ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم عند البخاري وغيره أن الصحابة رضوان الله عليهم شكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فأخذ سهمًا من كنانته وأعطاه بعض أصحابه ليغرزه في البئر١، بيد أنه لم يرد في شيء من الروايات الصحيحة
_________________
(١) ١ انظر: ص: ١٧٦ - ١٧٧
[ ١٠١ ]
تصريح باسم الصحابي الذي أعطاه رسول الله ﷺ السهم، لذلك فقد وقع خلاف بين أهل المغازي في اسم الصحابي الذي نزل بالسهم:
فذهب ابن إسحاق١ وابن عبد البر٢ ومن تبعهما إلى أن الذي نزل بسهم رسول الله ﷺ هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي:
(٥٦) قال ابن إسحاق: "فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله ﷺ ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم ابن عمرو بن واثلة بن سهم بن مازن بن سلامان ابن أسلم بن أفصى بن أبي حارثة، وهو سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
ونقل الهيثمي هذا الحديث عن ابن إسحاق ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات٤.
وقال ابن إسحاق، وقد أنشدت أسلم أبياتًا من شعر قالها ناجية قد ظننا أنه هو الذي نزل بالسهم فزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرًا ويمجدونكا
قال ابن هشام وروى:
إني رأيت الناس يمدحونكا
قال ابن إسحاق: فقال ابن ناجية:
قد علمت جارية يمانيه أني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذا رشاش واهية طعنتها تحت صدور العادية٥
وجزم الواقدي بأن الذي نزل بالسهم ناجية بن الأعجم، وذكر أن رجلًا من ولد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠. ٢ الدرر لابن عبد البر: ٢٠٤. ٣ سيرة ابن هشام ٣/٣١٠. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٤٥. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٣١١.
[ ١٠٢ ]
ناجية بن الأعجم يقال له: عبد الملك بن وهب الأسلمي أنشده الأبيات التي نسبها ابن إسحاق لناجية بن جندب١.
(٥٧) وأخرج الواقدي أيضًا عن الهيثم بن واقد عن عطاء٢ بن أبي مروان عن أبيه٣ قال: حدثني رجل من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية٤ بن الأعجم - وكان ناجية بن الأعجم يحدث - يقول دعاني رسول الله ﷺ حين شكى إليه قلة الماء، فأخرج سهمًا من كنانته ودفعه إلي فقال: أنزل بالماء فصبه في البئر، وأثر مائهما بالسهم ففعلت"٥.
وهذا الحديث ضعيف.
(٥٨) وقال ابن حجر: "وأخرج الواقدي عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه حدثني أربعة عشر رجلًا من أسلم من أصحاب النبي ﷺ أن ناجية بن الأعجم هو الذي نزل في القليب القليل الماء يوم الحديبية بسهم رسول الله ﷺ"٦.
هذا الحديث ضعيف لمجيئة من طريق الواقدي.
وروى الواقدي عن خالد بن عبادة أنه هو الذي نزل بالسهم:
(٥٩) قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبيد عن جده عبيد٧ بن أبي عبيد قال: سمعت خالد٨ بن عبادة الغفاري يقول: أنا الذي
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/٥٨٧ - ٥٨٨. ٢ عطاء بن أبي مروان الأسلمي، أبو مصعب المدني، نزيل الكوفة، واسم أبيه سعيد، وقيل عبد الرحمن، ثقة مات بعد الثلاثين ومائة: س. تقريب: ٢٣٩. ٣ أبو مروان الأسلمي، اسمه مغيث - بمعجمة مثلثة وقيل بمهملة ومثناة مشددة ثم موحدة - وقيل: اسمه سعيد، وقيل عبد الرحمن، له صحبة؛ إلا أن الإسناد إليه بذلك واه، وهو والد عطاء بن أبي مروان المدني: س. تقريب: ٤٢٥. وسماه ابن حجر في الإصابة: معتب بن عمرو. الإصابة ١٢/١٦. ٤ ناجية بن الأعجم الأسلمي ذكره ابن سعد في الصحابة، وقال: لا عقب له، وقال العطوي: عقد رسول الله ﷺ لأسلم لواءين يوم الفتح، أعطى أحدهما: ناجية بن الأعجم، والآخر بريدة بن الحصيب، وذكره ابن أبي حاتم وحكى عن أبيه أنه قال: لا أعرفه، وقال ابن شاهين في الصحابة، مات بالمدينة آخر خلافة معاوية. الإصابة ١٠/١٢٢. ٥ مغازي الواقدي ٢/٥٨٨. ٦ الإصابة ١٠/١٢٢. ٧ عبيد بن أبي عبيد واسم أبي عبيد كثير مولى أبي رهم - بضم الراء وسكون الهاء - مقبول، من الثالثة: د، ق. تقريب: ٢٢٩. ٨ خالد بن عبادة الفغاري قال ابن عبد البر: هو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية. الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة.
