المبحث الأول: فضل غزوة الحديبية:
لقد استحقت هذه الغزوة أن تقرن بغزوة بدر في الفضيلة، لما ترتب عليها من عز وانتصار للإسلام وذل وانكسار للكفر والنفاق.
قال ابن عبد البر: ليس في غزوات الرسول ﷺ ما يعدل بدرًا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية، هذا هو الراجح عندنا، وأما متكلموا الأشاعرة فقدموا أحدًا في الفضيلة والأول أولى١، والله أعلم.
ويكفيها فضلًا أنها كانت فتحًاَ مبينًا كما أخبر الله بذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ .
فقد بينت الأحاديث أن الفتح المشار إليه هو غزوة الحديبية:
ومن تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك ﵁:
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس ﵁ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ قال: الحديبية"٢.
ومنها حديث البراء بن عازب ﵄:
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن
_________________
(١) ١ نقله السفاريني: ثلاثيات المسند ١/٢٧٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير ٤٨٣٤، وتقدم تخريجه برقم (١٥٥) .
[ ٢٦٦ ]
البراء ﵁ قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية"١ الحديث.
وأخرجه ابن سعد من طريق أبي إسحاق عنه بلفظ: "أما نحن فنسمي الذي يسمون فتح مكة يوم الحديبية بيعة الرضوان"٢.
ومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄:
(١٦٣) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثني يحيى بن حماد٣: قال ثنا أبو عوانة٤ عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: "ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية"٥.
وأخرجه من طريق أبي عبيدة٦ المسعودي عن الأعمش به بلفظ: "ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية" ٧.
سند هذا الحديث فيه تدليس الأعمش وأبي سفيان، لكنه منجبر بشاهده من الحديثين السابقين في الصحيح.
ومنها ما أخرجه البيهقي من مرسل عروة بن الزبير والزهري:
(١٦٤) قال: أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان قال: أخبرنا أبو بكر٨ بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا ابن أبي أويس٩ قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة، ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي١٠
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٥٠، وتقدم تخريجه برقم (٩) . ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٥. ٣ يحيى بن حماد بن زياد الشيباني مولاهم البصري، ختن أبي عوانة، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، /خ، م، خد، ت، س، ق/. تقريب: ٣٧٤. ٤ هو: وضاح بن عبد الله اليشكري. ٥ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٦ عبد الملك بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، أبو عبيدة المسعودي ثقة من السابعة: م، د، س، ق. تقريب: ٢٢٠. ٧ تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠. ٨ هو: محمد بن أبي عتاب الأعين. ٩ هو: إسماعيل بن أبي أويس. ١٠ هو: الفضل بن محمد بن المسيب.
[ ٢٦٧ ]
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر١ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: "وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعًا قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ: "ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله ﷺ: "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله ﷿ عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ "أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: "صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله ﷿ وبالأمور منا، وأنزل الله ﷿ سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ٢.
هذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن محمد بن عبد الله. ٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨.
[ ٢٦٨ ]