٨٥- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ قال أخبرنا إسماعيل٣ بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي٤ قال: حدثنا إبراهيم٥ ابن المنذر قال: حدثنا محمد٦ بن فليح عن موسى٧ بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين٨ بن الفضل القطان، واللفظ له قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب٩ قال: حدثنا القاسم١٠ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا أبو١١ أويس قال: حدثنا إسماعيل١٢ بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وقال رسول الله ﷺ حين سألوه أن يحكم فيهم رجلًا، اختاروا من شئتم من أصحابي،
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي ٤/ ١٩- ٢٢. ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٣ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٤ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٥ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] . ٦ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] . ٧ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٨ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ٩ ثقة، تقدم. ١٠ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١١ صدوق، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٥٠] .
[ ١ / ٥٢٤ ]
فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك رسول الله ﷺ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله بسلاحهم فجعل في قبته١، وأُمِر بهم فكُتِّفوا٢، وأوثقوا، وجُعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فأقبل على حمار أعرابي٣، يزعمون أن وطأة برذعته٤ من ليف٥، واتَّبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه ويعظِّم حق بني قريظة، ويذكر حلفهم، والذي أبلوه في يوم بعاث، ويقول: اختاروك على من سواك من قومك رجاء رحمتك وعطفك، وتحننك عليهم، فاستَبْقِهم، فإنهم لك جمال وعدد، قال: فأكثر ذلك الرجل ولا يرجع إليه سعد شيئًا حتى دنوا فقال الرجل: ألا ترجع إليّ فيما أكلمك فيه؟
قال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم، ففارقه الرجل فأتى قومه، فقالوا: ما وراءك، فأخبرهم أنه غير مستبقيهم، وأخبرهم بالذي كلمه به والذي رجع سعد إليه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم،
_________________
(١) ١ القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية ٤/ ٣. ٢ المكتوف: هو الذي شدت يداه من خلفه. النهاية ٤/ ١٥٠. ٣ أعرابي: أي أَنَّ الحمار المذكور ليس ملكًا له، وإنما أسلفوه، وهو من العربان. النهاية ٣/ ٢٠٢، أو أن يكون معناه أنه منسوب إلى العرب. النهاية ٣/ ٢٠٣. ٤ البرذعة: الحلس الذي يلقى تحت الرجل، والجمع: براذع، وخص بعضهم به الحمار، اللسان (برذع) ٥ الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة، وليفت الفسيلة غلظت. اللسان (ليف) .
[ ١ / ٥٢٥ ]
وتسبى ذراريهم ونساؤهم وتقسم أموالهم١، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال لسعدٍ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل".
فقتل رسول الله ﷺ مقاتلتهم، وكانوا زعموا ستمائة٢ مقاتل، قتلوا عند دار أبي جهل٣ التي بالبلاط٤، ولم تكن يومئذ بلاط، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت٥ التي كانت بالسوق، وسبى نساءهم
_________________
(١) ١ وقد أخرج البلاذري من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري، هل كانت لبني قريظة أرض؟ فقال: سديدًا قسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين على السهام، فتوح البلدان ٣٥، ومعنى سديدًا: أي عيونًا لأن السُدُد بالضم: العيون التي لا يبصر بها، كما في القاموس: (سدد) ٢ ذكر ابن إسحاق بدون إسناد أن عدتهم ست مائة أو سبع مائة، ثم قال: والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مائة، ابن هشام ٢/ ٢٤١، وفي مسند أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر: أن عدتهم كانوا أربعمائة، المسند ٢٣/ ١٩٠ رقم [١٤٧٧٣] أرناؤوط، وسنده حسن كما قال العمري في السيرة الصحيحة ١/ ٣١٦. وقال الحافظ ابن حجر: وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، الفتح ٧/ ٤١٤ رقم (٤١٢٢) . ٣ ذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٤٠- ٢٤١): أن رسول الله ﷺ خرج بهم إلى سوق المدينة فحفر لهم خنادق ثم ضرب أعناقهم في تلك الخنادق. ٤ البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، وهو موضع معروف بالمدينة. النهاية ١/ ١٥٢. ٥ أحجار الزيت: موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، معجم البلدان ١/ ١٠٩، وهذا المكان يقع اليوم في الجهة الغربية من المسجد النبوي الشريف قرب مسجد الغمامة الذي بناه العثمانيون. انظر: الدر الثمين ٢٣٧.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وذراريهم وقسم أموالهم بين من حضر من المسلمين، وكانت جميع الخيل التي كانت للمسلمين ستًا وثلاثين١ فرسًا، فقسم لها لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له رسول الله ﷺ: "هل أخزاك الله؟ "
قال له: لقد ظهرت عليّ، وما ألوم نفسي في جهادك والشدة عليك، فأمر به فضربت عنقه، وكل ذلك بعين سعد بن معاذ وكان عمرو ابن سعد اليهودي في الأسرى، فلما قدموا إليه ليقتلوه فقدوه، فقال: أين عمرو، قالوا: والله ما نراه، وإن هذه لرمته التي كان فيها فما ندري كيف انفلت، فقال رسول الله: "أفلتنا بما علم الله في نفسه"٢.
