جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ بعث بسر بن سفيان الخزاعي عينًا إلى مكة١.
وقد استدل بعض العلماء بقصة بسر هذه على جواز الاستعانة بالمشركين في الجهاد.
قال ابن القيم: "إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم"٢ اهـ.
_________________
(١) ١ انظر ص:٩٩. ٢ زاد المعاد ٣/٣٠١.
[ ٢٧٨ ]
هكذا قال ابن القيم، وقد سبقه إلى ذلك مجد الدين ابن تيمية١، وتبعهما بعض المتأخرين٢.
والظاهر أن ليس في قصة الخزاعي هذه دلالة على جواز الاستعانة بالمشرك في الجهاد؛ لأنه لم يرد في هذا الحديث ولا في غيره ما يدل على أنه كان كافرًا إذ ذاك.
بل ورد عن بعض العلماء ما يدل على أنه أسلم قبل الحديبية.
قال ابن عبد البر: "بسر بن سفيان بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان قوله: حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي، فأخبره خبر قريش وجموعهم، قالوا: هو بسر بن سفيان هذا"٣ اهـ
وقد نقل ابن حجر كلام ابن عبد البر وسكت عليه٤.
وقال الزرقاني: "واختار بسر بن سفيان بن عمرو هذا، لقرب عهده بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عينًا فلا يؤذيه"٥ اهـ.
فقد رأينا من كلام ابن عبد البر والزرقاني أنهما يريان أن بسر بن سفيان أسلم قبل الحديبية.
وعلى فرض أنه لم يثبت ما ورد في إسلامه فلا تصلح قصته دليلًا على جواز الاستعانة بالمشرك، لوجود الاحتمال، لا سيما وهي معارضة بأحاديث صحيحة.
فالحاصل: أن قصة بسر بن سفيان الخزاعي لا دلالة فيها على جواز الاستعانة بالمشرك مطلقًا ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ كما ذكر بعض العلماء، وإنما وردت بذلك أحاديث كلها ضعيفة، وهي:
١ - حديث ابن عباس ﵄:
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا
_________________
(١) ١ منتقى الأخبار: ٧٣٢. ٢ الأستاذ أبو زهرة، خاتم النبيين: ٨٥٨، والدكتور البوطي، فقه السيرة: ٣٥٢. ٣ الاستيعاب ١/٣٠٩ مع الإصابة. ٤ الإصابة ١/٢٤٥. ٥ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨١.
[ ٢٧٩ ]
الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف أنبأ الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع، فرضخ١ لهم ولم يسهم لهم"٢.
قال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عمار وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح"٣.
٢ - حديث الزهري:
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفينا ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص عن ابن جريج عن الزهري أن رسول الله ﷺ غزا بناس من اليهود فأسهم لهم٤.
وهذا الحديث قد أرسله الزهري، والمرسل من قسم الضعيف، لا سيما مرسلات الزهري.
٣ - حديث فطير الحارثي:
قال البيهقي: وقد روى الواقدي عن ابن أبي سيرة عن فطير الحارثي قال: "خرج رسول الله ﷺ بعشرة من اليهود من يهود المدينة إلى خيبر فأسهم لهم كسهمان المسلمين"٥.
قال البيهقي: "هذا منقطع وإسناده ضعيف"٦.
فهذه الأحاديث التي دلت على جواز الاستعانة بالمشرك، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يثبت بها حكم.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك من حديث عائشة ﵂.
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ح.
وحدثنيه أبو طاهر (واللفظ له)، حدثني عبد الله بن وهب عن مالك ابن أنس
_________________
(١) ١ الرضخ: العطية القليلة. النهاية ٢/٢٢٨. ٢ السنن الكبرى ٩/٥٣. ٣ م السابق. ٤ م السابق. ٥ م السابق. ٦ السنن الكبرى ٩/٥٣.
[ ٢٨٠ ]
عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة١، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال "فارجع فلن أستعين بمشرك".
قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة٢ أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: "ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ: "فانطلق"٣.
وفيه من حديث أبي حميد الساعدي ﵁:
قال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا يوسف بن عيسى المروزي ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: "قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين" ٤.
وأشار البيهقي٥ إلى أن سند هذا الحديث صحيح.
وفيه من حديث خبيب بن عبد الرحمن:
قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا المستلم بن سعيد الثقفي عن عباد ثنا خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد
_________________
(١) ١ حرة الوبرة: محركة وبعضهم جوز تسكين الباء على ثلاثة أميال من المدينة، عمدة الأخبار في مدينة المختار: ٣١٠، وهي المشرفة على وادي العقيق. انظر حاشية رقم (١) من المصدر السابق. ٢ الشجرة: هي ذو الحليفة، انظر كتاب «المناسك وأماكن طرق الحج» للحربي:٤٢٥، وقال الأسدي: الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة وهي الشجرة، ومنها يحرم أهل المدينة وهي على خمسة أميال ونصف، انظر المصدر السابق ص٤٢٧ حاشية رقم (٢) . ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٥٠. ٤ السنن الكبرى ٩/٣٧. ٥ السنن الكبرى ٩/٣٧.
[ ٢٨١ ]
غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتا؟ قلنا: لا، قال: "فلا نستعين بالمشركين على المشركين"، فأسلمنا وشهدنا معه " الحديث١.
وسند هذا الحديث حسن.
وقد ذهب إلى جواز الاستعانة بالمشركين جماعة من العلماء، وهو مروي عن أبي حنفية والشافعي وأحمد٢؛ للأحاديث السابقة في جواز الاستعانة بهم٣.
وقد استدلوا أيضًا بقصة شهود صفوان بن أمية لغزوة حنين، وهو مشرك، وبشهود قزمان غزوة أحد وهو مشرك، وبشهود ابن أُبَيْ لبعض الغزوات٤.
وقد اشترطوا لجواز ذلك شروطًا هي:
١ - أن يكون في المسلمين قلة وتدعوا الحاجة إلى ذلك.
٢ - أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخشى ثائرتهم٥.
٣ - أن يكون مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام٦.
وذهب جماعة إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وممن قال بذلك ابن المنذر، والجوزجاني، وهو مروي عن الشافعي٧.
واستدل أصحاب هذا القول: بحديث عائشة ﵂ وحديث أبي حميد الساعدي وحديث خبيب بن عبد الرحمن السابقة.
وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز كلها ضعيفة، لا تقوى على المعارضة.
وقد رجح الشوكاني هذا القول حيث قال: "والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا لما في قوله ﷺ: "إنا لا نستعين بالمشركين"
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٤٥٤. ٢ انظر المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٣ السنن الكبرى ٩/٣٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٧. ٤ نيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٥ انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٦، والمغني لابن قدامة ٨/٤١٤. ٦ نيل الأوطار ٧/٢٣٧، وسبل السلام ٤/٥٠. ٧ المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.
[ ٢٨٢ ]
من العموم، وكذلك في قوله: "لن أستعين بمشرك"١.
وأجاب عن قصة قزمان بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر.
قال: وأما استعانته بابن أُبَي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام٢.
قلت: وقصة صفوان بن أمية ليس فيها دليل أيضًا على ذلك؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ طلب منه الخروج، وإنما الثابت في ذلك استعارة رسول الله ﷺ للأدراع منه فحسب٣.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٢ المصدر السابق. ٣ حديث صفوان أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع: ٣٥٦٢-٣٥٦٣، وصححه الألباني: إرواء الغليل ٥/٣٤٨.
[ ٢٨٣ ]