نحر النبي ﷺ وأصحابه في هذه العمرة سبعين بدنة، فقد ورد التصريح بذلك في حديث جابر، وحديث أنس بن مالك، وحديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم التالية:
(١٣٨) قال الدارمي: أخبرنا يعلى١ ثنا سفيان٢ عن أبي الزبير٣ عن جابر قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة البدنة عن سبعة، فقال رسول الله ﷺ: "اشتركوا في الهدي"٤.
وأخرجه ابن حبان٥ من طريق عبد الرحمن٦ بن مهدي عن سفيان به، فذكر نحوه
_________________
(١) ١ يعلى بن عبيد بن أمية الكوفي، أبو يوسف الطنافسي ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، مات سنة بضع ومائتين وله تسعون سنة: ع. تقريب: ٣٨٧. ٢ هو: سفيان بن سعيد الثوري. ٣ هو: محمد بن مسلم بن تدرس. ٤ سنن الدارمي ٢/٧٨. ٥ موارد الظمآن: ٢٤٣. ٦ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين: ع. تقريب: ٢١٠.
[ ٢٢٥ ]
خرجه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن مهدي ويعلى بن عبيد ويحيى بن آدم كلهم عن سفيان به١.
وأخرجه ابن سعد٢ عن محمد٣ بن عبد الله الأسدي عن سفيان به، فذكره بنحوه.
وأخرجه أحمد من طريق أبي الزبير بسياق آخر:
(١٣٩) قال: حدثنا سليمان٤ بن داود ثنا عبد الرحمن٥ بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر: فذكر قصة بيعة العقبة ثم قصة بيعة الحديبية، وقال: نحرنا يومئذ سبعين من البدن لكل سبعة جزور"٦.
وأخرجه من طريق أبي سفيان عن جابر ﵁:
قال: حدثنا أبو معاوية٧، ثنا الأعمش٨ عن أبي سفيان٩ عن جابر قال: ساق رسول الله ﷺ عام الحديبية سبعين بدنة، قال فنحر البدنة عن سبعة١٠.
وأخرجه ابن سعد١١ عن أبي معاوية الضرير ومحمد١٢ بن عبيد، كلاهما عن الأعمش به فذكر نحوه، وزاد محمد بن عبيد في حديثه: "وكنا يومئذ ألفًا وأربعمائة ومن لم يضح يومئذ أكثر ممن ضحى".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ٢/٢٤٤. ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٣ محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، مات سنة ثلاث ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٤. ٤ سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس أبو أيوب البغدادي الهاشمي الفقيه ثقة جليل قال أحمد بن حنبل: يصلح للخلافة، مات سنة تسع عشرة ومائتين: عخ الأربعة. تقريب: ١٣٣ ٥ عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، مولى قريش، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا، ولي خراج المدينة فحمد، مات سنة أربع وسبعين ومائة وله أربع وسبعون سنة: خت، م، الأربعة: تقريب: ٢٠١. ٦ مسند أحمد ٣/٣٩٦. ٧ محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي، ثقة عمي وهو صغير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره، مات سنة خمس وتسعين ومائة وله اثنتان وثمانون، وقد رمي بالإرجاء: ع. تقريب: ٢٩٥. ٨ هو: سليمان بن مهران. ٩ هو: طلحة بن نافع. ١٠ مسند أحمد ٣/٣١٦. ١١ الطبقات الكبرى ٢/١٠٢. ١٢ محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي، الكوفي ثقة يحفظ، مات سنة أربع ومائتين: ع. تقريب: ٣١٠.
[ ٢٢٦ ]
وأخرجه أحمد أيضًا من طريق سليمان بن قيس اليشكري عن جابر ﵁:
قال: حدثنا عفان١ حدثنا أبو عوانة٢ حدثنا أبو بشر٣ عن سلميان٤ بن قيس عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة"٥.
وأخرجه ابن سعد٦ عن عفان به فذكره بمثله.
وأخرجه٧ عبد بن حميد عن أبي الوليد٨ عن أبي عوانة به فذكره بمثله.
حديث جابر هذا حسن بمجموع طرقه.
فطريق أبي الزبير عند الدارمي فيه يعلى بن عبيد قال ابن حجر: حديثه عن سفيان الثوري فيه لين، وتابعه محمد بن عبد الله الأسدي عند ابن سعد، ويقول ابن حجر فيه أيضًا: قد يخطئ في حديثه عن سفيان لكن تابعهما عبد الرحمن بن مهدي عند ابن حبان وهو ثقة ثبت.
