٨٨- وأخرج الواقدي١ عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: وجد رسول الله ﷺ على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدًا٢ شديدًا فخرج في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسًا في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبردًا فمر على غرابات٣ ثم على بَيْن٤ حتى خرج على صخِرات الثمام٥، فلقي الطريق هناك، ثم أسرع حتى انتهى إلى بطن غُران٦ حيث كان مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئًا لكم الشهادة،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/ ٥٣٥- ٥٣٧. ٢ وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩): (أنه خرج إلى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع ) . ٣ غراب: جبل أسود غرب المدينة يمر به طريق الشام الرئيسي يسمى اليوم (حَبَشي) لأن لونه أسود بصفار كلون الحبش، يبعد حبشي سبعة أكيال عن المدينة. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٣. ٤ بَيْن: هي أرض على الضفة اليسرى لوادي مَلَلْ على (٤٥) كيلًا من المدينة جنوبًا يمين طريق السيارات اليوم. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤. ٥ هكذا عند الواقدي (صخيرات الثمام) وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩) صخيرات اليمامة. وقد كانت محطة على طريق مكة من المدينة على قرابة (٥٠) كيلًا من المدينة، وقبل السيالة بثلاثة أكيال فقط. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤. ٦ غُران: على وزن غراب. وادٍ فحل بين أَمَج وعسفان، وأمج يعرف اليوم بخليص وعسفان يبعد (٨٠) كيلًا من مكة. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤ و٢٠٨.
[ ١ / ٥٣٦ ]
فسمعت به لحيان فهربوا رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: (إن قريشًا قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان وهم يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة١ فوارس)، فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم٢، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ولم يلق أحدًا فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا يبلغ قريشًا فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم"، وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم، فبلغ قريشًا أن رسول الله ﷺ قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص خبيبًا، وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا: قد بلغ محمد ضَجنان٣ يريدكم، فقال خبيب: وهَل؟ قالت: نعم، قال خبيب: يفعل الله ما يشاء، قالت: والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك،
_________________
(١) ١ عند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٨٠): ثم بعث فارسين. ٢ الغميم: قال البلادي (معجم المعالم الجغرافية ٢٦٣): "قلت: هي نعف من حرة ضجنان، تقع جنوب عسفان بستة عشر كيلًا، على الجادة إلى مكة"، أي على (٦٤) كيلًا من مكة على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم، ذلك أنها برقاء في تكوينها. ٣ ضجنان: هي حرة شمال مكة، يمر الطريق بنصفها الغربي على مسافة (٥٤) كيلًا على طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية. معجم المعالم الجغرافية ١٨٣.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ويقولون: أترى محمدًا غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام؟ وكان مأسورًا عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله ﷺ، فانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو يقول:" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم بلِّغنا بلاغًا صالحًا يبلغ إلى خير، مغفرة منه ورضوانًا"١ وغاب رسول الله ﷺ عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم٢. وهذا
_________________
(١) ١ لم أعثر على هذا النص في كتب الحديث، ولكن قد ثبت عند البخاري حديث رقم (٢٢٩٥) ومسلم حديث رقم (١٣٤٤) من حديث ابن عمر "أن رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو أو حج يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ويقول: " آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". وأخرج ابن حبان في صحيحه حديث رقم (٢٧١٢) من حديث البراء: "كان النبي ﷺ إذا رجع من سفر قال: (آيبون تائبون لربنا حامدون". وأخرج أحمد ٤/ ١٥٦ رقم [٢٣١١] أرناؤوط وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٥٨- ٣٥٩ و١٢/ ٥١٧)، والبيهقي في السنن ٥/ ٢٥٠ من حديث ابن عباس وفيه: "فإذا أراد الرجوع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا ساجدون، فإذا دخل بيته قال: توبًا توبًا لربنا أوبًا لا يغادر علينا حوبًا". ٢ وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩) خرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، وعند ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٨) بدون إسناد: أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.
[ ١ / ٥٣٨ ]
أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم١.
_________________
(١) ١ وهذه الرواية ضعيفة لورودها من طريق الواقدي. وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩- ٢٨٠) بسند مرسل، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرجها ابن سعد ٢/ ٧٩ عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق عنده بالتحديث، لكن لم يذكر ابن سعد في سنده (عبد الله بن كعب) .
[ ١ / ٥٣٩ ]