المبحث الأول: اتهام العقل أمام النصوص الصريحة:
جاء في حديث المسور ومروان وغيره في قصة الحديبية أن عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ﵃ كرهوا الصلح مع قريش١ لما رأوا في شروطها من الظلم والإجحاف في حقهم، لكنهم ندموا بعد ذلك على صنيعهم ورأوا أنهم قد وقعوا في حرج، إذ كيف يكرهون شيئًاَ رضيه رسول الله ﷺ، وظلت تلك الحادثة درسًا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، وكانوا يحذرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الاعتماد على الرأي:
فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل" ٢.
وكان سهل بن حنيف ﵁ يقول: "اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته"٣.
ولقد ظل عمر بن الخطاب ﵁ - برهة من الزمن - متخوفًا أن ينزل الله به عقابًا للذي صنع يوم الحديبية:
فكان ﵁ يتحدث عن قصته تلك ويقول: "فما زلت أصوم وأتصدق
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣١٤ وما بعدها. ٢ انظر ص: ٣٢٤. ٣ انظر ص: ٣١٩.
[ ٣٠١ ]
وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا"١.
هذا فعل أهل الورع والتقوى والذين يقدرون نصوص الشريعة حق قدرها.
فليت أولئك الذي يردون النصوص الصريحة لحدس عقولهم٢ يعتبرون بما في هذه الحادثة.
قال ابن الديبع الشيباني تعليقًا على هذه الحادثة: "قال العلماء لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته ﷺ والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس أو كرهته النفوس، فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الخير فيما أمر به، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وأنه جار على أتم الوجوه وأكملها غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره"٣ اهـ.
وقد ذكر ابن القيم٤ أن الرأي الباطل أنواع: فذكر منها الرأي المخالف للنص، والكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط في معرفة النصوص وفهمها، والرأي المتضمن تعطيل الأسماء والصفات الإلهية، ثم قال: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله.
كم نُفي بهذه الآراء من حق، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى، وأُحيى بها من ضلالة، وكم هدم من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان، وأكثر أصحاب الجحيم، هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم، ولا عقل، بل هم
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣١٦. ٢ يقولون إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم العقل، حكاه ابن تيمية عن جماعة منهم: الرازي والغزالي، ثم بين فساده، وكذلك فنده ابن القيم. انظر: درء التعارض بين العقل والنقل ١/ ٤، ومختصر الصواعق ١/١٢٩. وقد تبنى تلك النظرية الفاسدة بعض الناس في هذا العصر فجعلوا عقولهم مقياسًا لقبول النصوص وردها، ولو كانت في الصحيحين، انظر للرد عليهم: الرد على من كذب الأحادب الصحيحة الواردة في المهدي: ٤٤، ٤٧، ومرويات غزوة بدر:٤٧. ٣ حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٢٢. ٤ أعلام الموقعين ١/٧١-٧٢.
[ ٣٠٢ ]
شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ " ١.
_________________
(١) ١ سورة الملك آية: ١٠.
[ ٣٠٣ ]