المبحث الأول: المرجحات لتسمية هذه الحادثة بغزوة الحديبية:
بعد أن تم اختياري «لمرويات غزوة الحديبية» موضوعًا لبحثي كانت أول قضية استوقفتني هي: اختلاف الذين كتبوا عن مغازي رسول الله ﷺ «في عنوان هذه الحادثة» .
فنرى بعضهم عنون لها بـ «أمر الحديبية» ١ وبعضهم بـ «قصة الحديبية» ٢، ومنهم من سماها ببعض القضايا التي وقعت فيها مثل: «عمرة الحديبية» ٣، أو «صلح الحديبية» ٤، وفريق آخر سماها بـ «غزوة الحديبية» ٥.
وكان لزامًا علي أن أختار لها عنوان مناسبًا من تلك العناوين المطروحة لكن وجدت أمامي سؤالًا يطرح نفسه، وهو: لماذا اخترت هذا العنوان دون غيره؟
وللجواب على هذا السؤال وأمثاله قررت أن يكون اختياري للعنوان ناتجًا عن دراسة وتحليل لتلك العناوين المطروحة لأنه لم يوضع واحد منها إلا باعتبار ما.
فأقول وبالله التوفيق:
بعد دراسة وتأمل لتلك العناوين رأيت أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: «غزوة الحديبية» وذلك للأمور التالية:
_________________
(١) ١ انظر: سيرة ابن هشام ٣/٣٠٨، والمواهب اللدنية ٢/١٧٩ مع شرح الزرقاني. ٢ انظر: تاريخ الطبري ٢/٧١، وزاد المعاد ٣/٢٨٦. ٣ انظر: الدرر لابن عبد البر ص ٢٠٤، وفقه السيرة لمحمد الغزالي ص ٣٤٨. ٤ انظر: تاريخ خليفة ابن خياط ص ٨١، وكتاب صلح الحديبية لمحمد باشميل. ٥ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣٩، ومغازي الواقدي ٢/٥٧١، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٩٥، وتاريخ اليعقوبي ٢/٥٤، وعيون الأثر ٢/١١٣، وجوامع السيرة ص٢٠٧ وغيرها.
[ ١٤ ]
أولًا: أنه موافق لاصطلاح أهل السير والمحدثين.
قال الزرقاني: "وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحهم غالبًا أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة (غزوة) وما لم يحضره بل أرسل بعضًا من أصحابه إلى العدو (سرية) أو (بعثًا) "١.
ثانيًا: ما يحمله لفظ (غزوة) من إيحاءات عميقة تعطى الحادثة اعتبارًا خاصًا في شعور المسلم ولا توجد في مثل لفظ (قصة) و(أمر) ذلك لأن لفظ (غزوة) أصبح ملازمًا لشخص رسول الله ﷺ فلا تكاد ترى أو تسمع هذه اللفظة حتى يسرح بك الخيال من وراء تلك الأجيال المتعاقبة لترى تحركات رسول الله ﷺ وأصحابه الأبرار يزلزلون الطغاة وأتباعهم.
ثالثًا: شمول هذا العنوان لجميع تحركات الرسول ﷺ في هذه الحادثة ابتداء من إحرامه بالعمرة ومرورًا بالبيعة والصلح إلى رجوعه للمدينة.
رابعًا: ورود عدة أحاديث تصرح بأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها (غزوة) ومن تلك الأحاديث ما يلي:
حديث سلمة بن الأكوع ﵁:
(١) قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا حماد بن مسعده عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فذكر خيبر٢، والحديبية، ويوم حنين٣، ويوم القرد٤، قال يزيد: ونسيت بقيتهم"٥.
_________________
(١) ١ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/٣٨٧. ٢ لفظ خيبر: بلسان اليهود الحصن، وصار يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخيل كثيرة، فتحها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وتقع شمال المدينة بحوالي (١٦٤) كيلًا. انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، ونسب حرب: ٣٥٦، ومرويات غزوة خيبر لعوض الشهري: ٨. ٣ حنين: قال ياقوت: "يجوز أن يكون تصغير الحنان وهو الرحمة تصغير ترخيم، ويجوز أن يكون تصغير الحن، وهو حي من الجن، قال السهيلي: سمي بحنين بن قانيه بن مهائيل، قال: وأظنه من العماليق، حكاه عن أبي عبيد البكري، وهو اليوم الذي ذكره الله ﷿ في كتابه الكريم، وهو قريب من مكة، وقيل: واد قبل الطائف، وقيل: واد بجنب ذي المجاز، وقال الواقدي: بينه وبين مكة بضعة عشر ميلًا". انظر: معجم البلدان ٢/٣١٣. ٤ يعني غزوة ذي قرد: وهو ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول الله ﷺ انتهى إليه لما خرج في طلب عيينة بن حصن حين أغار على لقاحه. معجم البلدان ٤/٣٢١. ٥ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٢٧٣.
[ ١٥ ]
وأخرجه أحمد١ عن حماد بن مسعدة.
حديث أبي قتادة ﵁:
(٢) قال مسلم٢: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية هو ابن سلام أخبرني يحيى، أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة الحديبية، قال: فأهلوا بعمرة غيري (الحديث) .
حديث أنس بن مالك عند ابن جرير:
(٣) قال: حدثنا أحمد بن المقدام٣، قال: ثنا المعتمر٤ قال: سمعت أبي٥ يحدث عن قتادة٦ عن أنس٧ بن مالك قال: "لما رجعنا من غزوة الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ ٨ أو كما شاء الله فقال النبي ﷺ: "لقد أنزلت علي آية أحب إلي من الدنيا جميعًا"٩.
هذا حديث صحيح فرجاله رجال الصحيح وأحمد بن المقدام طعن فيه أبو داود بسبب مزاح كان فيه، وقد تعقبه ابن عدي١٠ بأنه لا يؤثر فيه، وبين ابن حجر١١ أيضًا وجه عدم تأثير طعن أبي داود فيه.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٥٤. ٢ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٦٢، وسيأتي تخريجه برقم (٣٨) . ٣ أحمد بن المقدام أبو الأشعت العجلي، البصري، صدوق صالح الحديث، طعن أبو داود في مروءته، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وله بضع وتسعون سنة: خ، ت، س، ق. تقريب: ١٦. ٤ معتمر بن سليمان التيمي أبو المعتمر البصري يلقب بالطفيل، ثقة، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقد جاوز الثمانين: ع. تقريب: ٣٤٢. ٥ سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو ابن سبع وتسعين: ع. تقريب: ١٣٤. ٦ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال ولد أكمه، مات سنة بضع عشرة ومائة: ع. تقريب: ٢٨١. ٧ أنس بن مالك بن النضر الأنصار الخزرجي، خادم رسول الله ﷺ، خدمه عشر سنين، صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين، وقد جاوز المائة: ع. تقريب: ٣٩. ٨ سورة الفتح آية: ١. ٩ تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩. ١٠ تهذيب التهذيب ١/٨٢. ١١ هدي الساري: ٣٨٧.
[ ١٦ ]
وقال عنه الذهبي١: "أحد الأثبات المسندين، واحتج به البخاري وغيره"٢.
وفي السند عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس٣، لكنها غير مؤثرة على صحة الحديث، لأن أصله في صحيح مسلم٤، سوى ما في أوله، ويشهد له الحديثان السابقان.
_________________
(١) ١ هدي الساري: ٣٨٧. ٢ ميزان الاعتدال ١/١٥٨. ٣ هدي الساري: ٣٨٧. ٤ جامع التحصيل في أحكام المراسيل: ١٢٤.
[ ١٧ ]