من المعروف أن النقد الحديثي أثبت عدم صحة قصة الغرانيق التي تزعم أن النبي ﷺ في أعقاب هجرة الحبشة الأولى صلّى في المسجد الحرام فقرأ: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى مع آيات من سورة النجم وأن المشركين لما سجد سجدوا معه لأنه أثنى على آلهتهم.
وقد بين فوك Fueck أن بعض المستشرقين صدق القصة وبعضهم كذبها حسب الهوى، وأما واط فزعم أن القصة صحيحة لأنها في غاية الغرابة!! تؤدي بعض الأخبار التي يرويها سيف بن عمر عن عصر السيرة النبوية إلى تشويه واضح لأحكام شرعية ولسلوك بعض الصحابة رضوان الله عليهم: فعندما يذكر سيف بن عمر بأن النبي ﷺ عين معاذ بن جبل على اليمن في سنة ١٠هـ قبل حجة الوداع، وأنه أباح له أخذ الهدايا من الناس، ومن الواضح أن هذا مخالف لتعاليم النبي (١) ﷺ.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ١٣/١٦٧، أخرجه الترمذي من رواية قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال لا تصيبن شيئا بغير إذني فإنه غلول، وابن الأثير، أسد الغابة ٤/٣٧٢، وانظر: موسى شاهين لاشين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم ١/٩٤، وعبد الحميد محمود طهماز، معاذ بن جبل، ص٥١. مع أن تحريم أخذ الولاة والمصدقين للهدايا واضح في الأحاديث الصحيحة ابن حجر، فتح الباري ١٣/١٦٧.
[ ٦٣ ]
في الوقت الذي تذكر كتب الحديث بوضوح محو النبي ﷺ لكل الصور داخل الكعبة المشرفة، فإن كتاب (أخبار مكة) للأزرقي يذكر أن النبي ﷺ وضع يده على صورة عيسى وأمه وأمر بمسح الصور الأخرى مما يخل بالموقف الشرعي من التصوير وبخاصة تصوير الأنبياء ومع وجود ذلك في مكان شريف للعبادة (١) .
ومن ذلك بلاغ للزهري يشير إلى أن النبي ﷺ همّ أن يتردى من الجبال لما أصابه من اضطراب عند مفاجأة الوحي الأولى له في غار حراء. والزهري إمام كبير، لكن الرواية تبقى ضعيفة حسب قواعد المحدثين لأنه تابعي صغير ولم يذكر سند الرواية.
_________________
(١) الأزرقي، أخبار مكة، ١/١٦٧، ١٦٨، والذهبي، السيرة النبوية، ط القدسي ص٣٦، وجواد علي، المفصل في تاريخ العرب ٦٧٢،٦٠٧.
[ ٦٤ ]