٨٤- قال الزهري١ في حديثه عن ابن المسيب: فبينا هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعًا لهما، فقال: إني كنت عند عيينة وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم٢، قال النبي ﷺ: فلعلنا أمرناهم بذلك، وكان نعيم رجلًا لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبي ﷺ فجاءه عمر، فقال: يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فامضه، وإن كان رأيًا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال، فقال النبي ﷺ: "عليّ الرجل ردوه"، فردوه فقال: "انظر
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/٣٦٨، رقم (٩٧٣٧)، هذه الرواية علقها عبد الرزاق عن الزهري فهي ضعيفة، لكن يشهد لبعض ما جاء فيها ما أخرجه البخاري ومسلم كما سيأتي. ٢ بيضتهم: أي مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، بيضة الدار: وسطها ومعظمها. النهاية ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٥١٨ ]
الذي ذكرنا لك، فلا تذكره لأحد" فإنما أغراه، فانطلق حتى أتى عيينة وأبا سفيان، فقال: هل سمعتم من محمد يقول قولًا إلا كان حقًا؟
قالا: لا، قال: فإني لما ذكرت له شأن قريظة، قال: فلعلنا أمرناهم بذلك، قال: أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكرًا، فأرسل إلى بني قريظة، أنكم قد أمرتمونا أن نكتب وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئًا١، فقال أبو سفيان: إنكم في مكر من بني قريظة، فارتحلوا، وأرسل الله عليهم الريح وقذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم وقطعت أرسان٢ خيولهم، وانطلقوا منهزمين من غير قتال، قال: فذلك حين يقول: ﴿وكفى اللهُ المؤمنين القِتَالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيْزًَا﴾ ٣.
قال: فندب النبي ﷺ أصحابه في طلبهم، فطلبوهم حتى بلغوا حمراء
_________________
(١) ١ السبت: الراحة والسكون، أو أصله من القطع ترك الأعمال، وسَبَتَتْ اليهود تسبت إذا أقاموا عمل يوم السبت، وقيل: سمي يوم السبت، لأن الله خلق العالم في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، وانقطع العمل فسمي اليوم السابع يوم السبت. النهاية ٢/ ٣٣١. ٢ أرسان: جمع رَسَن وهو الحبل الذي يقاد به البعير وغيره، يقال: رسنت الدابة وأرسنتها، النهاية ٢/ ٢٢٤. ٣ سورة الأحزاب، آية (٢٥) .
[ ١ / ٥١٩ ]
الأسد، قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي ﷺ لأمته١، واغتسل واستجمر٢، فنادى النبي ﷺ جبريل: عذيرك٣ من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة؟ ولم نضعها نحن بعد، فقام النبي ﷺ فزعًا؛ فقال لأصحابه: "عزمت عليكم ألا تصلوا العصر٤ حتى تأتوا بني قريظة"، فغربت الشمس قبل أن يأتوها، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي ﷺ لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلوا، وقالت طائفة: إنا لفي عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من بأس، فصلت طائفة إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفة إيمانًا واحتسابًا، قال: فلم يعنف النبي ﷺ واحدًا من الفريقين٥، وخرج النبي ﷺ
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بها في غزوة أحد. ٢ استجمر: بالجمر، إذا تبخر بالعود. اللسان (جمر) . وانظر ما يشهد لذلك في صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧. ٣ عذيرك: هو فعيل. بمعنى فاعل: أي هات من يعذرك فيه. النهاية ٣/ ١٩٧. ٤ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه. الفتح ٧/ ٤٠٧ رقم (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) إلا أنه ذكر الظهر بدلًا من العصر، وقد نقل ابن حجر جمع بعض العلماء بين الروايتين أي الرواية التي تذكر العصر والأخرى التي تذكر الظهر، والتي ذكرها مسلم في صحيحه فقال: "وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها، لا يصلين أحد العصر. الفتح ٧/ ٤٠٩. ٥ يشهد له ما رواه البخاري ومسلم. انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧- ٤٠٨ رقم (٤١١٩) ومسلم رقم (١٧٧٠) .
