كانت قريش قد استثارت القبائل من حولها وألبتها على رسول الله ﷺ بدعوى: أنه اعتدى عليها في عقر دارها وفي الحرم، وكانت العرب تعظم البيت وتجل قريشًا لمكانتها من البيت.
وأراد رسول الله ﷺ أن يبطل تلك الدعاوى التي وجهتها قريش ضده، ويكسب تلك القبائل أو على الأقل يخفف من حدتها وحماسها ضده، فأرسل من قبله رسلًا ليبلغوا قريشًا بمرأى ومسمع من الناس: أنه لم يأت لقتالهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته، ورسل النبي ﷺ هم:
خراش بن أمية ﵁:
جاء خبر إرساله إلى قريش في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق: فبعد أن ذكر قصة ابن مسعود قال: "وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة وحمله على جمل يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعهم الأحابيش حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
عثمان بن عفان ﵁:
وفي حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق أيضًا بعد قصة خراش قال: "فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي وليس بها من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني عثمان بن عفان، قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان بن عفان ﵁ حتى أتى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابته وحمله بين يديه وردف٢ خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان ورؤساء قريش فبلغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ قال فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل ".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٤، تقدم سند الحديث مع طرف من أوله برقم (٣٦) وهناك تخريجه. ٢ الرديف: الراكب خلف الراكب. ترتيب القاموس ٢/٣٢٥.
[ ١١٧ ]
وفي حديث سلمة بن الأكوع من طريق موسى بن عبيدة الربذي قال: قال إياس عن أبيه: فاشتد البلاء على من كان في يد المشركين من المسلمين، قال: فدعا رسول الله ﷺ عمر فقال: يا عمر هل أنت مبلغ عني إخوانك من أسارى المسلمين؟ فقال: لا يا نبي الله، والله مالي بمكة من عشيرة١، غيري أكثر عشيرة مني فدعا عثمان فأرسل إليهم، فخرج حتى جاء عسكر المشركين فعيبوا به وساءوا إليه القول، ثم أجاره أبان بن سعيد بن العاص ابن عمه، وحمله على السرج٢، وردفه فلما قدم قال: يا ابن أمي مالي أراك متحسفًا؟ أسبل، قال: وكان إزاره إلى نصف ساقه، فقال له عثمان: هكذا إزرة صاحبنا فلم يدع أحدًا من أسارى المسلمين بمكة إلا أبلغهم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
هذا الحديث في سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، لكن هذا الجزء منه يتقوى بحديث المسور ومروان السابق، وهو حسن.
وقد أخرجه البيهقي عن عروة مرسلًا.
(٦٥) قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ﵀ قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود قال: عروة بن الزبير في نزول النبي ﷺ الحديبية قال: وفزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إليه، فقال: يا رسول الله: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل إلى عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وأنه مبلغ لك ما أردت، فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال: أخبرهم إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا عمارًا وأدعهم إلى الإسلام، وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن الله ﷿ وشيك أن يظهر دينه بمكة، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان تثبيتًا يثبتهم، فانطلق عثمان
_________________
(١) ١ عشيرة الرجل: بنو أبيه الأدنون أو قبيلته. ترتيب القاموس ٣/٢٣١. ٢ السرج: رحل الدابة. لسان العرب ٣/١٢١. ٣ تاريخ ابن أبي شيبة ١، لوحة: ٦٠، وسيأتي سنده مع طرف من أوله برقم (٦٦) .
[ ١١٨ ]
بن عفان ﵁ فمر على قريش ببلدح، فقالت قريش أين؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الله جل ثناؤه وإلى الإسلام وأخبركم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عمارًا، فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس فأجاره وردفه أبان حتى جاء مكة " ثم ذكر رسل قريش وما دار بين سهيل وبين رسول الله ﷺ، وذكر البيعة ثم قال: "وقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به، فقال رسول الله ﷺ: ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا، فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت، فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيمًا سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله ﷺ ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت، قال المسلمون: رسول الله كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنًا١.
هذا الأثر مرسل، وفي سنده ابن لهيعة ضعيف، وأبو علاثة لم أجد ترجمته لكن أصله ثابت من حديث المسور ومروان السابق دون ما في آخره.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٢٧ - ٢٢٨.
[ ١١٩ ]