (٤٥٦٥) عن الزهري دون ذكر عروة، وانظر مسند إسحاق في المطالب العالية للحافظ ابن حجر، رقم (٤٢٦٢) وقال عنه الحافظ: "رجاله ثقات ولكنه مرسل أو معضل". وأخرجه ابن سعد عن الزهري كما في الطبقات ٢/٤٥-٤٦، وزاد بعد قوله (أن اسكت) فأنزل الله تعالى جده ﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ الآية، وأخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا (ابن هشام ٢/٨٣)، وأخرجه الطبري في التفسير ٧/٣٠٨ رقم (٨٠٦٦)، وفي التاريخ ٨/٥١٨، وورد موصولًا عند الواقدي في المغازي ١/٢٣٦ من رواية الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، ومن طريقه أخرجه الطبراني في الأوسط ٢/٢٢ رقم _١١٠٤)، ولكن الواقدي متروك. ٢ الرَّباعية: - بفتح الراء وتخفيف الموحدة ـ: السنّ التي بين الثنية والناب، والمراد: أنها كسرت فذهبت منها فلقة ولم تقلع من أصلها (انظر: فتح الباري ٧/٣٦٦) . ٣ الفَرَق بالتحريك، مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا، أو ثلاثة آصع، وأما الفرق بالسكون: فمائة وعشرون رطلًا. النهاية ٣/٤٣٧.
[ ١ / ٣٤٦ ]
حِلْفَته، فقال: "بل أنا أقتله إن شاء الله".
فأقبل أُبيٌّ مقنعًا في الحديد على فرسه تلك يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله.
قال موسى بن عقبة [عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: أقبل أُبي بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده] ١، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف من فُرْجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أُبيّ عن فرسه، ولم يخرج من ترقوته دم، قال سعيد: فكسر ضلعًا من أضلاعه، ففي ذلك نزل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٢، فأتاه رسول الله ﷺ وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ما جزعُك إنما هو خَدْش٣، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: "بل أنا أقتل أبيًا"٤، ثم
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من مستدرك الحاكم ٢/٣٢٧، ولعلها سقطت من دلائل النبوة للبيهقي. ٢ سورة الأنفال آية (١٧) . ٣ خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه، خدشه يخدشه خدشًا، والخدوش جمعه. النهاية ٢/١٤. ٤ ستأتي قصة قتل الرسول ﷺ لأبي في مبحث مستقل.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بيْ بأهل المجاز١ لماتوا أجمعون، فمات أُبيّ قبل أن يقدم مكة، فلما لحق رسول الله ﷺ أصحابه ونظروا إليه، ومعه طلحة والزبير وسهل بن حُنيف والحارث بن الصمّة أخو بني النجار ظنّ أصحاب رسول الله ﷺ أن النفر من عدوهم فوضع أحدهم سهمًا على كبد قوسه فأراد أن يرمي، فلما تكلموا وناداهم رسول الله ﷺ عرفوه، فكأنه لم يصبهم بلاء في أنفسهم قطّ حين عرفوا رسول الله ﷺ فبينما هو كذلك إذ عرض لهم الشيطان نفسه ووسوسته وتحزينه حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم، فبينما هم كذلك يذكرون قتلاهم وإخوانهم، ويسأل بعضهم بعضًا عن حميمه، فيخبر بعضهم بعضًا بقتلاهم، وقال: اشتد حزنهم، أدبر الله عليهم المشركين، وغمهم بهم ليذهب بذلك الحزن عنهم، فإذا عدوهم فوق الجبل قد علوهم، فنسوا عند ذلك الحزن والهموم على إخوانهم، ثم أنزل الله عزوجل على طائفة ﴿مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًَا يَغْشَى طائفةً مِنْكُم﴾ ٢ كما قال: ﴿وطائفةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهليَّةِ يقولونَ هَلْ لنا مِنَ الأمرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إنَّ الأمرَ كلَّه للهِ يُخْفُون في