[ ١ / ٥٢٠ ]
فمر بمجالس بينه١ وبين بني قريظة، فقال: "هل مر بكم من أحد؟ "
فقالوا: نعم، مر علينا دحية الكلبي٢ على بغلة شهباء٣ تحته قطيفة٤ ديباج٥، فقال النبي ﷺ: "ليس ذلك ولكنه جبريل، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب"، فحاصرهم أصحاب النبي ﷺ، فلما انتهى أصحاب النبي ﷺ أمرهم أن يستروه بِحُجُفِهم٦ ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا، فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير"، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشًا٧، فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا
_________________
(١) ١ هذه المجالس مجالس بني (غَنْم) . انظر: الرواية رقم [٨٦] ص ٤٠٨، وانظر: البخاري رقم (٤١١٨) . ٢ هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج الكلبي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل أحد، ولم يشهد بدرًا، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل ﵇ ينزل على صورته، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة ١/ ٤٧٣- ٤٧٤. ٣ شهباء: الشهب: بياض بصدغه سواد. القاموس، مادة (شهب) . ٤ القطيفة: كساء له خَمْل ، القاموس، مادة (قطف) . ٥ الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم. فارسي معرب. النهاية ٢/ ٩٧. ٦ الحجف: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب، واحدتها حجفة. القاموس، مادة (حجف) . ٧ الفحش: القول القبيح. القاموس، مادة (فحش) .
[ ١ / ٥٢١ ]
أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ فنزلوا على داء١، فأقبلوا بهم وسعد ابن معاذ أسيرًا٢ على أتان٣، حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ مستأمرًا ينتظره فيما يريد أن يحكم به فيجيب به رسول الله ﷺ، يريد أن يقول: انفر بما أنا حاكم وطفق رسول الله ﷺ يقول: بقول نعم، قال سعد: فإني أحكم بأن يقتل مقاتلتهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ: "أصاب الحكم"٤، قال: وكان حيي بن أخطب استجاش٥ المشركين على رسول الله ﷺ فجاء لبني قريظة، فاستفتح عليهم ليلًا فقال سيدهم٦: إن هذا رجل مشؤوم فلا يشأمنكم حيي، فناداهم يا بني قريظة ألا تستجيبون؟ ألا تلحقوني؟ ألا تضيفوني؟ فإني جامع مغرور.
فقالت بنو قريظة: والله لنفتحن له فلم يزالوا حتى فتحوا له، فلما دخل عليهم أُطُمَهم٧ قال: يا بني قريظة: جئتكم
_________________
(١) ١ هكا في المطبوع من المصنف. ٢ أسيرًا: أي مُعْتَلًاّ. القاموس (أسر) . ٣ الأتان: أنثى الحمير. النهاية ١/ ٢١. ٤ يشهد له ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رصي الله عنه وفيه: ( فقال: تُقْتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك) . البخاري مع الفتح ٧/ ٤١١ رقم ٤١٢١، ومسلم رقم (١٧٦٨) . ٥ استجاش: أي طلب لهم الجيش وجمعه عليهم. لسان العرب (جيش) . ٦ هو: كعب بن أسد. كما في رواية البيهقي الماضية. الدلائل ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧. ٧ الأطم: بالضم؛ الأبنية المرتفعة كالحصون. النهاية ١/ ٥٤.
[ ١ / ٥٢٢ ]
في عز الدهر، جئتكم في عارض برد لا يقوم لسبيله شيء، فقال له سيدهم: أتعدنا عارضًا بردًا؟ ينكشف عنا وتدعنا عند بحر دائم لا يفارقنا، إنما تعدنا الغرور، قال: فواثقهم وعاهدهم لئن انفضت جموع الأحزاب أن يجيء حتى يدخل معهم أطمهم، فأطاعوه بالغدر بالنبي ﷺ والمسلمين، فلما فض الله جموع الأحزاب انطلق حتى إذا كان بالروحاء١ ذكر العهد والميثاق الذي أعطاهم، فرجع حتى دخل معهم فلما أقبلت بنو قريظة أتى به مكتوفًا بِقَدٍّ٢، فقال حيي للنبي ﷺ: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، فأمر به النبي ﷺ فضربت عنقه٣.
_________________
(١) ١ الروحاء: - بفتح الراء وسكون الواو والحاء المهملة -: اسم موضع من أعمال الفُرُع وتبعد عن المدينة (٧٥) كيلًا. معجم المعالم الجغرافية ١٤٣ و١٦٤. ٢ القد: قطعة من الجلد. اللسان ٣/ ٢٨، مادة (قدد) . ٣ وانظر: تفسير عبد الرزاق ١/٨٤، وابن هشام ٢/ ٢٤١، ومغازي الواقدي ٢/ ٥١٦.
[ ١ / ٥٢٣ ]