ورد في حديث أبي قتادة عند البخاري وغيره إشارة إلى أن النبي ﷺ أرسل بعض أصحابه إلى جهة غيقة، ولم أر أحدًا من أهل المغازي أو غيرهم تعرض لهذه الحادثة بقليل أو كثير اللهم إلا إلماحة سريعة من ابن حجر حيث قال: "وحاصل القصة أن النبي ﷺ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء١ - وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا - أخبره بأن عدوًا من المشركين بوادي غيقة٢ يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهر طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرهم، فلما أمنوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابه بالنبي ﷺ فأحرموا إلا هو فاستمر حلالًا"٣ ا. هـ
ذكر ابن حجر أن هذا ملخص القصة، لكنه لم يشر إلى المصدر الذي استفادها منه ولم أجد إلى الآن شيئًا عن هذه الحادثة سوى ما ذكر، ولعله ورد عنها تفصيل أكثر في رواية المطلب عند سعيد بن منصور، فقد ذكر ابن حجر طرفًا منها حيث قال: "وبين المطلب مكان صرفهم ولفظه": "خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا بلغنا الروحاء"٤ ا. هـ
_________________
(١) ١ الروحاء - بفتح الراء المهملة وسكون الواو ثم حاء مهملة ممدودة -: محطة في صدر وادي الصفراء على طريق مكة من المدينة على (٧٣كيلًا) مشهورة «ببئر الروحاء» . نسب حرب: ٣٦١. ٢ غيقة: هو بفتح الغين المعجمة بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء - قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: هو قليب لبني ثعلب يصب فيه ماء رضوى وهو يصب في البحر. فتح الباري ٤/٢٣. ٣ فتح الباري ٤/٢٣. ٤ فتح الباري ٤/٢٣. وقد فتشت عن سنن سعيد بن منصور فوقفت على جزأين منها ولم أجد فيها رواية المطلب هذه، ثم قيل لي إن سائر الكتاب مفقود، فنسأل الله أن يأتي به إنه على كل شيء قدير.
[ ٦٤ ]
وقد جاءت الإشارة إلى هذه القصة - كما أسلفت في بعض طرق حديث أبي قتادة من رواية ابن عبد الله عنه وهي:
(أ) طريق يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة: يشير فيه إلى وصول خبر العدو إلى النبي ﷺ.
(٣٨) قال البخاري: حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة قال: "انطلق أبي عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم يحرم، وحدث النبي ﷺ أن عدوًا من المشركين يغزوه، فانطلق النبي ﷺ فبينما أنا مع أصحابه يضحك بعضهم إلى بعض، فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت١ عليه فطعنته فأثبته٢ واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا من لحمه وخشينا أن نقتطع٣، فطلبت النبي ﷺ أرفع٤ فرسي شأوًا٥ وأسير شأوًا فلقيت رجلًا من بني غفار في جوف الليل فقلت أين تركت النبي ﷺ فقال: تركته بتعهن٦ وهو قائل٧ السقيا٨، فقلت يا رسول الله إن أهلك يقرأون ﵇ ورحمة الله، وإنهم قد خشوا أن يقتطعوا دونك فانتظرهم، قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضله فقال: "للقوم كلوا وهم محرمون"٩.
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا بصورة الإرسال لأن عبد الله بن أبي قتادة لم يشهد القصة١٠.
ومن هذا الوجه أخرجه مسلم١١ وأحمد١٢ وزادا تسمية الموضع الذي فيه
_________________
(١) ١ حملت عليه: الحملة الكرة في الحرب، وحملت عليه أي كررت عليه. ترتيب القاموس ١/٧١٢. ٢ أثثبته: أي حبسته وجعلته ثابتًا مكانه لا يفارقه. النهاية ١/٢٠٥. ٣ نقتطع أي نؤخذ وينفرد بنا. النهاية ٤/٨٢. ٤ أرفع فرسي: أي أسرع به، يُقال: ارفع دابتك أي: أسرع بها. النهاية ٢/٢٤٤. ٥ شأوًا: الشأو الشوط والمدى. النهاية ٢/٤٣٧. ٦ بتعهن: بكسر أوله وهائه وتسكين العين وآخره نون - اسم عين ماء سمي به موضع على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة. وقد روى فيه تعهن بفتح أوله وكسر هائه - وبضم أوله. معجم البلدان ٢/٣٥. ٧ قائل السقيا: أي سيقيل بالسقيا. فتح الباري ٤/ ٢٥. ٨ السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلًا. معجم البلدان ٢/٣٥. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢١. ١٠ فتح الباري ٤/٢٣. ١١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٩. ١٢ المسند ٥/٣٠١.
