الشبهة الأولى: في مخالطته الملوك من بني أمية:
ذكر بعض علماء الزيدية١ أن مخالطة الزهري لسلاطين بني أمية يعد موالاة لهم وإعانة لهم، وهذا قدح وجرح في شخصية الزهري٢، وأنه ما وقف معهم إلا ليعينهم على المظالم على العموم٣.
وقد تولى العلامة ابن الوزير٤ في كتابه (العواصم والقواصم) الرد على هذه التهمة بكلام طويل أذكر منه ما يفي بالمقصود، قال ﵀: "والأمر في الزهري قريب والإشكال فيه سهل، لكن القدح الذي قدح به السيد على الزهري يقتضي القدح في كثير من العلماء والفضلاء، ممن خالط الملوك فإن التاركين لذلك من العلماء هم الأقلون عددًا، وإذا طالعت كتب التواريخ لم تكد تجد أحدًا من العلماء إلا وله علاقة بالسلاطين أو مخالطة لهم أو وفادة عليهم أو قبول لعطاياهم، فمنهم المقل
_________________
(١) ١ هو: علي بن محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين الهادي، ت٨٣٧هـ، البدر الطالع ١/٤٨٥،وهو من شيوخ ابن الوزير. ٢ العواصم والقواصم ٨/١٨٧. ٣ العواصم والقواصم ٨/٢٢٠. ٤ اسمه: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، ت ٨٤٠هـ، البدر الطالع ٢/٨١، والضوء اللامع ٦/٢٧٢، وفهرس الفهارس ٢/١٠٢٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
ومنهم المكثر"١.
ثم قال: "وأما من خالط الملوك أو كاتبهم أو قبل عطاياهم فهو السواد الأعظم من المتقدمين والمتأخرين من الصحابة والتابعين، وأنا أذكر منهم عيونًا حسب ما حضرني. ثم ذكر ﵀ نماذج من ذلك منها:
١- مخالطة يوسف ﵇ لعزيز مصر٢.
٢- أن الحسن بن علي - ﵁ - كان يكاتب معاوية ويدخل عليه، ويأخذ منه العطايا٣.
٣- ذكر أيضًا مخالطة الشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن لهارون الرشيد٤.
قلت: وأما قوله: إنه إنما وقف معهم ليعينهم على المظالم على العموم، فغير مسلم لوجهين:
الوجه الأول: أنه كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، فقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره قال: أنا معمر عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال: الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب، قلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة
_________________
(١) ١ العواصم والقواصم ٨/١٨٧-١٨٨. ٢ العواصم والقواصم ٨/٢٠٧. ٣ العواصم والقواصم ٨/٢٠٧. ٤ العواصم والقواصم ٨/٢١١.
[ ١ / ١٣٥ ]
بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمعوا عائشة تقول: الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي١.
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري قال: "كنت عند الوليد بن عبد الملك فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، قال: نزلت في علي بن أبي طالب، قال الزهري: أصلح الله الأمير، ليس كذا أخبرني عروة عن عائشة ﵂، قالت: وكيف أخبرك؟ قال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق ٢/٥١-٥٢، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن شبه في تاريخ المدينة ١/٢٣٧، والفسوي في المعرفة ١/٣٩٣، وأخرج البخاري من طريق معمر عن الزهري قال: "قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة ﵂ قالت لهما: "كان علي مسلمًا في شأنها، فراجعوه فلم يرجع ". قال الحافظ: "فيه قوله: فراجعوه فلم يرجع" المراجعة في ذلك وقعت مع هشام بن يوسف فيما أحسب، وذلك أن عبد الرزاق رواه عن معمر فخالفه فرواه بلفظ (مسيئًا) كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين، وزعم الكرماني أن المراجعة وقعت في ذلك عند الزهري، قال: وقوله: "فلم يرجع" أي لم يجب بغير ذلك، قال: "ويحتمل أن يكون المراد: فلم يرجع الزهري إلى الوليد " الفتح (٧/٤٣٧) . ٢ الآية رقم (١١) من سورة النور.
[ ١ / ١٣٦ ]
أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق"١.
قال الحافظ ابن حجر: "وكأن بعض من لا خير فيه من الناصبة، تقرب إلى بني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحتها حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك، فجزاه الله تعالى خيرًا"٢.
الوجه الثاني: قدح الزهري في الوليد بن يزيد، بسبب إسرافه في المعاصي.