وأقبل ثابت بن قيس بن شَمَّاس٣ أخو بني الحارث بن الخزرج إلى
_________________
(١) ١ وكذلك ذكر ابن سعد في الطبقات ٣/ ٧٤، وابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/ ١٠٤. ٢ قصة نجاة عمرو بن سعد من القتل، ذكرها أبو عبيد في الأموال رقم (٣٠١) من طريق الليث بن سعد عن عُقيل عن ابن شهاب وفيها فقتل منهم يومئذ كذا وكذا رجلًا، إلا عمرو بن سعد - أو ابن سعدى - قال رسول الله ﷺ: "إنه كان يأمر بالوفاء وينهى عن الغدر فلذلك نجا"، أما ابن إسحاق فقد ذكر هذه القصة بدون إسناد وفيها: أنه ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. ابن هشام ٢/ ٢٣٨. ٣ هو: ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار. الإصابة ١/ ١٩٥.
[ ١ / ٥٢٧ ]
رسول الله ﷺ فقال: هب لي الزبير١ وامرأته، فوهبهما، فرجع ثابت إلى الزبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ وكان الزبير يومئذ كبير أعمى، قال: هل ينكر الرجل أخاه؟
قال ثابت: أردت أجزيك اليوم بتلك٢، قال: افعل فإن الكريم يجزي الكريم، قال: قد فعلت، قد سألتك رسول الله فوهبك لي، فأطلق عنك الأسار، قال الزبير: ليس لي قائد وقد أخذتم امرأتي وبني، فرجع ثابت إلى رسول الله ﷺ فسأله ذرية الزبير وامرأته فوهبهما له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك الرسول ﷺ امرأتك وبنيك.
قال الزبير: فحائط لي فيه أغدق٣ ليس لي ولأهلي عيش إلا به، فرجع ثابت إلى رسول الله ﷺ فسأله حائط الزبير فوهبه له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك رسول الله ﷺ أهلك ومالك فأسلم تسلم،
_________________
(١) ١ ذكر الزبير وقصته مع ثابت بن قيس، ذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا، (ابن هشام ٢/ ٢٤٢)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في التاريخ ٢/ ٥٨٩، وأخرج هذه الرواية أيضًا أبو عبيد في الأموال ص ١١١ رقم (٣٠١) ومن طريقه أخرجها ابن زنجويه في كتابه الأموال ١/ ٢٩٩ رقم (٤٦١) . ٢ قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قيس بن شماس كما ذكر لي ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت في الجاهلية في يوم بعاث فأخذه وجز ناصيته ثم خلَّى سبيله، ابن هشام ٢/ ٢٤٣، فأراد ثابت رصي الله عنه رد تلك الصنيعة للزبير. ٣ الغدق: محركة: الماء الكثير. القاموس ١١٨٠ مادة (غدق) .
[ ١ / ٥٢٨ ]
قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالًا من قومه بأسمائهم، فقال ثابت: قد قتلوا وفرغ منهم، ولعل الله أن يهديك وأن يكون أبقاك لخير. قال الزبير: أسألك بالله وبيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم فما في العيش خير بعدهم.