[ ١٠٣ ]
نزلت بالسهم يومئذ في البئر١.
وهذا الحديث ضعيف أيضًا لمجيئه من طريق الواقدي.
ونقل البيهقي٢ عن موسى بن عقبة أن خالدًا هذا هو الذي نزل بالسهم.
وقال ابن عبد البر في ترجمته: وهو الذي دلاه رسول الله ﷺ بعمامته في البئر يوم الحديبية فماح في البئر فكثر ماؤها حتى روى الناس٣ الخ.
وقيل الذي نزل بالسهم البراء بن عازب:
(٦٠) قال الواقدي: حدثني سفيان٤ بن سعيد عن أبي إسحاق٥ الهمداني قال: سمعت البراء٦ بن عازب يقول: أنا نزلت بالسهم٧.
وهذا الحديث أيضًا ضعيف لمجيئه من طريق الواقدي.
وقيل أن الذي نزل بالسهم يومئذ بريدة بن الحصيب، نقل ذلك ابن حجر٨ ولم يعزه لأحد.
رأينا فيما مضى أن كل واحد من هؤلاء الصحابة ﵃ يحكي أو يحكى عنه أنه قد نزل بالسهم يومئذ، لكن لم يرد عن واحد منهم خبر صحيح يمكن الاعتماد عليه وترجيحه على ما عداه، ومن ثم لا يمكن الجزم بأن واحدًا منهم فعل ذلك دون الآخر، بل يحتمل أن الجميع قد اشتركوا في القضية.
وإلى ذلك جنح ابن حجر حيث قال: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره٩ ا. هـ
_________________
(١) ١ المغازي للواقدي ٢/٥٨٩. ٢ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٠. ٣ الاستيعاب ٣/١٧٤ مع الإصابة. ٤ هو: سفيان بن سعيد بن مسورق الثوري. ٥ هو: عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - مكثر ثقة عابد اختلظ بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك: ع. تقريب: ٢٦٠. ٦ البراء بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنتين وسبعين: ع. تقريب: ٤٢. ٧ مغازي الواقدي ٢/٥٨٩. ٨ الإصابة ٣/٦٢. ٩ فتح الباري ٥/٣٣٧.
[ ١٠٤ ]
ويؤيده ما ورد في مرسل عروة: "فنزل فيها رجال يميحونها" ١.
ثم وجدت رواية عن البراء تؤيد ما ذهب إليه ابن حجر أيضًا وهي:
(٦١) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم٢ حدثنا سليمان٣ عن حميد٤ عن يونس٥ عن البراء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرة فأتينا على ركى ذمة - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيه ستة أنا سادسهم ماحة، فأدليت إلينا دلو رسول الله ﷺ على شفة الركى، فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ، قال البراء: فكدت٦ بإنائي هل أجد شيئًا أجعله في حلقي، فما وجت، فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها فقال: ما شاء الله أن يقول: فعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق، قال: ثم ساحت - يعني جرت نهرًا"٧.
وأخرجه٨ عن هدبة عن سليمان به نحوه.
وأخرجه يحيى بن معين٩ عن هاشم عن سليمان به نحوه.
وأخرجه الطبراني١٠ من طريق هدبة عن سليمان به نحوه.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٥٥) . ٢ هو: هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي أبو النضر، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقة ثبت، مات سنة سبع ومائتين، وله ثلاث وسبعون: ع. تقريب: ٣٦٢. ٣ سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم البصري، أبو سعيد، ثقة، قال يحيى بن معين أخرج له البحاري مقرونًا وتعليقًا، مات سنة خمس وستين ومائة: ع. تقريب: ١٣٦. ٤ حميد بن هلال العدوني أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سرين لدخوله عمل السلطان، من الثالثة: ع. تقريب: ٨٥. ٥ يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم الثقفي مقبول من الرابعة: د، ت، س. تقريب: ٢٩٠. ٦ هكذا في المسند، ولم أقف له على معنى، وفي المعجم الكبير للطبراني «فكددت إنائي» وفي القاموس في مادة (ك د د) الكد الشدة والإلحاح والطلب، وكدّ نزع الشيء بيدة يكون في الجامد والسائل. ٧ مسند أحمد ٤/٢٩٢. ٨ مسند أحمد ٤/٢٩٢. ٩ تاريخ يحيى بن معين ١/٣٢٠. ١٠ المعجم الكبير ٢/١١.
[ ١٠٥ ]
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: هو في الصحيح باختصار كثير، رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح١.
قلت: بل فيه يونس بن عبيد لم يوثقه سوى ابن حبان٢.
ولم يرد في الحديث تصريح بأن القصة كانت في الحديبية، لكن سياقها ظاهر في اتحادها مع قصة الحديبية، والله أعلم.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٨/٣٠٠. ٢ تهذيب التهذيب ١١/٤٤٥.
[ ١٠٦ ]