فقد أخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي الزناد قال: "كان الزهري يقدح أبدًا عند هشام بن عبد الملك في خلع الوليد بن يزيد ويعيبه، ويذكر أمورًا عظيمة لا ينطق بها، حتى يذكر الصبيان أنهم يخضبون بالحناء، ويقول هشام: لا يحل لك إلا خلعه"٣.
فيتضح مما سبق أن قولهم: إنما وقف الزهري مع بني أمية ليعينهم على المظالم على العموم لا دليل عليه، فقد دلت تلك النصوص المتقدم ذكرها على أن ابن شهاب الزهري ﵀ كان لا يداهن في قول الحق أبدًا وقد شهد له بذلك كبار أئمة الإسلام.
_________________
(١) ١ الحلية لأبي نعيم ٣/٣٦٩. ٢ فتح الباري ٧/٤٣٧. ٣ الطبقات الكبرى، القسم المتمم (١٨٣) تحقيق: زياد منصور، وفي سندها الواقدي وهو متروك، لكن تشهد لها رواية الطبري في تاريخه ٧/٢٥٣، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال الإمام الأوزاعي: "ما أدهن ابن شهاب لملك قط دخل عليه، ولا أدركت خلافة هشام أحدًا من التابعين أفقه منه"١ فلا يصدق تلك التهمة إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق الأبلج.
وذكر الحافظ ابن حجر أنه قد ورد عند ابن مردويه من وجه آخر عن الزهري قال: "كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي، وهو يقرأ سورة النور مستلقيًا فلما بلغ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾، جلس ثم قال: يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ قال: فقلت في نفسي: ماذا أقول؟ لئن قلت: لا لقد خشيت أن ألقى منه شرًا، ولئن قلت: نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرًا، قلت: لا، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: فمن فمن؟ حتى ردد ذلك مرارًا، وقلت: لكنه عبد الله بن أبي٢.
وقد كان هشام بن عبد الملك يعتقد معتقد الوليد، فقد ذكر ابن حجر أن يعقوب بن شيبة أخرج في مسنده عن الحسن بن علي الحلواني عن الشافعي قال: حدثنا عمي قال: "دخل سليمان بن يسار على
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ١/٦٣٩، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٥٠) وتاريخ دمشق رقم (٢٦٤) ترجمة الزهري. ٢ فتح الباري ٧/٤٣٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت، هو علي، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أبي، قال: كذبت هو علي، فقال أنا أكذب لا أبا لك، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبيد الله، وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي١.
الشبهة الثانية: وضعه لحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ".
هذه الفرية ذكرها اليعقوبي فقال: "ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضجّ الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام الذي هو فرض من الله علينا؟ فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس"٢، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ الفتح ٧/٤٧٣، وقد أخرج هذه الرواية ابن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الزهري رقم (٢٦٦)، والسيوطي في الدر المنثور ٦/١٥٧. ٢ سيأتي تخريجه بعد قليل.
[ ١ / ١٣٩ ]
وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبةً، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية"١.
والرد على هذه التهمة من وجوه:
١- أن هذه الحكاية ساقطةٌ مردودةٌ حسب قواعد النقل والعقل، فهي من حيث الإسناد لا أصل لها، ومن حيث المتن هي منكرةٌ مخالفة للواقع التاريخي، وذلك:
أن هذه الحكاية تذكر أن عبد الملك منع الناس الذهاب للحج، ذلك لأن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا للبيعة، فيكون ذلك بين عام ٦٥ و٧٣هـ، لأن ابن الزبير قتل سنة ٧٣هـ٢.
والزهري إنما قدم على عبد الملك سنه ٨٢هـ٣، فكيف يعقل أن يكون الزهري وضع لعبد الملك بن مروان هذا الحديث وقد تبين أنه لم يلقه بعد!!
_________________
(١) ١ تاريخ البيعقوبي ٢/٢٦١. ٢ سير أعلام النبلاء ٣/٣٧٩. ٣ المعرفة والتاريخ ٣/٣٣٣، وتاريخ دمشق رقم (٢) و(١٠) من ترجمة الزهري، وأما وفوده على مروان بن الحكم فلا يصح، انظر: تاريخ دمشق رقم (١٠) .
