من فضل الله تعالى على هذه الأمة، أن قيَّض لها من يحفظ لها دينها وسنة نبيها محمدًا ﷺ؛ ذلك أن الأمم السابقة لم تكن لها عناية بنقل الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله السابقين، ولا بنقل أقوال وأفعال المرسلين إليها، بل إن كثيرًا من علماء تلك الأمم هم الذين غيروا وبدلوا كتبهم، وحرفوا دينهم، فعوضًا عن قيامهم بحفظ الدين – وهم الأمناء عليه - ونَقْلِهِ بأمانةٍ وصدقٍ إلى عموم الخلق، بدّلوه وحرّفوه، واشتروا به ثمنًا قليلًا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] وقال: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:٩] .
وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ عبد اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ أَحْدَثُ الاخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَؤونَهُ لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ وَلا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ (١) .
_________________
(١) صحيح البخاري ٣/١٦٣.
[ ٢ ]
ويقول ابن حزم: "ما نقله الثقة عن الثقة كذلك حتى يبلغ إلى النبي ﷺ، يخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره، ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين، والعدالة، والزمان والمكان - على أن أكثر ما جاء هذا المجيء فإنه منقول نقل الكواف، إما إلى رسول الله ﷺ من طرق جماعة من الصحابة ﵃، وإما إلى الصاحب، وإما إلى التابع، وإما إلى إمام أخذ عن التابع يعرف ذلك من كان من أهل المعرفة بهذا الشأن والحمد لله رب العالمين - وهذا نقل خصّ الله تعالى به المسملين دون سائر أهل الملل كلها" انتهى (١) .
أما أمة الإسلام فقد تكفل الله تعالى بحفظ كتابها قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، كما أن بيان ذلك الكتاب – وهو السنة – محفوظ بحفظ الله تعالى لكتابه، فلا يتصور أن يكون الكتاب محفوظًا، وبيانه غير محفوظ، ومن هنا قيض الله تعالى للسنة النبوية جهابذة حفاظًا أمناء، نقلوها إلينا غضة طرية كما خرجت من في رسول الله ﷺ؛ ذلك أن هذه الأمة –أمة الإسلام- هي الأمة القائمة بأمر الله تعالى إلى أن تقوم الساعة، ورسالة محمد ﷺ هي الرسالة الخاتمة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ولا بد للقائم بأمرٍ أن يكون أهلًا له – من حيث
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٢/٦٨.
[ ٣ ]
القوة والقدرة، والصدق والأمانة- قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وأن يكون مقتنعًا بما لديه من حجة وبرهان، واثقًا به، وبعد ذلك يمكنه أن يقيم الحجة على خصمه، وهذه المؤهلات لا تملكها أمة من الأمم السابقة، بل هي مما خص الله به هذه الأمة.
ومن هذا الباب بيان الرسول ﷺ لأمته أهمية الصدق، والتحري فيما يُنْقَلُ عنه، وإخباره بأنه سَيُكذَبُ عليه، مما نبّه المسلمين عمومًا والصحابة خصوصًا لضرورة التروي في النقل عنه، وتحري أحوال الرواة نَقَلَةِ الأخبار عنه، أخرج مسلمٌ وأحمدُ عن أبي هريرة قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لا يُضِلُّونَكُمْ وَلا يَفْتِنُونَكُمْ" (١) .
وقد عَدّ المحدثون حديث: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" أكثر الأحاديث رواية عنه ﷺ بإطلاق، فلا يبلغ حديثٌ مبلغَه من الصحة، ولا كثرة عدد رواته من الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا يعني أن أكثر الصحابة قد بلغهم خطرُ الكذب عليه، ولذا نجد عددًا منهم يتردد في الرواية عنه، خوفًا من الوقوع في الكذب عليه من حيث لا يدري، ولذلك أقلوا الرواية عنه جدًا، وخشي آخرون أن يوقعهم الخطأ - عند رواية حديثه - في وعيد من كذب عليه، فترى أحدهم يعقب روايته لحديثه بقوله " أو كما قال، أو نحو ذلك.- ذلك أن العرب تطلق على الخطأ لفظ الكذب-
_________________
(١) صحيح مسلم ١/١٢، ومسند أحمد حديث رقم ٨٢٤١ (بترقيم صخر) .
