٨١- قال ابن إسحاق١: فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري: إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري٢، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة٣، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئًا تصنعه لنا؟
قال: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٢٣. والرواية حسنة إلى الزهري. ٢ في رواية عبد الرزاق أن النبي ﷺ أرسل إلى عيينة فقط. انظر: الرواية في التفسير، (١/ ٨٣) وستأتي. ٣ المراوضة: المجاذبة في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتبايعين من الزيادة والنقصان، وقيل هي المواصفة بالسلعة، وهو أن تصفها وتمدحها عنده. النهاية ٢/ ٢٧٦- ٢٧٧.
[ ١ / ٥١١ ]
العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم١ من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما،" فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرىً٢ أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ: " فأنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا"٣.
٨٢- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي ﷺ وأصحابه بضع عشرة ليلة، حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي ﷺ كما قال ابن المسيب: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" ٤.
فبينما هم على ذلك أرسل النبي ﷺ إلى عيينة بن حصن بن بدر:
_________________
(١) ١ كالبوكم: أي: اشتدوا عليكم. النهاية ٤/ ١٩٥، والقاموس (كلب) . ٢ قرى: الضيف - بالكسر والفتح والمدّ - القاموس، مادة (قرى) . ٣ الجهد: - بالضمّ - الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة. النهاية ١/٣٢٠، والمراد: أي ليجتهدوا وليبذلوا ما في وسعهم في تهديدنا، فلن نعطيهم شيئًا. ٤ تقدم أن هذا الدعاء ذكره الرسول ﷺ في بدر كما في البخاري وغيره. وقد تكرر منه ﷺ هذا الدعاء في أكثر من موضع.
[ ١ / ٥١٢ ]
"أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان، وتخذل بين الأحزاب؟ " فأرسل إليه عيينة: إن جعلتَ لي الشطر فعلتُ١، فأرسل النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقال: "إني أرسلت إلى عيينة، فعرضت عليه أن أجعل له ثلث ثمركم، ويرجع بمن معه من غطفان، ويخذل بين الأحزاب فأبى إلا الشطر"،
فقالا: يا رسول الله إن كنت أُمرتَ بشيء فامض لأمر الله.
قال: "لو كنت أُمرت بشيء ما استأمرتكما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما".
قالا: فإنا لا نرى أن تعطيهم إلا السيف.
قال ابن أبي نجيح: قالا: فوالله يا رسول الله، لقد كان يمرّ في الجاهلية يجرّ صرمه٢ في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها، أفلآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك٣؟
قال النبي ﷺ: "فنعم إذًا"٤.
_________________
(١) ١ في رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٢٢٣) أن الصلح كان على الثلث فقط. ٢ الصرمة: القطعة الخفيفة من الإبل. النهاية ٣/ ٦٢. ٣ إلى هنا أخرجها أبو عبيد في الأموال رقم (٤٤٥) عن الزهري مرسلًا، ومن طريق أبي عبيد أخرجها البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٤٥. ٤ تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٣، والمصنف ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) وقد وردت هذه الرواية في المصنف دون ذكر معمر والزهري، فلعلهما سقطا والله أعلم. وهي رواية صحيحة إلى الزهري. وانظر مغازي الواقدي ٢/ ٤٧٧، فقد ذكر هذه الرواية عن الزهري عن سعيد بن المسيب ولكن الواقدي متروك. وقضية المفاوضة بين الرسول ﷺ وبين غطفان بشأن إعطائهم بعض ثمار المدينة ويرجعوا عنه، انظرها في كشف الأستار ١/ ٣٣١- ٣٣٢، ومجمع الزوائد ٦/ ١٣٢، بإسنادين كلاهما حسن، وانظر: مغازي الواقدي ٢/ ٤٧٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٧٣ من طريق الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٢٠، وابن إسحاق كما مر، ودلائل البيهقي ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧.
[ ١ / ٥١٣ ]