_________________
(١) ١ المجاز: أو ذو المجاز: بفتح الميم وتخفيف الجيم وآخره زاي، وهو من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، يقع بسفح جبل كبكب من الغرب يراه من يخرج من مكة على طريق نخلة اليمانية، معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٢٧٨ - ٢٧٩. ٢ سورة آل عمران آية (١٥٤) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
أنفسِهِم مَا لا يُبْدُوْنَ لكَ يقولونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قال الله عزوجل: ﴿قُل لوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُم﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وكانا غَمَّين: فهذا الغمّ الآخر، والغمّ الأول: حين أُصعدوا في الشعب منهزمين، فأنساهم الهزيمة ما يخافون من طلب العدو وقتالهم، وقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا اليوم"٢ ثم دعا رسول الله ﷺ وندب أصحابه، فانتدب منهم عصابة، فأصعدوا في الشعب حتى كانوا هم والعدو على السواء فراموهم بالنبل، وطاعنوهم حتى أهبطوهم عن الجبل، وانكفأ المشركون عنهم إلى قتلى المسلمين فَمَثَّلوا بهم: يقطعون الآذان والأنوف، والفروج، ويبقرون البطون، وهم يظنون أنهم قد أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابة، ثم إنهم قد اجتمعوا وصفوا مقاتلتهم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال إلا أنكم ستجدون في قتلاكم شيئًا من مُثْلَة، وإني لم آمر بذلك ولم أكرهه٣، ثم قال: أُعل هبل، يفخر
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٤) . ٢ أخرجه ابن إسحاق (انظر: ابن هشام ٢/ ٨٦) ومن طريقه أخرجه الطبري، في التفسير ٧/ ٣٠٩ رقم الحديث (٨٠٦٦) تحقيق: شاكر، وأخرجه الطبري في التفسير عن السدي، انظر: نفسير الطبري ٧/ ٣٠٧ رقم (٨٠٦٤) . ٣ يشهد لهذا ما أخرجه البخاري بألفاظ متقاربة، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠ رقم (٤٠٤٣)، وانظر: مسند أحمد ٤/ ٢٠٩، ٦/ ١٨١ تحقيق شاكر، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٩٣) بدون إسناد، والواقدي في المغازي ١/ ٢٩٦، والحلية لأبي نعيم ١/ ٣٩ من طريق الزهري.
[ ١ / ٣٤٩ ]
بآلهته.
فقال: عمر: اسمع يا رسول الله ما يقول عدو الله.
فقال رسول الله ﷺ: "ناده فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار".
قالوا: "إن لنا العزى ولا عزى لكم".
قال رسول الله ﷺ: "الله مولانا ولا مولى لكم".
ثم نادوا محمدًا باسمه١، فلما علموا أنه حيٌّ ونادوا رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ أشرافًا فعلموا أنهم أحياء، كبتهم الله فانكفؤوا إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون، فقال رسول الله ﷺ: "إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري والنساء، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها، وإن كانوا ركبوا الأثقال وجنبوا الخيل فهم يريدون الفرار"، فلما أدبروا بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في آثارهم فقال: أعلم لنا أمرهم، فانطلق سعد يسعى حتى علم علمهم، ثم رجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة٢ مدبرة، ورأيت القوم قد
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣) بألفاظ متقاربة من ألفاظ هذه الرواية. ٢ جنب الرجل: دفعه، وسحابة مجنوبة هبت بها الجنوب، لسان العرب ١/ ٥٠٨، والقاموس ٨٩، والمعنى: دفعوها إلى جهة الجنوب ذاهبين إلى مكة والله أعلم.