[ ٤ ]
وربما أصابت آخرين رعدةٌ وخوفٌ عند روايتهم لحديثه (١)، أخرج البخاري ومسلم واللفظ له عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"، وأخرج البخاري عن عبد اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنه قَالَ لأبيه اِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" (٢) .
ومن هنا بدأت عناية السلف الأول بالسنة النبوية، حفظًا في الكتب والصدور، وروايتها لمن بعدهم بالإسناد المتصل، بنقل الثقة عن الثقة، مع نقدهم لأسانيدها ومتونها، وتحريهم عن أحوال رواتها، ودلائل هذه العناية ثابتة، ونتائجها معروفة، فقد أرسوا قواعد نقد النصوص، حتى شهد لهم العدو قبل الصديق، ويمكننا أن نجتزئ شيئًا يسيرًا من عملهم في هذا المجال، أخرج مسلم في مقدمة صحيحه عَنْ طَاوُسٍ قَالَ جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ - فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ فَقَالَ لَهُ – بشير - مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُول، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ (٣) .
_________________
(١) انظر الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٢٠٤-٢٠٦.
(٢) صحيح البخاري ١/٣٥، ومقدمة صحيح مسلم ١/١٠.
(٣) مقدمة صحيح مسلم ١/١٢-١٣.
[ ٥ ]
كما أخرج عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي؟ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تَسْمَعُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلاَّ ما نَعْرِفُ (١) .
فهذا ابن عباس صاحب رسول الله ﷺ يبدأ نقد المنقول عن رسول الله ﷺ، فيناقش بشيرًا العدوي هذا فيما يرويه، ويراجعه فيه، وبُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ هذا ليس دجالًا وكذابًا، بل هو أحد القراء الزهاد العباد، [وقد وثقه النسائي وغيره، له ترجمة في سير أعلام النبلاء] (٢) .
ونَقْدُ ابنِ عباس لما سمعه من بشير العدوي موجه إلى ما يرويه له عن رسول الله ﷺ – أعني إلى النص المروي لا إلى الراوي– ولا شك أن ابن عباس يعرفه جيدًا ولو أنه اتهمه، أو اتهم من روى عنه لذكر ذلك، وانظر إلى خبره الآخر الذي أخرجه مسلم أيضًا في مقدمة صحيحه: عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إلاَّ
_________________
(١) المرجع السابق ١ / ١٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ٤ / ٥٣١.
[ ٦ ]
أَنْ يَكُونَ ضَلَّ (١) .
وعَنْ طَاوُسٍ قَالَ أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁، فَمَحَاهُ إلاَّ قَدْرَ -وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِذِرَاعِهِ- (٢) .
فقوله:" وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ " نقدٌ مبنيٌ على نكارة ما نقل عنه، وأنه لو كان صحيحًا أنه قضى به لكان ضالًا، ولمّا امتنع عليه الضلال – فهو إمام هدى – فالنقل عنه غلطٌ وخطأ مردود، قال النووي في تعليقه عليه: ومعناه:" ما يقضي بهذا إلا ضال، ولا يقضي به علي ﵁ إلا أن يُعرفَ أنه ضل، وقد عُلِمَ أنه لم يَضل فيُعلم أنه لم يقض به" (٣) .
وصنيع ابن عباس المتقدم، وما أثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها من نقد لعدد من المرويات، وكذا غيرهما من الصحابة كان أخذًا بتحذير رسول الله ﷺ من تلك الروايات الباطلة.
_________________
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/١٣.
(٢) المرجع السابق.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١/١١٨.
[ ٧ ]