المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على عقيدته:
كان من جملة الشروط التي أخذتها قريش على المسلمين في صلح الحديبية: أن على المسلمين أن يردوا من جاءهم من قبل قريش، ولا ترد قريش من جاءها من قبل المسلمين.
وقد كره المسلمون هذا الشرط إلا أن سهيل بن عمرو قد أصر عليه، وما أن وقع
[ ٣٠٤ ]
الاتفاق بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو على عقد الصلح حتى طلع عليهما أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، وكان قد خرج فارًا بدينه إلى المسلمين.
فلما رآه والده قام إليه فضرب وجهه وأخذ يجره بثيابه ليرده إلى مكة، وأبو جندل يستنجد برسول الله ﷺ وبالمسلمين ليحولوا بينه وبين أبيه، لكن ماذا يملك رسول الله ﷺ والمسلمون؟ إنهم قد أعطوا قريشًا عهدًا على رد من جاء من قبلها، فالأمر أصبح بيد قريش، وسهيل بن عمرو هو الناطق باسمها.
وحين رأى رسول الله ﷺ إصرار سهيل بن عمرو على رد أبي جندل تركه وشأنه، ثم أوصى أبا جندل بكلمات قال فيها: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله ﷿ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا".
ورجع سهيل بن عمرو بأبي جندل ﵁ إلى مكة حيث الفتنة والتعذيب١.
وليست قصة أبي جندل هذه بأعجب من قصة أبي بصير ﵁، فأبو بصير ترك مكة فرارًا بدينه من الفتنة، وقدم المدينة، لكنه لم يكد يستعيد أنفاسه حتى قدم في طلبه رجلان من قبل قريش.
فما الذي سيحدث يا ترى؟
هل خوف أبي بصير على دينه من الفتنة سيشفع له في عدم إسلامه لرسولي قريش؟
إن رسول الله ﷺ كان يدرك حال أبي بصير تمامًا ويشفق عليه أيما إشفاق، كيف لا! والله ﷿ يقول في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
لكن كان يحول بين رسول الله ﷺ وبين حماية أبي بصير من قريش العهد الذي أخذته قريش على رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر قصة أبي جندل ص ٣١٤، ٣١٥. ٢ سورة التوبة آية: ١٢٨.
[ ٣٠٥ ]
فلذلك أسلم رسول الله ﷺ أبا بصير إلى رسولي قريش بعد أن زوده بنحو الوصية التي زود بها أبا جندل.
وخرج الرجلان بأبي بصير يريدان مكة، حيث الفتنة والتعذيب١.
ففي هاتين القصتين دروس عظيمة أهمها درسان:
الأول: وفاء المسلم بعهده، فقد رأينا كيف أسلم المؤمنون إخوانهم إلى الكفار وهم يعلمون أن مصيرهم ثَمّ هو التعذيب، وما فعلوا ذلك إلا وفاء بالعهد، فالوفاء صفة أصيلة في المؤمن، وقد امتدح الله المؤمنين بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ٢، كما ذم الكفار بنقيض ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٣.
الثاني: ثبات المؤمن على عقيدته مهما كلفه من ثمن، فأبو بصير وأبو جندل يعلم كل منهما ما ينتظره في مكة من الفتنة والتعذيب، لكن لم يعبأ واحد منهما لذلك إنما كان خوفهما على دينهما لأن العقيدة هي أغلى ما يملكه المؤمن، ولقد شهدت مكة نماذج كثيرة من ذلك الثبات، فقد شهدت قبل ذلك خبيب بن عدي ﵁ تتناوشه رماح قريش وهو يقول:
ما إن أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع٤
_________________
(١) ١ انظر قصة أبي بصير ص ٣٢٨. ٢ سورة الرعد آية: ١٩-٢٠. ٣ سورة الرعد آية: ٢٥. ٤ قال ذلك حين أرادت قريش قتله، وكان من قصته أنه جاء رهط من عضل والقاره إلى رسول الله ﷺ فادّعوا الإسلام وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يعلمهم، فأرسله في تسعة من القراء، سنة ثلاث، وأميرهم عاصم بن ثابت، فغدر بهم أولئك الرهط فقتلوا بعضهم وأسروا البعض، وكان ممن أسروا خبيب بن عدي فأسلموه إلى قريش. انظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٠٨٦، وسيرة ابن هشام ٣/١٦٩.
[ ٣٠٦ ]