يرى أحمد أمين أن المحدثين والعلماء لم يعتنوا بمتن الحديث عنايتهم بالسند (٣)، وأن بعض الأحاديث - وإن كانت صحيحة السند - فإن متنها يدل على الوضع إذا ما عرضت للتجربة أو على العقل أو الواقع، واستدل لذلك بأحاديث من صحيح البخاري مثل حديث "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" (٤)، وحديث "العجوة من الجنة وهي شفاء من السم" (٥) وتساءل أحمد أمين قائلًا: "فهل اتجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين؟، أو العجوة؟ وهل فيها ترياق؟ " (٦) .
ويبدو أن الأستاذ لم يطلع على ما كتبه شراح هذين الحديثين، حيث بين ابن حجر المحاولات المتكررة من العلماء والأطباء المسلمين منذ عصر الرسالة والعصور التي تلتها للكشف عن أثر الكمأة (٧) والعجوة (٨) في معالجة أمراض العين وتسمم الجسم، فقد ذكر تجربة أبي هريرة ﵁ للكمأة، فوجدها نافعة، كما أشار كل من ابن الجوزي وابن العربي إلى فائدتها الطبية
_________________
(١) فجر الإسلام ١/٢٤٩-٢٥٠.
(٢) ضحى الإسلام ٢/١٠٦-١٣٧.
(٣) فجر الإسلام ١/٢٦٧، وضحى الإسلام ٢/١٣٠.
(٤) البخاري: الصحيح كتاب الطب باب المن شفاء للعين.
(٥) ابن حجر: فتح الباري كتاب الطب باب المن شفاء للعين.
(٦) ضحى الإسلام ٢/١٣٠.
(٧) نبات من الفطريات ينمو داخل التربة بصورة طبيعية بدون غرس.
(٨) من أحسن تمور المدينة.
[ ٥٢ ]
وحدها أو بخلطها بمواد أخرى، وكما جربت في زمن النووي فكانت نافعة، وذكر ابن القيم اعتراف كبار قدامى الأطباء منهم المسبحي وابن سينا بفائدتها الطبية.
أما العجوة، فقد وجه العلماء الحديث توجيهًا خاصًا، فقال الخطابي: إن ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ لتمر المدينة، لا لخصيصة في التمر، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد نخلًا خاصًا بالمدينة لا يعرف الآن. وقال المازري: ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بزمن النبي ﷺ إذا لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زماننا. وذكر عياض أن هذه الصفة خاصة بعجوة المدينة لتأثير البيئة في النبات (١)، وهكذا فإن العلماء والأطباء حاولوا عبر أجيال مختلفة اختبار الأثر الطبي للكمأة والعجوة ولم يهملوا نقد المتن وتعريضه للاختبار العلمي وفق الوسائل العلمية الميسرة لهم في عصورهم، وقد احتاطوا في توجيه الحديث بحيث لو أثبت الطب الحديث عدم فائدة الكمأة كدواء للعين أو العجوة كدواء للسم لم يتعارض ذلك مع الحديث لما قيدوا به الحديث من تأثيرات البيئة والزمن، فكيف وقد أثبت الطب القيمة الغذائية للعجوة وإبادتها للديدان التي تفرز السموم في الجسم (٢) .
إن المحدثين عنوا بتمييز الحديث ونقده عنايتهم بالسند ونقده وإن كتب شروح الحديث طافحة بالنقد لمتون الحديث وبيان ما يقع فيها من شذوذ وعلل واضطراب وإدراج، وتكفي أي نظرة في فتح الباري لابن حجر لمعرفة
_________________
(١) انظر فتح الباري كتاب الطب باب ١٠/٢٣٩.
(٢) ابن حجر: فتح الباري كتاب الطب باب ١٠/١٦٤، والسباعي: السنة ومكانتها في التشريع ٢١٧-٢١٨.
[ ٥٣ ]
مدى اهتمام المحدثين بنقد متن الحديث، وأما الحكم عليهم بالتقصير في ذلك فليس صحيحًا بل هو وهم وقع فيه المستشرقون وتابعهم أحمد أمين والآخرون، ولعل سبب ذلك عدم الإحاطة بدقة بالنتاج الفكري الضخم في الحديث، وهو نتاج يصعب الإحاطة به وفحصه بدقة مما أدى إلى الحكم الظاهري على منهج المحدثين من خلال ملاحظة كمية الكتب المؤلفة في علم الرجال والمتعلقة بالأسانيد، وهي ظاهرة طبيعية في تاريخ الحركة الفكرية في الإسلام، بسبب الزيادة المطردة في إعداد رواة الحديث بتتابع الأجيال، وهي نتيجة طبيعية لاعتماد الرواية وطرق التحمل المعتبرة في نقل الأحاديث حتى بعد مرحلة التدوين الواسع في القرنين الثاني والثالث الهجريين، إذ استمرت طرق التحمل معتبرة حتى فترة متأخرة، فلما لاحظ المستشرقون غزارة الإنتاج في علم الرجال حكموا على المحدثين بالاتجاه إلى نقد السند وإهمال المتن، إذ لا يمكن بعد الفحص الدقيق لكتب شروح الحديث وكتب المصطلح التي حوت عناوين في المعلل والشاذ والمدرج أن ينتهي إلى هذه النتيجة (١)، فالضوابط التي وضعوها لنقد المتن لا تقل عن الضوابط التي وضعوها لنقد السند.
_________________
(١) انظر نماذج من نقد المتن في كتاب دفع شبهات عن الحديث والمحدثين للدكتور السيد أحمد رمضان المسير ٧٠٨ ومحمد لقمان السلفي: اهتمام المحدثين بنقد الحديث سندا ومتنا ومسفر عبد الله الدميني:مقاييس نقد متون السنة.
[ ٥٤ ]