وفي هذا السند أيضًا لم يصرح أبو الزبير بالسماع من جابر، وهو مدلس٩، ولكن تابعه في الطريق الثاني عند أحمد وابن سعد وأبو سفيان عن جابر. وأبو سفيان أيضًا لم يصرح بالسماع وهو مدلس١٠، لكن روايته تجبر رواية أبي الزبير، وتدل على أن للحديث أصلًا.
_________________
(١) ١ عفان بن مسلم الباهلي. ٢ وضاح - بتشديد المعجمة ثم مهملة - ابن عبد الله اليشكري - بالمعجمة - الواسطي البزار أبو عوانة مشهور بكنيته، ثقة ثبت، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومائة: ع. تقريب: ٣٦٩. ٣ جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وحشية - بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، مات سنة خمس، وقيل سنة ست وعشرين ومائة: ع. تقريب: ٥٥. ٤ سليمان بن قيس اليشكري - بفتح التحتانية بعدها معجمة - البصري ثقة، مات قديمًا قبل الثمانين: ت، ق. تقريب: ١٣٥. ٥ مسند أحمد ٣/٣٥٣، ٣٦٤. ٦ الطبقات الكبرة ٢/١٠٣. ٧ مسند عبد بن حميد ٢/ لوحة: ١٤٢. ٨ هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري ثقة ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون: ع. تقريب: ٣٦٤. ٩ انظر: جامع التحصيل: ١٢٦، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣٢. ١٠ انظر: جامع التحصيل: ١٣٠، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢٣، ٢٨.
[ ٢٢٧ ]
قال ابن حجر: "ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس، صار حديثهما حسنًا لا لذاته، بل بالمجموع"١.
أما طريق سليمان بن قيس اليشكري عند أحمد، فهو منقطع، لأن أبا بشر لم يسمع من سليمان، قاله البخاري٢.
ويشهد لحديث جابر أيضًا حديث أنس بن مالك عند ابن سعد:
(١٤٠) قال ابن سعد: أخبرنا محمد٣ بن عبد الله الأنصاري أخبرنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك: أنهم نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة عن كل سبعة بدنة٤.
هذا الحديث في سنده ابن أبي عروبة٥ وقتادة٦ لم يصرح واحد منهما بالسماع، وهما مدلسان لكن كل منهما في هذا الإسناد ثبت فيمن يروي عنه.
فابن أبي عروبة يروي عن قتادة وهو من أثبت أصحاب قتادة فيه، قاله٧ ابن أبي خيثمة، وأبو حاتم، وأبو رزعة، وكذلك قتادة قال: أبو حاتم٨ أثبت أصحاب أنس الزهري ثم قتادة.
ويشهد له حديث جابر السابق، فالحديث حسن إن شاء الله.
وتحديد الهدي بسبعمائة جاء أيضًا في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق عند أحمد وغيره:
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق عن الزهري محمد
_________________
(١) ١ نخبة الفكر ص: ٥١ - ٥٢ مع نزهة النظر. ٢ التاريخ الكبير ٢/٢/٣١، تهذيب التهذيب ٤/٢١٤. ٣ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، مات سنة خمس عشرة ومائتين: ع. تقريب: ٣٠٦. ٤ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٥ انظر: جامع التحصيل: ١٢١، طبقات المدلسين لابن حجر: ٢١. ٦ انظر: جامع التحصيل: ١٢٤، ١٣٠، وطبقات المدلسين لابن حجر: ٣١. ٧ تهذيب التهذيب ٤/٦٣ - ٦٤. ٨ م، السابق ٨/٣٥٥.
[ ٢٢٨ ]
بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور١ بن مخرمة ومروان٢ بن الحكم قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة "٣.
وأخرجه الدارقطني من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به مختصرًا ولفظه: "أن النبي ﷺ ساق يوم الحديبية سبعين بدنة عن سبعمائة رجل"٤.
وأخرجه البيهقي٥ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الزهري به، فذكره بمثل لفظ أحمد.
سند هذا الحديث حسن فقد صرح ابن إسحاق بالسماع من الزهري في رواية البيهقي، وتقدم الكلام على الحديث.
ويلاحظ أن ابن إسحاق قال: "وكان الناس سبعمائة رجل" وهذا مخالف لما ثبت في الصحيح عن عدد أصحاب الحديبية، وتقدم الكلام٦ عنه فليراجع.
وقال ابن إسحاق أيضًا: "فكانت كل بدنة عن عشرة"، وهذا مغاير لما تقدم "في حديث جابر وأنس من أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن سبعة، ويؤيد ما في حديث جابر وأنس ما ورد عند مسلم عن جابر:
(١٤١) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مالك ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: "نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" ٧.