[ ٦٥ ]
العدو فعندهما: "وحدث رسول الله ﷺ أن عدوًا بغيقة ".
وأخرجه مسلم١ أيضًا من طريق عبد العزيز بن رفيع عن عبد الله بن أبي قتادة بصورة الإرسال.
وقد أخرجه البخاري من طرق أخرى وفيها تصريح عبد الله بسماعه من أبيه:
فأخرجه من طريق علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به يقول فيه: "أن أباه حدثه" وأشار فيه إلى موضع العدو وإرسال النبي ﷺ لبعض أصحابه إليهم.
(٣٩) قال: حدثنا سعيد بن الربيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى ابن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال: "انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئناه بعدو بغيقة فتوجهنا نحوهم فبصر أصحابي بحمار وحش فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته فحملت عليه "٢ الحديث بنحوه.
وأخرجه من طريق عثمان بن موهب وأشار فيه إلى الطريق الذي سلكوه إلى العدو:
قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان بن موهب قال: أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ خرج حاجًا فخرجوا معه فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا ٣ أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانًا٤ فنزلوا فأكلوا من لحمها، وقالوا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان، فلما أتوا رسول الله ﷺ قالوا: "يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانًا فنزلنا فأكلنا من لحمها ثم قلنا: أنأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها، قال: منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٤. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٢. ٣ إما على أن (إلا) بمعنى (لكن) وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، وإما على مذهب من يقول: علي بن أبو طالب. فتح الباري ٤/٢٩ - ٣٠. ٤ الأتان: الأنثى من الحمر. النهاية ١/ ٢١.
[ ٦٦ ]
فكلوا ما بقي من لحمها"١.
وأخرجه مسلم٢ والبيهقي٣ من طريق عثمان بن موهب به بنحوه، وعند البيهقي: "حاجًا أو معتمرًا".
وأخرجه النسائي٤ من طريق عثمان أيضًا إلا أنه لم يشر إلى ذهابهم من طريق الساحل.
هذه بعض طرق حديث أبي قتادة التي تطرقت لقصة غيقة، وهي طرق لرواية عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، وقد جاءت أيضًا رواية لعبد الله من طريق أبي حازم، وروى الحديث عن أبي قتادة أيضًا غير عبد الله لكن لم يرد في شيء منها ذكره لقصة غيقة، لكن لا بأس من الإشارة إلى تخريجها لأنها تعرضت لقصة أبي قتادة بمعنى الروايات السابقة.
١ - فطريق أبي حازم لرواية عبد الله بن أبي قتادة أخرجها البخاري من طريق فضيل٥ بن سليمان، وفليح٦ بن سليمان، ومحمد٧ بن جعفر كلهم عن أبي حازم به.
وأخرجه مسلم٨ من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم به.
٢ - رواية نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة:
أخرجها: البخاري٩، ومسلم١٠، وأبو داود١١، والنسائي١٢، والترمذي١٣، كلهم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب جزاء الصيد: ١٨٢٤. ٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٠ - ٦١. ٣ السنن الكبرى ٥/١٨٩. ٤ سنن النسائي ٥/١٨٦. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٨٥٤. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٦. ٧ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الأطعمة: ٥٤٠٧. ٨ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٣. ٩ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الجهاد: ٢٩١٤. وكتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٠. ١٠ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٧. ١١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب المناسك: ١٨٥٢. ١٢ سنن النسائي ٥/١٨٢. ١٣ سنن الترمذي، كتاب الحج: ٨٤٧.
[ ٦٧ ]
من طريق مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن نافع عن أبي قتادة.
وأخرجها البخاري من طريق عمرو١ بن الحارث عن أبي النضر عن نافع وصالح مولى التوأمة كلاهما عن قتادة.
وأخرجها البخاري٢ ومسلم٣ من طريق صالح بن كيسان عن نافع عن أبي قتادة.
٣ - رواية عطاء بن يسار عن أبي قتادة:
أخرجها البخاري٤ ومسلم٥ والترمذي٦ كلهم من طريق مالك عن زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبي قتادة.