فذكر ذلك ثابت لرسول الله ﷺ فأمر بالزبير فقتل، فلما قضى الله عزوجل قضاءه من بني قريظة ورفع الله عن المؤمنين بلاء تلك المواطن نزل القرآن يعرف الله فيه المؤمنين نعمة الله ﵎ التي أنعم عليهم بها حين أرسل على عدوهم الريح وجنودًا لم تروها على الجنود التي جاءتهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ويظنون بالله الظنونا حين نزل البلاء والشدة بأحاديث المنافقين، فإنه قالت طائفة منهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ووقعت طائفة منهم يفرقون عن نصر الله ورسوله ويدعون إخوانهم ويأمرون بترك رسول الله ﷺ.
وذكر حدة ألسنتهم وضعفهم عن البأس، ثم ذكر المسلمين وتصديقهم عند البلاء، وذكر أن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيْلًا،﴾ ١ ثم ذكر أنه ردّ ﴿رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢، ثم ذكر بني قريظة ومظاهرتهم عدو
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية (٢٣) . ٢ سورة الأحزاب آية (٢٥) .
[ ١ / ٥٢٩ ]
الله ورسوله فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ١ وما سلّط المسلمون عليهم من قتلهم وسبائهم وما أورثهم من أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرًا، وأنزل في القرآن قرآنًا إذا قرأته عرفته تسعًا وعشرين آية فاتحتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢.
٨٦ - قال البيهقي٣: أخبرنا أبو عبد الله٤ الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن الزهري قال:
_________________
(١) ١ جزء من آية (٢٦) من الأحزاب. والصياصي: الحصون. انظر: تفسير الطبري ٢١/ ٩٥. وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٧٨. ٢ الأحزاب آية (٩) . ٣ دلائل النبوة ٤/ ١١- ١٤. والرواية حسنة إلى الزهري لكنها مرسلة. ٤ سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية المتقدمة رقم [٨٦] .
[ ١ / ٥٣٠ ]
فبينما رسول الله ﷺ فيما يزعمون في المغتسل يرجل١ رأسه قد رجَّل أحد شقيه، أتاه جبريل ﵇ على فرس عليه لأمته، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك، أقد وضعت السلاح؟
قال: نعم، قال جبريل: لكن نحن لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم، فقد هزمهم الله، ويقولون: إن على وجه جبريل ﵇ لأثر الغبار، فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد لهم بمن معي من الملائكة صلوات الله عليهم لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس، فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم: مر عليكم فارس الآن؟ فقالوا: مر علينا دحية الكلبي على فرس أبيض، تحته نمط٢ أو قطيفة٣ من ديباج٤ عليه اللأمة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال: ذاك جبريل، وكان رسول الله ﷺ يشبه دحية الكلبي بجبريل ﵇، فقال: الحقوني - يعني قريظة -، فصلوا فيهم العصر، فقام ومن شاء الله عزوجل منهم فانطلقوا إلى بني قريظة، فحانت العصر وهم في الطريق، فذكروا
_________________
(١) ١ الترجل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية ٢/ ٢٠٣. ٢ نمط: ضرب من السبط له خمل رقيق، واحدها: نمط. النهاية ٥/ ١١٩. ٣ القطيفة: كساء له خمل. النهاية ٤/ ٨٤. ٤ تقدم شرحها.
[ ١ / ٥٣١ ]
الصلاة، فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة، وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم، وأخرت طائفة منهم الصلاة، حتى صلوها ببني قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجّل منهم الصلاة ومن أخّرها، فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنّف أحدًا من الطائفتين، قال: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رصي الله عنه رسول الله ﷺ مقبلًا تلقاه، وقال: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود، وكان عليّ سمع منهم قولًا سيئًا لرسول الله ﷺ وأزواجه، فكره علي أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: لِمَ تأمرني بالرجوع؟!
فكتمه ما سمع. فقال: أظنك سمعت بي منهم أذى؟ فامض، فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئًا مما سمعت.
فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم وكانوا أعلاه، نادى بأعلى صوته نفرًا من أشرافها حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله.
فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ الله عزوجل حيي بن أخطب الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاء للأنصار، فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: قد أذنت لك. فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، ماذا ترى؟ وما تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال.
