الرد على مقولة أن الإسلام تعبير عن "اللاوعي" الجمعي العربي:
Arabic Collective Unconsciousness
مما يعني أنه انعكاس لثقافة مكتنزة في ضمير الأمة العربي، وتعبير عن آمالها وتطلعاتها في الوحدة والنهضة وتحقيق الذات.. وثمة من يذهب إلى أن الإسلام لم يأت بجديد، بل تبنى نظم الجاهلية في العبادة من حج وصوم وصدقة، وفي المعاملات من ديات وخُمس (أصله الربع من الغنائم يحوزه شيخ القبيلة) وشورى (تعود إلى ممارسات القبيلة في خيمة الشيخ) (١) ويتناسى
_________________
(١) راجع محاولات التشويه التي بذلها خليل عبد الكريم في مؤلفاته وخاصة: جذور الشريعة الإسلامية.
[ ٦١ ]
هؤلاء ما أحدثه الإسلام من نقلة هائلة في عالم العقيدة.. عن التشبيه والتمثيل والتعطيل. وحتى العبادات القديمة مثل الحج زمن إبراهيم (﵇)، الذي طرأ عليه تغيير وابتداع، فإن الإسلام أعاده إلى نقائه وأزال منه بدع الجاهلية وتحريفاتها التي ميزت قريشًا عن العرب وحققت لهم منافع اجتماعية واقتصادية واضحة مثل عدم الوقوف بعرفة بزعم أنهم أهل الحرم فلا يغادرون إلى الحل (عرفات) واحتكار بيع الثياب للحجاج بزعم أنهم الخمس، وأن ثياب الحجاج لا تصلح للطواف، وبإنكارهم أداء العمرة في موسم الحج حتى تتكرر مواسم التجارة، وإنكارهم التجارة في الحج (١)، وبحفاظهم على ٣٦٠ صنمًا حول الكعبة يمثلون القبائل، وبحفاظهم على صورة مريم وعيسى (﵇) وصورة إبراهيم يستقسم بالأزلام على جدران الكعبة، ويتناسون ما أحدثه الإسلام من ثورة على الاقتصاد الجاهلي القائم على الربا والاحتكار والميسر وما أحدثه من تغيير هائل في علاقات الرجال والنساء
والقصد من هذا التحريف والتشويه للحقيقة القول بأن الرسول ﷺ مصلح اجتماعي قاد العرب نحو الوحدة والنهضة معتمدًا على استلهام ذاكرتهم الجمعية مستوحيًا النظم المختلفة من تراث الجاهلية، فليس ثمة وحي يوحى وكتاب ينزل، بل كانت الأمة مهيأة للنهوض حال ظهور القائد وقد فعلت ضمن سنن الاجتماع وقوانين التاريخ العامة.
بيان أن القرآن رد على اتهام مشركي قريش للنبي ﷺ بأخذ العلم من مصادر أعجمية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
_________________
(١) السايس، تفسير آيات الأحكام، ١/١٤٧، وقد اشتهرت نسبة الكتاب للسايس، والصحيح أن الكتاب لمؤلفين ثلاثة وهم محمد العرفة، وعبد السلام العسكري، وأحمد حميدة، وأما السايس فأشرف على تنقيحه فقط، كما في طبعة سنة ١٩٣٣م.
[ ٦٢ ]
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] وقد بيّن الصحابي عبد الله بن مسلم الحضرمي أنه كان لهم صبيان عبدان يصقلان السيوف – يقرآن التوراة، هما يسار وخير، فمرّ بهما رسول الله ﷺ وهما يقرآن كتابًا لهما. فقال المشركون: "إنما يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية".
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: أن الغلامين كانا يقرآن بالعبرانية، وكانا صبيين، وأن صاحبهما أسلم، فهل كان ليسلم لو علم أن غلاميه مصدر القرآن؟
[ ٦٣ ]