[ ١ / ٣٥٠ ]
تحملوا على الأثقال سائرين فطابت أنفس القوم لذهاب العدو، وانتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلًا إلا قد مَثَّلُوا به إلا حنظلة بن أبي عامر١، كان أبوه مع المشركين فتُرِك له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلًا، فدفع صدره برجله ثم قال: ذنبان أصبتهما قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دُبَيْس٢، ولعمر الله إن كنت لواصلًا للرحم برًا بالوالد، ووجدوا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ قد بقر بطنه، وحملت كبده، احتملها وحشي٣ وهو قتله يذهب بكبده إلى هند٤ بنت عتبة في نذر نذرته حين
_________________
(١) ١ هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك بن أمية الأنصاري الأوسي المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب واسمه عمرو، ويقال: عبد عمرو، استشهد حنظلة بأحد لا يختلف أصحاب المغازي في ذلك. الإصابة ١/ ٣٦٠ - ٣٦١. ٢ الدبسة: لون بين السواد والحمرة. النهاية ٢/ ٩٩. ٣ هو: وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل، قيل: كان مولى طعيمة بن عدي، وقيل: مولى أخيه مطعم، وهو قاتل حمزة قتله يوم أحد، أسلم وقدم على النبي ﷺ وكان قدومه عليه مع وفد أهل الطائف، شارك في قتل مسيلمة، يكنى أبا سلمة، وقيل: أبا حرب، شهد اليرموك ثم سكن حمص ومات بها في خلافة عثمان. الإصابة ٣/ ٣٦١. ٤ هي: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية، أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عمر بعد أبي بكر بقليل في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة. الإصابة ٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
[ ١ / ٣٥١ ]
قتل أباها يوم بدر، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فدفن حمزة في نمرة١ كانت عليه إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، وإذا أنزلت إلى رجله بدا وجهه، فجعلوا أعوادًا من شجرٍ وحجارةٍ فوضعوا على قدميه وغطوا وجهه٢.
قال موسى: قال ابن شهاب: فلما فرغ رسول الله ﷺ لدفن الشهداء قال: "زملوهم٣ بجراحهم فإنه ليس كَلْم٤ يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة يَدْمَى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك" ٥، ثم قال
_________________
(١) ١ النمرة: شملة فيها خطوط بيض وسود. لسان العرب ٧٢١، والنهاية ٥/ ١١٨. ٢ يشهد لذلك ما أخرجه الترمذي من حديث الزهري عن أنس، سنن الترمذي رقم (١٠١٦)، وقال الترمذي: حديث أنس حديث غريب، وقد حكم عليه الألباني بالصحة، انظر: صحيح سنن الترمذي ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨، تحت رقم (١٠٢٧) . والطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ١٤ - ١٥، وسنن الدارقطني ٤/ ١١٦ رقم (٤٣)، ومصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٦٧، ومستدرك الحاكم ١/ ٣٦٥، ٢/ ١٢٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٠. ٣ زملوهم: لفوهم فيها، يقال: تزمل بثوبه إذا التف به. النهاية ٢/ ٣١٣. ٤ هو جمع: كليم: وهو الجريح، وأصل الكلم: الجرح. النهاية ٤/ ١٩٩. ٥ أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ٦٣ رقم [٢٣٦٥٨] الأرناؤوط من طريق معمر عن الزهري، وسنن سعيد بن منصور رقم (٢٥٨٣)، والنسائي في السنن ٤/ ٧٨ رقم (٢٠٠٢)، و٦/ ٢٩ رقم (٣١٤٨)، وكتاب الجهاد لابن أبي عاصم، رقم (١٧٦)، والآحاد والمثاني له ٥/ ٦٨ رقم (٢٦٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٩٩ـ١٠٠، ومسند ابن الجعد رقم (١٦٣٨)، والبخاري من حديث مالك عن أبي الزناد ومسلم من حديث سفيان ولفظه: "لا يُكْلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعُب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك" البخاري رقم (٢٨٠٣) ومسلم رقم (١٠٥)، (١٨٧٦) باب فضل الجهاد ٣/ ١٤٩٦، عبد الباقي.
[ ١ / ٣٥٢ ]
رسول الله ﷺ: "أنا الشهيد على هذا يوم القيامة"١.
ثم قام رسول الله ﷺ يدفنون على عينيه، ولم يغسلهم ولم يصل على أحد منهم كما يصلي على الموتى، ولم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها، قال: وهم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة: (أي هؤلاء كان أكثر أخذًا للقرآن؟) فإذا أشير إلى الرجل منهم قدمه في اللحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم، وخرج نساء من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فلما رأت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه ورسول الله ﷺ يقول: "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله، واشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله"٢.
وقال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري من طريق الزهري، صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٢٠٩، رقم (١٣٤٣)، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٩٨) . ٢ أخرجه البخاري في الصحيح، فتح الباري ٧/ ٣٧٢، ومسلم ٢/ ١٥٠، ومسند أحمد انظر: الفتح الرباني ٢١/ ٥٧، وابن هشام ٢/ ٨٥ - ٨٦.