[ ١ / ٥٣٢ ]
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمَرَّ عليه أصابعه يريهم، إنما يراد بكم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أُحدث لله عزوجل توبةً نصوحًا يعلمها الله عزوجل من نفسي. فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جذعٍ من جذوع المسجد، فزعموا أنه ارتبط قريبًا من عشرين ليلةً١.
فقال رسول الله ﷺ كما ذكر حين راث٢ عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله قد والله انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك.
فقال رسول الله ﷺ: قد حدث لأبي لبابة أمرٌ، ما كان عليه؟
فأقبل رجلٌ من عند المسجد فقال: يا رسول الله، قد رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد.
فقال رسول الله ﷺ: لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له، فإذا فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء.
_________________
(١) ١ قد ربط أبو لبابة نفسه مرة أخرى بعد غزوة تبوك عندما تخلف عنها وكانت في ليال شديدة الحرارة كما أخرج البيهقي في الدلائل من طريق شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وذكر حديث أبي لبابة بن عبد المنذر وفيه: (ففزع أبو لبابة فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ سبعًا بين يوم وليلة في حر شديد ) . دلائل النبوة للبيهقي ٥/ ٢٧٠. وذكر ابن هشام بدون إسناد (٢/ ٢٣٨) أنه مكث مرتبطًا بالجذع ست ليال. ٢ راث: أي أبطأ. القاموس المحيط ٢١٨.
[ ١ / ٥٣٣ ]
٨٧- قال البيهقي١: ثنا أبو سعيد محمد٢ بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو محمد أحمد٣ بن عبد الله المزني قال: أخبرنا علي٤ بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان٥ قال: أخبرني شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة، فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا لبابة: أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك فقال له: لم تر عيني.
فقال رسول الله ﷺ: أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حينًا ورسول الله ﷺ عاتب عليه، ثم غزا رسول الله ﷺ تبوكًا وهي غزوة العسرة، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ منها جاءه أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ سبعًا٦ بين يومٍ وليلة في حرٍّ شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرةً، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٥/ ٢٧٠. ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٤] . ٣ تقدم في الرواية رقم [٤] . ٤ تقدم في الرواية رقم [٤] . ٥ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٤] . ٦ وانظر: نفسير الطبري ٩/ ١٤٦ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ الآية.
[ ١ / ٥٣٤ ]
الله عليّ، فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه، فنودي أن الله تعالى قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فجاءه رسول الله ﷺ فأطلق عنه بيده١، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع٢ من مالي صدقة إلى الله عزوجل ورسوله ﷺ.
فقال ﷺ: "يجزئ عنك الثلث". فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن رسول الله ﷺ، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرًا حتى فارق الدنيا٣.
_________________
(١) ١ أخرج نحو هذه الرواية الواقدي في المغازي ٢/ ٥٠٨ من طريق الزهري مرسلًا. ٢ أختلع: أي أخرج. النهاية ٢/ ٦٥. ٣ وقد أخرج هذه الرواية الواقدي في المغازي ٢/ ٥٠٩ و٢/ ٥٠٨، ٥٠٩، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري ٩/ ١٤٦، فقد أخرج من طريق معمر عن الزهري هذه الرواية مختصرة. وانظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٠. وقد أخرج ابن جرير الطبري رواية البيهقي من طريق معمر، عن الزهري، إلا أنه ذكر فيها أن سبب ربط أبي لبابة وتوبته إنما كانت بسبب تخلفه عن غزوة تبوك، ولم تذكر الرواية شيئًا عن بني قريظة. انظر: تفسير الطبري ٥/ ١١ ط شاكر. وهذه الرواية التي أخرجها البيهقي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أقوى من رواية ابن جرير الطبري التي أخرجها عن الزهري، لأن مراسيل سعيد أقوى من مراسيل الزهري. ويمكن الجمع بين الروايتين: بأن تخلفه عن غزوة تبوك ضاعف من ذنبه، فأدى به ذلك إلى المبادرة بالتوبة النصوح من الذنبين معًا. والله أعلم.
[ ١ / ٥٣٥ ]