أما المحاولات المعاصرة لتطوير منهج النقد عند المحدثين بإعمال العقل في أحاديث تتعلق بعالم الغيب، والطعن فيها بحجة أنها لا تتفق مع القواعد العقلية فإن ذلك يولد الشطط وينأى عن قواعد النظر الصحيح، فلا يمكن قياس عالم الغيب بعالمنا، ولا يمكن رد الروايات الصحيحة بحجة أنها لا توافق الحس، فالحس يعمل في دنيانا، والعقل مهيأ للتعامل مع عالمنا الأرضي، وأما بناء العقيدة فلا يمكن تحكيم العقل والحس فيه، وقد اتهم إسماعيل الكردي أبا هريرة ﵁ بالنقل عن كعب الأحبار عددًا كبيرًا من الأحاديث المتعلقة بالغيبيات معتقدًا أنها من الإسرائيليات التي يرويها كعب الأحبار نقلًا عن التوراة أو التراث اليهودي، مع أن أبا هريرة نفى أن يكون كعب الأحبار يحدث من التوراة أو أنه يروي عن غير رسول الله ﷺ (١) . وقد رد إسماعيل الكردي عددًا من أحاديث اتفق على إخراجها البخاري ومسلم مستندًا أحيانًا في توهينها على تفاصيل وردت في التوراة، بل أورد ما يفيد أنها منقولة من الإسرائيليات (٢) ولعل الشبهة وقعت بسبب التشابه في قصص التوراة والأحاديث، مع أن التشابه في القصص يسري على القرآن، فهل يعني ذلك أن القرآن أخذها من التوراة!!؟ أو أن التشابه يقع بسبب وحدة مصدر التلقي “ الوحي الإلهي) فيما لم يقع عليه التحريف من التوراة.
_________________
(١) راجع إسماعيل الكردي: نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث؛ دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الصحيحين ص٢٤٤.
(٢) المصدر السابق ص ١٩٤ – ١٩٧.
[ ٥٦ ]
ويلزم أن نحاكم التوراة على ضوء ما ورد في القرآن والحديث الصحيح وليس العكس.
وأحيانًا أخرى رد أحاديث تتعلق بأمور غيبية بعرضها على العقل وقوانينه وهو غير مؤهل للنفي والإثبات في هذا المجال. (١)
كما نقل إسماعيل الكردي (٢) عن أبي حنيفة قوله عن الصحابي الجليل أنس بن مالك أنه اختلط آخر عمره، ومصدره كتاب متأخر هو "مختصر المؤمل في الرد على الأمر الأول" لأبي شامة (ت٦٦٥هـ) (٣) . وليس في تراجم أنس ﵁، في كتب الرجال ما يشير إلى اختلاطه (٤) . بل ورد ما يفيد احتياطه في الرواية: "قيل له: ألا تحدثنا؟ قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي ﷺ قال: " من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٥) .
وقيل مرة لأنس: ألا تحدثنا؟ قال: يا بني من يُكثر يَهجر.
والكاتب مريب يخلط الحق بالباطل تمويهًا على القارئ وقد صرح بالثناء على محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية (٦) وأبدى إعجابه بمؤلف آخر هو صالح أبو بكر وكتابه "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث
_________________
(١) نحو تفعيل قاعدة نقد متن الحديث ص ١٧٦ – ٢٤١.
(٢) نحو تفعيل قاعدة نقد متن الحديث، ص٢٥٨.
(٣) أبو شامة، مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول، ص٦٢-٦٣.
(٤) راجع إسماعيل الكردي: مصدر سابق ص ٢٥٨، وانظر ترجمة أنس بن مالك في تهذيب الكمال للمزي.
(٥) الحديث في صحيح البخاري ١/٥٢.
(٦) أضواء على السنة المحمدية ص ١٧٤.
[ ٥٧ ]
الإسرائيلية وتطهير البخاري منها" (١) . ووصف أجوبة الأئمة: ابن خزيمة وعياض والمازري في تأويل مشكل حديث لطم موسى عين ملك الموت بأنها أجوبة متكلفة وسخيفة!!!
وهذه الدراسات التي قام بها أحمد أمين وأبو رية ثم أبو بكر صالح وإسماعيل كردي وسامر إسلامبولي كلها متأثرة بدراسة المستشرق المجري كولد تسيهر في كتابيه "دراسات إسلامية" و"العقيدة والشريعة". ولا يكادون يخرجون عن الإطار الذي رسمه، وتابعه فيه عدد من المستشرقين الآخرين أبرزهم جوزيف شاخت (٢) .
_________________
(١) المصدر السابق، ص ١٧٥
(٢) في كتابه:The Origins of Muhammadan Jurisprudence
[ ٥٨ ]