وقد وردت قصة أبي قتادة في حديث أبي سعيد الخدري عند البزار وغيره بسياق آخر:
(٤٠) قال البزار: حدثنا محمد٧ بن عثمان العقيلي وإسماعيل٨ بن بشر ابن منصور السليمي قالا: ثنا عبد الأعلى٩ بن عبد الأعلى عن عبيد الله١٠ بن عمر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩٢. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الحج: ١٨٢٣. ٣ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٦. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الذبائح والصيد: ٥٤٩١. ٥ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٥٨. ٦ سنن الترمذي: ٨٤٨. ٧ محمد بن عثمان بن بحر العقيلي - بالضم - أبو عبد الله البصري، ذكره ابن حبان في الثقات وقال يغرب، وقال ابن حجر صدوق يغرب، من العاشرة: س. تقريب: ٣١٠، تهذيب التهذيب ٩/٣٣٥. ٨ إسماعيل بن بشر بن منصور السليمي - بفتح المهلمة وبعد اللام آخر الحروف التحتانية - بصري يكنى أبا بشر صدوق تكلم فيه للقدر، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله إحدى وثمانون: د، س، ق. تقريب: ٣٢. ٩ عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي - بالمهملة - أبو محمد وكان يغضب إذا قيل له أبو همام، ثقة، مات سنة تسع وثمانين ومائة: ع. تقريب: ١٩٥، ميزان الاعتدال ٢/٥٣١. ١٠ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة ﵂ على الزهري عن عروة عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة: ع. تقريب: ٢٢٦.
[ ٦٨ ]
عن عياض١ بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد٢ الخدري قال: "بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة وخرج رسول الله ﷺ وأصحابة محرمين حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحش وجاء أبو قتادة وهو حل فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يُبِدُّوا٣ أبصارهم فيعلم، فرآه أبو قتادة فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه الرمح، فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نعينك عليه فحمل عليه فعقره فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله بين أظهرنا وكان تقدمهم فلحقوه فسألوه فلم ير به بأسًا، قال: فأحسبه قال: هل معكم منه شيء شك عبيد الله"٤.
قال البزار: "لا نعلم أسند عبيد الله عن عياض إلا هذا ولا عنه إلا عبيد الله"٥.
وأخرجه ابن حبان٦ من طريق محمد بن عثمان العقيلي به نحوه وزاد "بعسفان بثنية٧ الغزال".
وأخرجه الطحاوي٨ من طريق عياش٩ بن الوليد الرقام ثنا عبد الأعلى به نحوه.
الحديث صحيح رجاله كلهم رجال الصحيحين إلا شيخي البزار العقيلي والسليمي، وقال ابن حجر عن كل منهما صدوق، وتابعهما عياش بن الوليد في شيخهما عبد الأعلى، وعياش ثقة روى له البخاري.
_________________
(١) ١ عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح - بفتح المهلمة وسكون الراء بعدها مهملة - القرشي العامري المكي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المائة: ع. تقريب: ٢٧٠. ٢ هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري أبو سعيد الخدري، له ولأبيه صحبة، استصغر بأحد ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل سنة أربع وسبعين: ع. تقريب: ١١٩. ٣ أي يعطوا أبصارهم حظها من النظر. انظر: النهاية ١/١٠٥. ٤ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨. ٥ كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/١٨. ٦ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: ٢٤٤. ٧ ثنية الغزال: ريع بين حرتين يشرف على عسفان من الشمال يأخذه الطريق العام بين مكة والمدينة، يعتبر بوابة بين شمال الحجاز وجنوبه، كانت تعرف بغزال. نسب حرب: ٣٤٣. ٨ شرح معاني الآثار ٢/١٧٣. ٩ عياش بن الوليد الرقام أبو الوليد البصري، ثقة، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، د، س. تقريب: ٢٦٩.
[ ٦٩ ]
تنبيه: وقد جاء في حديث أبي سعيد هذا أن النبي ﷺ بعث أبا قتادة الأنصاري على الصدقة بينما في حديث أبي قتادة السابق: أن النبي ﷺ بعثه إلى العدو الذي أتاه خبره جهة غيقة.
وقد جمع بين هذا الاختلاف صاحب الأوجز: حيث قال: "والأوجه عندي أن أبا قتادة لم يخرج معه ﷺ بل بعثه أهل المدينة إليه ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة فلحقه ﷺ قبل الروحاء فبعثه النبي ﷺ إلى ساحل البحر لكشف العدو، فالتقوا معه بالقاحة ثم بعثه ﷺ لأخذ الصدقة لأنه لم يكن محرمًا فرجع بعسفان جمعًا بين الروايات" ا. هـ١
_________________
(١) ١ أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٦/٣٥٢.
[ ٧٠ ]