[ ١ / ٣٥٣ ]
لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: رمى يومئذٍ رسول الله ﷺ رجل من بني الحارث بن عبد مناة يقال له: ابن قَمِئَة٢، ويقال: بل رماه عتبة بن أبي وقاص٣، قال: وسعى علي بن أبي طالب ﵁ إلى المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميمة، فأتى بماءٍ في مَجنَّة٤ فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحًا، فقال: (هذا
_________________
(١) ١ له شاهد عند البخاري رقم (٣٤٧٧)، وأحمد ٦/ ١٠٣ - ١٠٤ رقم [٣٦١١] الأرناؤوط، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٣٨، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤/ ١٢٣ رقم (٢٠٩٦)، وابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٢٥٤ رقم ٩٧٣)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٢٠ رقم ٥٦٩٤، وقال في المجمع ٦/ ١١٧ "ورجاله رجال الصحيح، قال أبو حاتم: "يعني هذا الدعاء أنه قال يوم أحد لما شُجَّ وجهه قال: (اللهم اغفر لقومي) ذنبهم بي من الشج لوجهي لا أنه دعاء للكفار بالمغفرة، ولو دعا لهم بالمغفرة لأسلموا في ذلك الوقت لا محالة". الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٢٥٥. ٢ اسمه: عبد الله بن قمئة الليثي. ابن هشام ٢/٩٤. ٣ ذكر الذهبي في المغازي، ص (١٩٢) عن معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة حين كسر رباعيته "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا"، فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار) قال الذهبي: وهو مرسل. وانظر: السيرة النبوية لابن كثير (٢/٥٩) . وقد ذكر الواقدي في المغازي (١/٢٤٥) نحوًا من هذا من غير طريق الزهري. ٤ المجنّ: الترس. النهاية ٤/٣٠١، وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٨٥) أن عليًا ملأ درقته من ذلك الماء.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ماء آجن) ١، فمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها، ولما رأى رسول الله ﷺ سيف عليّ مخضبًا دمًا، قال: (إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث٢ بن الصِّمَّة، وسهل٣ بن حُنيف) ٤، ثم قال: "أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين ذهبوا"؟
قالوا: كفر عامتهم، فقال: "إن المشركين لم يصيبوا منا مثلها حتى نبيحهم"، ثم أقبلوا إلى دورهم وقد كان أبو سفيان ناداهم والمشركون حين ارتحلوا أن موعدهم الموسم موسم بدر، وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام، فقال رسول الله ﷺ: "قولوا لهم نعم قد فعلنا".
_________________
(١) ١ الماء الآجن: الماء المتغير الطعم واللون. لسان العرب المحيط ١/٢٦. ٢ هو الحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - ابن عمرو بن عتيك بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار والد أبي جهم عُدّ في أهل بدر، كسر بالروحاء فرده النبي ﷺ وضرب له بسهم وشهد أحدًا واستشهد ببئر معونة. الإصابة ١/١٨١. ٣ هو: سهل بن حُنيف بن وهب بن العكيم الأوسي الأنصاري، يكنى أبا سعد وأبا عبد الله من أهل بدر، وكان من السابقين، وثبت يوم أُحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت. الإصابة ٢/٨٧. ٤ أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/٢٤، وصححه وأقرّه الذهبي، وأخرجه الطبراني كما في المجمع ٦/١٢٣، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو سفيان: فذلك الموعد١.
وزعموا أن رسول الله ﷺ كان عرض يومئذ سيفه فقال: "من يأخذ هذا بحقه"؟ قالوا: وما حقه؟ قال: يضرب به إذا لقي العدوّ"، فقال عمر - زعموا - أنا آخذه، فأعرض عنه، ثم عرضه الثانية، فقال الزبير: أنا آخذه فأعرض عنه، فوجد عمر والزبير في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة بذلك الشرط، فقال أبو دجانة سماك بن خرشة٢ أخو بني ساعدة: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فدفعه إليه.
فصدق به حين لقي العدو وأعطى السيف بحقه٣.
