الشورى ميزة عظمى لهذه الأمة، وقد ذكرها الله ﷾ في معرض المدح للمؤمنين، وقرنها بالطاعة والصلاة والزكاة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ١.
وأمر بها نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ الآية.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه استشار أصحابه رضوان الله عليهم في أكثر من موطن:
١ - استشارهم في غزوة بدر مرتين:
المرة الأولى: استشارهم في العير٣.
والثانية: في المنزل، ونزل على رأي الحباب بن المنذر٤.
٢ - في غزوة أحد استشارهم في البقاء بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فخرج بمشورة أكثر الصحابة٥.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٣٧. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٩. ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٨٣. ٤ انظر: مرويات غزوة بدر ص: ١٥٧ لأحمد العليمي. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٦٣، وانظر مرويات غزوة أحد: ٦١ لحسين الباكري.
[ ٢٧٦ ]
٣ - في غزوة الأحزاب، استشارهم مرتين:
الأولى: في الخندق حيث أمر بحفره بمشورة سلمان الفارسي١.
والثانية: في مصالحة غطفان، بثلث ثمار المدينة، استشار في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ونزل على رأيهما في عدم إعطائهم شيئًا٢.
٤ - في غزوة الحديبية - هذه - استشار مرتين:
الأولى: استشار الصحابة في الإغارة على ذراري المشركين أو تركهم، ونزل على رأي أبي بكر ﵁ في تركهم٣.
والثانية: استشار أم سلمة ﵂ في أمر الناس حين لم يبادروا بالنحر والحلق، وقد أمرهم بذلك، فأشارت عليه بأن يبدأ ذلك بنفسه ففعل صلى الله عليه وسلم٤.
٥ - في غزوة بني المصطلق: استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵃ في فراق عائشة رضي الله عنها٥.
وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة من بعده شورى في الستة الباقية من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم٦.
وبهذا تتضح لنا أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام حيث جعلها الله من صفات المؤمنين، وأمر بها نبيه ﷺ، وعمل بها النبي ﷺ في مواطن كثيرة، وعمل بها الخلفاء الراشدون ﵃.
فمن بعدهم أولى بالمشورة وأحوج إليها منهم.
وقد نوه ابن عطية بشأن الشورى، ثم حكى الإجماع على وجوب عزل من لا يستشير أهل الدين.
_________________
(١) ١ انظر: مرويات غزوة الخندق: ٩٠ لإبراهيم عمير. ٢ م السابق: ٨٣. ٣ انظر ص: ٢٨٩-٢٩٠. ٤ انظر ص: ٤٠٢. ٥ صحيح مسلم، كتاب التوبة: ٥٦، وانظر مرويات غزوة بني المصطلق: ٢١٣ لإبراهيم القريبي. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: ٣٧٠٠.
[ ٢٧٧ ]
قال: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه١.
وقال ابن تيمية٢: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله قد أمر بها نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ الآية".
ومحل الشورى: هو أمور الحرب، والنوازل، وسائر الأمور التي لم يرد فيها دليل صريح من الشرع٣.
ومن فوائد الشورى:
١ - تأليف قلوب الأتباع واستطابة نفوسهم.
٢ - استخراج وجه الرأي منهم٤.
٣ - التعرف على مصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن عطية ٣/٢٨٠. ٢ السياسة الشرعية: ١٥٧. ٣ انظر م السابق، وتفسير ابن عطية ٣/٢٨١. ٤ انظر المصدرين السابقين، وزاد المعاد ٣/٣٠٢. ٥ زاد المعاد ٣/٣٠٢.
[ ٢٧٨ ]