_________________
(١) ١ المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد المناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين: ع. تقريب: ٣٣٧. ٢ مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا يثبت له صحبة: خ، الأربعة. تقريب: ٣٣٢. ٣ مسند أحمد ٤/٣٢٤ وتقدم سنده مع طرف من أوله برقم (٣٦) . ٤ سنن الدارقطني ٢/٢٤٣. ٥ السنن الكبرى ٥/٢٣٥. ٦ انظر ص: ٨٧ وما بعدها. ٧ صحيح مسلم، كتاب الحج: ٣٥٠.
[ ٢٢٩ ]
وهو في الموطأ١ بهذا اللفظ.
وأخرجه أبو داود٢ عن القعنبي عن مالك به مثله.
وأخرجه الترمذي٣ عن قتيبة عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن ماجه٤ من طريق عبد الرزاق عن مالك به مثله.
وأخرجه أحمد٥ عن عبد الرزاق وروح كلاهما عن مالك به مثله.
وأخرجه ابن سعد٦ عن إسحاق بن عيسى عن مالك به مثله.
وأخرجه البيهقي٧ من طريق قتيبة عن مالك به مثله.
فهذا الحديث في مسلم وغيره وقد نص على أن الصحابة رضوان الله عليهم في الحديبية نحروا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، وكذلك حديث جابر وأنس السابقان ورد فيهما أنهم نحروا البدنة عن سبعة والتعارض بين هذه الأحاديث وما في حديث ابن إسحاق ظاهر، وابن إسحاق قد تفرد بذكر البدنة عن عشرة.
قال البيهقي٨: "وأما ما في حديث الزهري عن عروة فإن محمد بن إسحاق بن يسار تفرد بذكر البدنة عن عشرة فيه".
وقد ذكر البيهقي رواية معلقة عن سفيان تفيد أنهم نحروا في الحديبية البدنة عن عشرة، أوردها بصيغة التمريض: قال: "وقد روي عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال: "نحرنا يوم الحديبية البدنة عن عشرة"٩.
ثم تعقبها بقوله: "ولا أحسبه إلا وهمًا، فقد رواه الفريابي عن الثوري وقال: البدنة عن سبعة"١٠.
_________________
(١) ١ موطأ مالك، كتاب الضحايا: ٩. ٢ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الضحايا: ٢٨٠٩. ٣ سنن الترمذي، كتاب الأضاحي: ١٥٠٢. ٤ سنن ابن ماجه، كتاب الأضاحي: ٣١٣٢. ٥ مسند أحمد ٣/٢٩٣. ٦ الطبقات الكبرى: ٢/١٠٣. ٧ السنن الكبرى ٥/٢١٦. ٨ السنن الكبرى ٥/٢٣٦. ٩ السنن الكبرى ٥/٢٣٦. ١٠ السنن الكبرى ٥/٢٣٦.
[ ٢٣٠ ]
قلت: نعم، المحفوظ من رواية سفيان "البدنة عن سبعة" فقد أخرجها الدارمي١ عن يعلى بن عبيد وابن حبان٢ من طريق ابن مهدي، وابن سعد٣ عن محمد بن عبد الأسدي، كلهم عن سفيان، وفيها "البدنة عن سبعة"٤.
وقد حاول ابن خزيمة التوفيق بين حديث جابر ورواية ابن إسحاق من حديث المسور ومروان حيث قال: فقول جابر: "اشتركنا في الجزور سبعة وفي البقرة سبعة" يريد بعض أهل الحديبية، وخبر المسور ومروان: "اشترك عشرة في بدنة" أي سبعمائة وهم نصف أهل الحديبية لا كلهم"٥.
قلت: هذا الجمع يتجه لو كان الهدي الذي ساقوه في غزوة الحديبية أكثر من سبعين بدنة، لكن نصت رواية ابن إسحاق هذه وحديث جابر وحديث أنس السابقان على أن النبي ﷺ إنما ساق سبعين بدنة فقط، وأما ما ورد في حديث سلمة بن الأكوع: "أن النبي ﷺ نحر في الحديبية مائة بدنة"٦ فهو ضعيف.
والتحقيق: أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا بالحديبية البدنة عن سبعة، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، أما رواية ابن إسحاق فهي شاذة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي ٢/٧٨. ٢ موارد الظمآن: ٢٤٣. ٣ الطبقات الكبرى ٢/١٠٣. ٤ انظر حديث رقم (١٣٨) . ٥ صحيح ابن خزيمة ٤/٢٩١. ٦ انظر حديث سلمة بن الأكوع برقم (٣٣) .
[ ٢٣١ ]