_________________
(١) ١ بدر الموعد: ستأتي في بحث مستقل إن شاء الله تعالى. ٢ اسمه: سِماك بن خرشة، وقيل: أوس بن خرشة، متفق على شهوده بدرًا، وقد كثرت فيه الجراحة يوم أُحد، وثبت أنه أخذ سيف رسول الله ﷺ يوم أحد ففلق به هام المشركين، قيل: إنه شهد موقعة اليمامة، وشارك في قتل مسيلمة، واستشهد بها. انظر: الإصابة ٤/٥٨. ٣ يشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه ١٦/٢٢٤، النووي، ومغازي ابن إسحاق [انظر: ابن هشام ٢/٦٦] والمغازي للواقدي ١/٢٥٨-٢٥٩، وسنن سعيد بن منصور ٢/٣٦٤، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/٤٠١، ومعجم الطبراني الكبير ١٩/ ٩ رقم (١٤)،والمطالب العالية ٤/٢٢١، وأخرجه أيضًا البزار في مسنده ٣/١٩٣- ١٩٤ رقم (٩٧٩)، وانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٢/٥١٠، والكنى للدولابي ١/٦٩، ومستدرك الحاكم ٣/٢٣٠، والإصابة لابن حجر ٤/٥٨-٥٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مُثَل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة تحوية المسلمين ويقول: استوسقوا١ كما تستوسق جرد الغنم، قال: وإذا رجل من المسلمين قائم ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، قال: فلم أزل أنظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف بلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه، فقال: كيف ترى يا كعب أنا أبو دجانة.
فلما دخل النبي ﷺ أزقَّة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهنّ، قال: وأقبلت امرأة تحمل ابنها وزوجها على بعير قد ربطتهما بحبل ثم ركبت بينهما، وحمل منهم قتلى فدفنوا في مقابر المدينة، فنهاهم النبي ﷺ عن حملهم، وقال: "واروهم٢ حيث أصيبوا"٣، وقال رسول الله حين سمع البكاء: "لكن حمزة لا بواكي له "، واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن
_________________
(١) ١ استوسقوا: أي استجمعوا وانضموا. النهاية ٥/١٨٥. ٢ واروهم: أي ادفنوهم، وارى الميت: دفنه. لسان العرب ١/ ٩٩٤. ٣ يشهد له ما رواه الإمام أحمد في المسند ٢٢/ ٢٠٨ رقم [١٤٣٠٥] الأرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف ٥/ ٢٧٨، والحميدي ٢/ ٥٤٤، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٢١، وأبو داود ٣/ ٢٠٢ رقم (٣١٦٥)، والنسائي ٤/ ٧٩، والترمذي ٥/ ٢٧٩ مع التحفة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة، فمشوا في دورهم فجمعوا كل نائحة وباكية كانت بالمدينة، فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله ﷺ فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة.
- وزعموا - أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة، فلما سمع رسول الله ﷺ البكاء قال: (ما هذا؟)
فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم وقال لهم خيرًا، وقال: (ما هذا أردت، وما أحب البكاء، ونهى عنه) .
وقال النبي ﷺ: "ثلاث من عمل الجاهلية لن تتركهن أمتي: النياحة على الموتى، والطعن في الأنساب، وقيل هذا المطر بنوء١ كذا وكذا، وليس بنوء إنما هو عطاء الله ورزقه"٢.
وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المؤمنين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المِرْجَل٣، وأظهروا النفاق والغش عند بكاء المسلمين ما كانوا مستخفين، وقالت اليهود: لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب،
_________________
(١) ١ مطرنا بنوء كذا: أي مطرنا بفضل نجم كذا، والأنواء ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منها منزلة، وإنما غلّظ النبي من أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها. النهاية ٥/ ١٢٢. ٢ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه ٧/ ١٥٦ مع الفتح، ومسلم ٢/ ٥٧ - ٥٩، والترمذي ٣/ ٣٢٥. ٣ المرجل: هو بالكسر الإناء الذي يُغلى فيه الماء. النهاية ٤/ ٣١٥.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ولكنه طالب ملك تكون له الدولة مرة وعليه مرة، وكذلك أهل طلب الدنيا بغير نبوة١.
وقال المنافقون نحو قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابوا الذي أصابوا منكم.
وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله ﷺ فاستخبره عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدَّهم ثم تركتموهم ولم تبروهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم.
