تناول القسم الأول من الكتاب دراسة لثلاثة وعشرين صحابيًا تميميًا يرى المؤلف أن سيف بن عمر التميمي الأخباري (ت١٧٠هـ) اختلقهم، وليس لهم وجود تاريخي حقيقي، وقد بين المؤلف أن دوافع سيف لذلك تتمثل في ثلاثة أمور:
الأول: تعصبه لقبيلة تميم التي ينتمي إليها، مما جَرَّهُ إلى اختلاق هذه الشخصيات التميمية ونسبته بطولات إليها وإيراد أراجيز الفخر والحماسة على لسانها ونسبة أمجاد الفتح الإسلامي إلى دورها، وهو بذلك يعطي قبيلة تميم دورًا ضخمًاَ خياليًا، وكان سيف متأثرًا بالعصبية القبلية التي اشتدت في العصر الذي عاش فيه.
الثاني: اتهام ابن حبان له بالزندقة، وبالتالي فهو يسهم مع الزنادقة في الاختلاق والكذب والدس لتشويه التاريخ الإسلامي وحجب الثقة عن جميع مروياته لما يسودها من اضطراب وتناقض.
_________________
(١) الطبعة الثانية، مطبعة دار التضامن، بغداد ١٩٦٩م.
[ ٤٨ ]
الثالث: أن سيف بن عمر ضعيف عند جهابذة المحدثين النقاد وأنه متهم بالكذب عند بعضهم، وبناء على ذلك قرر المؤلف أن كل خبر انفرد به يعدُّ موضوعًا.
وقد فطن المحدثون إلى ضعف سيف ونبهوا على ذلك. قال ابن حجر عن سيف: ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه (١)، وقال ابن عدي: ولسيف بن عمر غير ما ذكرت أحاديث، وبعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة ولم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق (٢)، وقال الخطيب البغدادي: وليس سيف بن عمر حجة فيما يرويه إذا خالف، ذلك قول أهل العلم (٣)، وقال عنه الذهبي: كان إخباريًا عارفًا (٤) .
مما سبق من الأقوال يلاحظ أن جهابذة النقاد المحدثين اعتبروا سيف ضعيفًا في الحديث، ولذلك لم تخرج له كتب الستة أحاديثه سوى حديث فرد أخرجه الترمذي (٥) وليس من شرطه في التخريج أن يكون الحديث صحيحًا.
إن ابن عدي نبه على تفرد سيف بن عمر بمعظم الروايات التي يرويها مشهورة وهذا يدل على أن ابن عدي ومن تقدمه من النقاد قارنوا بين روايات سيف وروايات الآخرين ونبهوا على تفرده بمعظمها، ووضعوا قاعدة لذلك وهي عدم الاحتجاج برواياته التي تخالف قول أهل العلم. ولكن ما
_________________
(١) تقريب التهذيب ١/٣٤٤ الطبعة الثانية، مطبعة دار التضامن، بغداد ١٩٦٩م.
(٢) ابن عدي، الكامل ٣/٦٣أ.
(٣) موضع أوهام الجمع والتفريق ١/٢٧٥-٢٧٦.
(٤) ميزان الاعتدال ٢/٢٥٥.
(٥) الخزرجي، خلاصة تهذيب الكمال ١٣٦.
[ ٤٩ ]
العمل مع رواياته التي انفرد بها والتي لا تخالف قول أهل العلم، إن الذهبي وابن حجر أوضحا غزارة معلومات سيف التاريخية، وقد يكون تفرده بأخبار التميميين يرجع إلى عنايته الخاصة برجال قبيلته واهتمامه بحصر أخبارهم، فاعتمد المؤرخون فيما يتعلق بهم على سيف بن عمر وفق قاعدتهم في التساهل في رواية الأخبار والتشدد في رواية الحديث، ومن ثم فإنهم لا يرون سيف بن عمر كذابًا وضاعًا كما يصوره المؤلف، ولكنه ليس بحجة إذا خالف أهل العلم. والواقع أننا لو عاملنا الروايات التاريخية بهذه الشدة فإن معظم المادة التاريخية تسقط وتقع فراغات واسعة في تاريخنا، لأن معظم الأخباريين الذين نقلوا إلينا المادة التاريخية لا يرقون إلى مستوى الثقات عند المحدثين، ولكن هذا لا يمنع من بيان فضل المؤلف في إيضاح ما أشار إليه المحدثون من تفرد سيف بمعظم مروياته.
لقد نبه المستشرقون على مبالغات سيف بن عمر في دور تميم، وجاءت دراسة المؤلف تدل على ذلك بنماذج واسعة، وأما اتهام سيف بالزندقة فلا دليل عليه سوى قول ابن حبان الذي وصفه ابن حجر بالفحش، لكن أبرز قضية اهتم بها المؤلف هي دور ابن سبأ في الفتنة، حيث يرى أن سيف بن عمر مختلق لهذه الشخصية، وقد بحث المسألة بإيجاز في هذا الكتاب لأنه أفرد لابن سبأ دراسة مستقلة تعتمد المنهج نفسه. وصحيح أن أوسع المعلومات عن ابن سبأ جاءت من طريق سيف، لكن المصادر أشارت إلى طرق أخرى تثبت وجود شخصية ابن سبأ تاريخيًا، وفي هذا المجال أشير إلى الكشي فقد ذكر بأسانيده إلى الأئمة علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي (ت٩٤هـ) ومحمد بن علي الباقر (ت١١٤هـ) وجعفر بن محمد الصادق (ت١٤٨هـ) –وكلهم متقدم على سيف بن عمر – روايات تثبت وجود شخصية عبد الله
[ ٥٠ ]
ابن سبأ تاريخيًا وتبين غلوه وادعاءه النبوة ونسبته الألوهية للإمام علي ﵁ وكذبه عليه (١) . لذلك لا يمكن عدّ شخصية ابن سبأ أسطورية، لكن هذا لا يمنع من وجود مبالغة في دوره، وشتان بين الأمرين.
وختامًا أقول أن معاملة الروايات التاريخية كالأحاديث النبوية، واشتراط المستوى نفسه من الصحة وعدالة الرواة وضبطهم يولد فجوات واسعة في تاريخنا إن لم يؤد بنا إلى الضياع، وليست تواريخ الأمم الأخرى مروية بالأسانيد ومعرفة الرواة ومع ذلك فهي تعتمد عليها في الدراسة التاريخية، وتلجأ إلى السبر والمقارنة بين متون الروايات فقط، وبوسعنا أن نقارب بين روايات الأخباريين جميعًا للوصول إلى ما هو أقرب إلى الواقع التاريخي بدل رفض المرويات جميعًا.
إن الصورة التي يعرضها سيف بن عمر عن الأحداث مغايرة تمامًا للصورة التي تعكسها روايات أبي مخنف مثلًا فإذا رفضنا مرويات سيف لأنه ضعيف في الحديث ولوجود المبالغة في رواياته ولتعصبه لتميم، ورفضنا مرويات أبي مخنف لتعاطفه مع العلويين ومرويات أبي معشر السندي لتضعيفه من قبل المحدثين فماذا يبقى من التاريخ؟ إن منهج السلف في التعامل المرن مع الروايات التاريخية هو الأجدى.
_________________
(١) الكشي: رجال الكشي ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠١.
[ ٥١ ]