جاء في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق "أن النبي ﷺ صالح قريشًا على وضع الحرب عشر سنين"١.
وقد أخذ جماعة بظاهر هذا الحديث.
قال الشافعي٢: "لا تتجاوز المهادنة عشر سنين، وعند الضرورة يجدد العقد بعد انتهاء العشر".
وحكى ابن قدامة٣ عن القاضي أن ظاهر كلام أحمد يقتضيه.
وحكاه ابن حجر عن الجمهور ورجحه٤.
وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، عام وقد خص منه الحديث هذه المدة، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم٥.
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣٠٠. ٢ الأم ٤/١٨٩. ٣ المغني ٨/٤٦٠. ٤ فتح الباري ٥/٣٤٣. ٥ المصدر السابق.
[ ٢٨٣ ]
وذهب قوم إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة وهو قول أبي حنيفة١.
وحكى ابن قدامة عن أبي الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد٢.
وقالوا: "إن العام مخصوص بالعشر بمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب"٣.
وقيل: لا تتجاوز الهدنة أربع سنين٤.
ولعل هؤلاء تمسكوا بحديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، وهو ضعيف٥.
وقيل: لا تتجاوز ثلاث سنين٦.
وهؤلاء نظروا إلى أن المدة التي استمر فيها الصلح مع قريش.
والتحقيق: أن القول الأول هو الراجح لظاهر الحديث، وإن وجدت مصلحة في الزيادة على العشر جدد العقد، كما قال الشافعي، والله أعلم.
وقال بعض المتأخرين:٧ يجوز عقد الصلح مؤبد غير مؤقت بمدة معينة.
واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ٨.
وهذا القول مبني على أن الأصل في علاقة المسلمين بالكفار هي السلم لا الحرب٩، وأن الجهاد إنما شرع لمجرد الدفاع عن المسلمين فحسب١٠.
وهذا القول مردود لما يلي:
_________________
(١) ١ فتح القدير ٥/٤٥٦. ٢ المغني ٨/٤٦٠. ٣ المصدر السابق. ٤ شرح السنة ١١/١٦١. ٥ انظر حديث رقم (١٠٥) . ٦ شرح السنة ١١/١٦١. ٧ الدكتور وهبه الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠. ٨ سورة النساء آية:٩٠. ٩ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠. ١٠ المصدر السابق: ٦٧٥ حاشية: (٢) .
[ ٢٨٤ ]
١ - أن صاحب هذا القول قد خرق الاتفاق بعد أن حكاه بنفسه حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدورًا بمدة معينة، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير بمدة"١.
٢ - الآية التي استدل بها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ٢ الآية.
فقد نقل ذلك ابن جرير٣ عن عكرمة والحسن وقتادة وابن زيد.
وحكاه ابن كثير٤ عن ابن عباس.
وحكاه القرطبي٥ عن مجاهد، ثم قال: وهو أصح شيء في معنى الآية.
٣ - الأصل الذي انبنى عليه هذا القول: مردود بآية براءة السابقة، وبواقع سيرة الرسول ﷺ، وخلفائه الراشدين من أعدائهم.
٤ - أما فكرة أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن المسلمين، فهي فكرة دخيلة، وقد تصدى لها سيد قطب٦ ﵀ ففندها، وبين أن سبب نشوئها هو الانهزام أمام هجمات المستشرقين، وعدم الفهم لمرحلية٧ الدعوة.
_________________
(١) ١ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٧٥. ٢ سورة التوبة آية: ٥. ٣ تفسير ابن جرير ٩/٢٤-٢٦. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٣١. ٥ تفسير القرطبي ٥/٣٠٨. ٦ في ظلال القرآن ٣/١٤٣٣، وما بعدها. ٧ يعني بمرحلية الدعوة الأطوار التي مرت بها دعوة رسول الله ﷺ فقد أمر بالكف، ثم أذن لهم في قتال من قاتلهم، ثم أمروا بقتال المشركين كافة، وقد لخصها ابن القيم في الزاد ٣/١٥٨ فليراجع.
[ ٢٨٥ ]