وأمر النبي ﷺ أصحابه وبهم أشد القرح بطلب العدو ليسمعوا بذلك، وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال، فقال عبد الله بن أبي ّ: أنا راكب معك.
فقال: (لا)، فاستجابوا لله ورسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا، فقال الله عزوجل في كتابه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ قال ابن هشام: "وذكر غير زياد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ قال: لا حاجة لنا فيهم" (ابن هشام ٢/ ٩٤) وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تدل على أن النبي ﷺ يعرف تمامًا مكر اليهود وخبثهم. ٢ سورة آل عمران آية (١٧٢) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال: وأقبل جابر بن عبد الله السلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي رجعني وقد خرجت معك لأشهد القتال، فقال: ارجع وناشدني أن لا أترك نساءنا، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل، فاستشهده الله، فأراد بي البقاء لتركتِه، ولا أحب أن تتوجه وجهًا إلا كنت معك، وقد كرهت أن يطلب معك إلا من شهد القتال، فأْذَنْ لي، فأَذِنَ لَه رسول الله ﷺ، فطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد١، ونزل القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين وشأن مواطنهم كلها، ومخرج رسول الله ﷺ إذا غدا فقال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ
_________________
(١) ١ حمراء الأسد: جبل أحمر جنوب المدينة على (٢٠) كيلًا، إذا خرجت من ذي الحليفة تؤم مكة، عن طريق بدر، المعالم الأثيرة ١٠٣. وخروج النبي ﷺ إلى حمراء الأسد قد ذكره الزهري في عبد الرزاق ٥/ ٣٦٣ رقم (٩٧٣٥) و٥/ ٥٦٦ رقم (٩٧٣٦)، ويشهد لذلك ما أخرجه البخاري في ذكر غزوة حمراء الأسد، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٣٧ رقم (٤٠٧٧)، ومسلم بشرح النووي ١٥/ ١٩١، وابن أبي شيبة في المصنف ١٢/ ٩٤، والحميدي في مسنده رقم (٢٦٣)، وابن سعد في الطبقات ٣/ ١٠٤. ٢ سورة آل عمران آية (١٢١) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ١ مع سبع آيات بعدها، والرهط الذين تولوا رجلان من بني زريق: سعد بن عثمان٢ وأخوه عقبة بن عثمان٣، ورجل من المهاجرين٤: تولوا حتى انتهوا إلى بئر حزم٥، وفي رواية ابن فليح إلى الجَلَعْب٦، ثم عفا الله عنهم، ثم إن المسلمين استكثروا الذي أصابهم من البلاء يوم أحد٧، وقد كانوا أصابوا يوم بدر من المشركين
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٥) . ٢ هو: سعد بن عثمان بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي أبو عبادة شهد بدرًا كما قال موسى بن عقبة وغيره. الإصابة ٢/ ٣١. ٣ هو عقبة بن عثمان بن خلدة بن عامر بن زريق الأنصاري، ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن شهد بدرًا وذكره فيمن فر يوم أحد، حتى بلغ جبلًا مقابل الأعوص فأقام به ثم رجع، الإصابة ٢/ ٤٩٠. ٤ لعله يقصد عثمان بن عفان ﵁، فقد ثبت أنه كان ممن استزله الشيطان يوم أحد. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٥٤، ونص عليه ابن إسحاق كما في المطالب العالية المسندة رقم (٤٢٥٨)، وإتحاف الخيرة المهرة رقم (٤٥٦٣) . ٥ لم أجد لها ذكرًا. ٦ الجلعب: بفتحتين وسكون العين المهملة: جبل بناحية المدينة، معجم البلدان ٢/ ١٥٤. ٧ حيث استشهد من المسلمين في أحد سبعون رجلًا، كما ثبت ذلك في البخاري وغيره، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٧٤ رقم (٤٠٧٨)، وانظر قبل ذلك رقم (٣٠٣٩، ٤٠٤٣)، والترمذي السنن ٥/ ٩٩٩ رقم (٣١٢٩)، ومسند أحمد من زوائد ابنه عبد الله ٣٥/ ١٥٣ رقم [٢١٢٣٠] الأرناؤوط، وتفسير النسائي رقم (٢٩٩)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٥٧ رقم (٢٩٣٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٨٩، وهو الصواب.