[ ١ / ١٤٠ ]
٢- أن حديث "لا تشد الرحال"١ قد رواه الزهري عن شيوخِه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب (ت٩٤هـ)، وعروة بن الزبير (ت٩٧ وقيل قبلها)، فهل يعقل أن يسكت هؤلاء دون أن ينكروا على الزهري ذلك وهم الغيورون على السنة، فسكوتهم مشاركة على وضعه.
٣- لو كان الأمر كذلك لعُدَّ قادحًا في علماءِ الحديثِ حفاظِ السنةِ وناقليها، والذابين عنها، في ذلك العصر وبعده حيث لم يتنبهوا ولم ينبهوا على ذلك، فعلم أن ذلك كذبٌ لا أصل له.
٤- أن الحديث المذكور له متابعاتٌ كثيرة للزهري. وله شواهد أخرى أيضًا عن غير أبي هريرة٢.
فظهر إذًا أن دعوى الوضع باطلة.
الشبهة الثالثة: اتهامه بالنصب٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه الحميدي رقم (٩٤٣)، وابن أبي شيبة (٤/٦٥)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩١٥٨)، وأحمد في المسند ١٢/١٩١ رقم (٧٢٤٩)، أرناؤوط والبخاري رقم (١١٨٩)، ومسلم رقم (١٣٩٧)، والترمذي (٢/١٢٤)، وابن ماجه رقم (١/٤٥٢) كلهم عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به. ٢ قد ورد هذا الحديث من غير طريق الزهري عن أبي هريرة، وثبت عن عدة من الصحابة، منهم: أبو بصرة الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو الجعد الضمري، وعلي. ولذا حكم عليه الشيخ الألباني بأنه متواتر. انظر إرواء الغليل (٣/٢٢٦) رقم (٧٧٣) . ٣ أهل النصب الذين ناصبوا عليًا ﵁ أي أظهروا له العداء وفسقوه، أساس البلاغة للزمخشري ٩٦٠، وفي القاموس: أهل النصب: المتدينون ببغض علي ﵁، لأنهم نصبوا له أي عادوه: نصب.
[ ١ / ١٤١ ]
فقد اتهم الشيعة الزهري بذلك زورًا وبهتانًا.
ويُلحظ أن هذه التهم الثلاث كلها صادرة من الشيعة.
قال الطوسي: "محمد بن شهاب الزهري عدو"١.
وقال ابن أبي الحديد: "وكان الزهري من المنحرفين عنه ﵇" - يعني علي بن أبي طالب -٢.
وهذه التهم مردودة من وجوه:
الأول: أن موقف الزهري من الوليد بن عبد الملك في قصة من تولى كبر الإفك دليل على حبه لعلي ﵁.
الثاني: أن مذهبه في علي ﵁ هو مذهب أهل السنة من السلف الصالح حيث يقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - كما سيأتي في مبحث عقيدته.
الثالث: أن الزهري قد روى عن جماعة كبيرة من آل البيت منهم: كثير بن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله والحسن ابنا محمد بن علي بن أبي طالب، وزين العابدين بن علي بن الحسن وزيد بن علي بن الحسن٣، وأبو
_________________
(١) ١ رجال الطوسي ١٠١. ٢ شرح نهج البلاغة ٤/١٠٢، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ٣ تهذيب الكمال ٢٦/٤٢٠-٤٢٧.
[ ١ / ١٤٢ ]
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الباقر١.
الرابع: أنه قد أثنى على علي بن الحسين فقال فيه: "ما رأيت هاشميًا أفضل من علي بن الحسين"٢.
وقال عنه: "كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته، وأفقههم، وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان بن الحكم وابنه عبد الملك٣.
وقال: "لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين٤.
بل قيل: إن من أصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي٥.
فكيف يعقل أن يكون ناصبيًا، وآل البيت عنده بهذه المنزلة، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال ٢٦/١٣٦. ٢ المعرفة والتاريخ ١/٥٤٤، وتاريخ أبي زرعة رقم (١٤٧٧) والجرح والتعديل ٦/١٧٨ رقم (٩٧٧) . ٣ الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٢١٥، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٧٣) . ٤ الجرح والتعديل ٦/١٧٨ رقم الترجمة (٩٧٧) . ٥ تاريخ دمشق رقم (١٣٠) وجامع الأصول ١/١٥٤، وانظر هامش (١) من نفس الصفحة حول كلام العلماء الذي نقله أحمد شاكر ﵀ في أصح الأسانيد.
[ ١ / ١٤٣ ]