المبحث الأول: ركب من خزاعة يسعى لإيجاد تقارب بين الطرفين:
علم بديل بن ورقاء الخزاعي بنزول رسول الله ﷺ وأصحابه الحديبية، فقدم إليه في نفر من قومه وقص عليه ما رأى من حال قريش وما سمع من أخبارهم وأنهم عازمون على صده عن البيت، وبعد أن سمع رسول الله ﷺ حديث بديل أخبره بالهدف الذي خرجوا من أجله وأنهم لا يريدون حرب أحد، إنما جاءوا لزيارة البيت فحسب.
ولما وقف بديل على أخبار رسول الله ﷺ وأصحابه رجع إلى قريش يعلمهم بذلك، وكان بديل يهدف من وراء سعيه إلى الوفاق بين الطرفين وتحاشي الصدام، ولم يكن رسولًا لأحد من الفريقين كما زعم بعضهم١، وسياق قصته يأبى ذلك.
وقد جاء خبر بديل في حديث المسور ومروان:
ففيه من طريق معمر بعد أن ذكر نزول المسلمين وقصة البئر قال: فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة٢ نصح لرسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي٣ نزلوا
_________________
(١) ١ ذكر صاحب القول المبين في سيرة سيد المرسلين: ٢٦٧ وغيره أن بديلًا أرسل من قبل قريش. ٢ عيبة نصح: العيبة زنبيل من أدم أو موضع الثياب وكنى بها هنا عند الصدور التي هي موضع السر. ترتيب القاموس ٣/٣٥١، النهاية ٣/٣٢٧. ٣ قال ابن حجر: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة ترجع أنسابهم إليهما. فتح الباري ٥/٣٣٨.
[ ١١٥ ]
أعداد١ مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم٢ الحرب، وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا٣، وإن هم أبوا والذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: أنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذووا الرأي فيهم هات ما سمعته، يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وفي حديثهما من طريق ابن إسحاق: بعد أن ذكر نزول المسلمين الحديبية، وقصة البئر قال: "فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان".
وقوله لبشر بن سفيان تقدم في صدر الرواية ونصه: "يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس، فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وافرون وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش، والله إني لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله له حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة " قال: "فرجعوا إلى قريش فقالوا: "يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد، وإن محمدًا لم يأت لقتال إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه فاتهموهم"، قال محمد - يعني ابن إسحاق - قال الزهري: "وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان بمكة، قالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدًا علينا عنوة، ولا تتحدث بذلك العرب"٥ الحديث.
_________________
(١) ١ الأعداد: جمع عد الماء الدائم الذي له مادة لا انقطاع لها. لسان العرب ٤/٢٧٦. ٢ نهكتهم: أضنتهم وبالغت في الإضرار بهم. ترتيب القاموس ٤/٤٥٢. ٣ جموا: استراحوا وكثروا. النهاية ١/٣٠١. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧٣١ - ٢٧٣٢، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٥) وهناك تخريجه. ٥ مسند أحمد ٤/٣٢٣، وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه، والكلام عليه.
[ ١١٦ ]