[ ١ / ٣٦١ ]
ضعف ذلك١، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢وآيات معها بعدها، ثم سمى موسى بن عقبة من قتل مع رسول الله ﷺ يوم أحد وذكر فيهم: اليمان٣ أبا حذيفة٤ واسمه حسيل بن جبير
_________________
(١) ١ حيث قتلوا سبعين وأسروا سبعين كما ثبت في البخاري ومسلم وغيرهما. انظر: الفتح ٧/ ٣٠٧ رقم (٣٩٨٦)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٦، واستدل الحافظ ابن حجر بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ قال: واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أُحد، وأن المراد بـ ﴿أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ يوم بدر ، الفتح ٧/ ٣٠٧. ٢ آل عمران آية (١٦٥) . ٣ اسمه: حسيل - بالتصغير ويقال بالتكبير - ابن جابر بن ربيعة بن فروة بن الحارث بن مازن بن عبس المعروف باليمان العبسي والد حذيفة، قتل يوم أحد، قتله المسلمون وهم يظنون أنه من المشركين. الإصابة ١/ ٣٣١. ٤ هو: حذيفة بن حُسيل بالتصغير ويقال بالتكبير، المشهور بابن اليمان العبسي، من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دمًا فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية، شهد حذيفة أحدًا والخندق وما بعدها وله في الخندق ذكر حسن، استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي بأربعين يومًا وذلك سنة ست وثلاثين. الإصابة ١/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ١ / ٣٦٢ ]
حليف لهم من بني عبس أصابه المسلمون زعموا في المعركة لا يدرون من أصابه، فتصدق حذيفة١ بدمه على من أصابه.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب قال عروة بن الزبير: أخطأ به المسلمون يومئذ فتوشقوه٢ بأسيافهم يحسبونه من العدو، وإن حذيفة ليقول أبي أبي فلم يفقهوا قوله حتى فرغوا منه، قال حذيفة: يغفر الله لكم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
قال: ووداه٣ رسول الله ﷺ وزاد حذيفة عنده خيرًا٤،
_________________
(١) ١ يشهد له ما أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام ٢/ ٨٨) عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد قال: "اختلفت سيوف المسلمين على اليمان والد حذيفة يوم أحد، ولا يعرفونه فقتلوه فأراد رسول الله أن يَدِيَه فتصدق بديته على المسلمين"، وقد عنعن ابن إسحاق في هذه الرواية، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ٤٦ - ٤٧، رقم [٢٣٦٣٩] الأرناؤوط. ٢ تواشقوه بأسيافهم: أي قطعوه وشائق كما يقطع اللحم إذا قدد. لسان العرب ٣/ ٩٣٢ (وَشَقَ) والنهاية ٥/ ١٨٩. ٣ وداه: أي أعطى ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية ٥/ ١٦٩. ٤ قصة مقتل والد حذيفة ذكرها البخاري في الصحيح (فتح الباري ٧/ ٣٦١) دون ذكر الدية، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٤٥، ومسند الشافعي (انظر: بدائع المنن في جمع مسند الشافعي والسنن رقم ١٤٦٣) من مرسل عروة، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٧٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٣٢، وفي معرفة السنن والآثار له ١٢/ ١٩٦ رقم (١١٤٤٠) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال: وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من قريش والأنصار تسعة وأربعون رجلًا١، وقتل من المشركين يوم أحد ستة عشر رجلًا٢.
_________________
(١) ١ هذا مخالف لما ثبت في البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٠٧ رقم ٣٩٨٦) من أن عدد القتلى يوم أحد سبعون، ٧/ ٣٧٤ رقم (٤٠٧٨)، و٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣)، وفي رواية أخرى للزهري توافق ما في الصحيح أنه قال: "فأصيب يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ مثل نصف عدة من أصيب ببدر من المشركين من القتلى والأسرى" دلائل البيهقي ٣/ ٢٧٨. ٢ وقد ذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ١٢٩) أن عدد من قتل من المشركين: اثنان وعشرون رجلًا وذكر أسماءهم، وذكر الواقدي في المغازي ١/ ٣٠٧؛ أن عددهم سبعة وعشرون رجلًا، وذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٤٢: ثلاثة وعشرون رجلًا.
[ ١ / ٣٦٤ ]