لا بد من الإشارة إلى شروط قبول الرواية عند المحدثين، سواء المتقدمون منهم أو المتأخرون، قبل البدء في تقرير منهج نقد مرويات السيرة والتأريخ، وأهم هذه العناصر سنأخذها من كتابات المتقدمين من المحدثين قبل إفراد علوم الحديث بالتدوين، وإنما اخترت هؤلاء الأئمة المتقدمين، ذاكرًا شروطهم في
[ ٧ ]
الرواية المقبولة، لتأكيد أمر مهم وهو: معرفة المحدثين – في ذلك الزمان المتقدم، الذي دوّن فيه كتَّابُ التأريخ والسير كتبَهم - لشروط الرواية المقبولة، التي تثبت بها الحجة، وأن هذه الشروط ليست من صنيع المتأخرين من المحدثين – بعد عصر التدوين- الذين جاؤوا بعد أن دوّن كتَّابُ التأريخ والسير كتُبهم ومصنفاتهم، بل كانوا جميعًا – المحدثون وكتاب التأريخ والسير- في عصر واحد بل وبلد واحد، وهؤلاء وأولئك رحلوا، وطلبوا العلم، وسأل كل طائفة منهم الشيوخ المعروفين بحمل العلم عن بغيتهم ومرادهم، كما سألوا بعض الناس عن المواقع والمشاهد، والقبائل والأشخاص، ودونوا ما أخذوه منهم في مصنفاتهم، فلماذا اختلفت شروطهم ومناهجهم؟ هذا ما سأحاول الإجابة عنه في هذا البحث.
إذا علمنا أن أبا عبد الله الحاكم يعد من أول المصنفين في علوم الحديث، فسنبحر قبله بقرنين من الزمان – تقريبًا- ونبدأ بالإمام الشافعي (ت:٢٠٤هـ) الذي يعد كتابه الرسالة جامعًا بين علوم شتى، من الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، حيث يقول في كتابه (الرسالة):"ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، [أ] وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع - لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث - حافظًا إذا حدّث به من حفظه، حافظًا لكتابه إذا حدّث من كتابه، إذا شَرِكَ أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بريئًا من أن يكون مدلسًا - يحدث عن من لقي ما
[ ٨ ]
لم يسمع منه - ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبتٌ لمن حدّثه، ومثبت على من حدّث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت " وقال أيضًا:" ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه وأهل الحديث متباينون: فمنهم المعروف بعلم الحديث - بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوي الرحم والصديق وطول مجالسة أهل التنازع فيه - ومن كان هكذا كان مقدمًا بالحفظ، إن خالفه من يقصر عنه كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له، وإذا اختلفت الرواية استدللنا على المحفوظ منها والغلط بهذا ووجوه سواه، تدل على الصدق والحفظ والغلط، قد بيناها في غير هذا الموضع وأسأل الله التوفيق (١) .
وينقل الخطيب البغدادي في (الكفاية في علم الرواية) عن الحميدي أبي بكر عبد الله بن الزبير، شيخ البخاري (ت: ٢١٩ هـ) أنه قال: فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله ﷺ، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا، حدثنيه ثقةٌ معروفٌ عن رجلٍ جهلتُه،
_________________
(١) الرسالة للشافعي ص ٣٧٠ – ٣٧٢.
[ ٩ ]
وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه، حتى يصل إلى النبي ﷺ.
كما نقل - في الكفاية- أيضًا عن محمد بن يحيى الذهلي (ت:٢٥٨هـ) شيخ البخاري أنه كان يقول: "ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل، غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح، وقال أيضًا: لا يكتب الخبر عن النبي ﷺ حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي ﷺ بهذه الصفة ولا يكون فيهم رجل مجهول ولا رجل مجروح فإذا ثبت الخبر عن النبي ﷺ بهذه الصفة وجب قبوله والعمل به وترك مخالفته (١) .
كما نقل (ص ٢٠) عن قتادة (ت: ١١٧هـ) قال: لا يحمل هذا الحديث عن صالح عن طالح، ولا عن طالح عن صالح، حتى يكون صالح عن صالح.
وعن أحمد بن يزيد بن هارون قال: إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله ﷺ، عن جبرائيل، وجبرائيل عن الله ﷿ (٢) .
وهذه النقولات عن الأئمة المتقدمين في شروط الخبر الصحيح تدل على أنهم بدؤوا قديمًا جدًا في تقرير مناهجهم في نقد الأخبار، ومعرفة صحيحها من سقيمها.
ولو تأملنا كلام الشافعي المتقدم لتبين لنا أنه يشترط للخبر الذي تقوم به
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص ٢٤.
(٢) المرجع السابق.
[ ١٠ ]
الحجة شروطًا عدة، هي: عدالة الراوي في دينه، وهو ما عبر عنه بقوله: أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به.
ضبطه لما يرويه، سواء في صدره أو في كتابه، حيث قال: حافظًا إذا حدّث به من حفظه، حافظًا لكتابه إذا حدّث من كتابه، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.
اتصال الإسناد: حيث قال: ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبتٌ لمن حدّثه، ومثبتٌ على من حدّث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت.
كما أشار إلى شروط أخرى متعلقة بما تقدم، منها: عدم مخالفة من هو أولى منه، والسلامة من التدليس، والانقطاع، والجهالة.
وقد اشترط كل من الحميدي والذهلي في الحديث المقبول من الشروط نحوًا مما اشترط الشافعي، حيث اشترطا فيه: اتصال الإسناد، وثقة الراوي، مع السلامة من الجرح والجهالة.
وهنا نعلم أن أهم شروط الحديث الصحيح عند المحدثين هي:
عدالة الراوي، وضبطه لحديثه.
اتصال الإسناد بين الراوي وبين من يروي عنه.
[ ١١ ]
عدم مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.
هذه مجمل شروط الرواية عند المحدثين، فما شروط كتاب السير والتأريخ في مروياتهم؟
إن الناظر في مؤلفاتهم – المخصوصة بالسيرة - لا يرى لديهم شروطًا خاصة بهم، بل يراهم متساهلين في كثير من مروياتهم، فلا يشترطون العدالة، فتراهم يروون عن شيوخ مجاهيل لا يعرفون، وكذا الضبط؛ فلا تراهم يردون خبرًا لأن راويه لا يضبط حديثه، وأخيرًا اتصال الإسناد فلم أرهم يولونه الاهتمام اللائق، فالأخبار المرسلة والمعضلة والتي لا إسناد لها كثيرة في مروياتهم، وهذا يعني أنهم لا يشترطون فيها ما يشترطه عموم المحدثين في مروياتهم.
[ ١٢ ]