جاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير حين دفعه رسول الله ﷺ إلى رسولي قريش، قتل واحدًا منهما، ولم يضمن النبي ﷺ ذلك، ولا ضمنه أبو بصير١.
ولذلك قال ابن القيم: "إن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه، فقتل أحدًا منهم، لم يضمنه بدية، ولا قود، ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه"٢ اهـ.
قلت: هذه المسألة فيها قضيتان:
الأولى: ضمان الجاني.
الثانية: ضمان الإمام.
فبالنسبة للجاني يرى ابن القيم أنه لا ضمان عليه، ولم يذكر تعليلًا لذلك.
وأما السهيلي: فيرى ارتفاع الحرج عنه فقط، ويعلل ذلك بأمرين هما:
١ - أن النبي ﷺ لم يثرب على أبي بصير بل مدحه حيث قال: "ويل أمه محش حرب".
٢ - أنه دافع عن نفسه ودينه: قال: "ومن قتل دون دينه فهو شهيد" اهـ.
أما الضمان فإنه يلزمه عند السهيلي كما هو مفهوم كلامه حيث قال: "وإنما لم يطالبه رسول الله ﷺ بدية، لأن أولياء المقتول لم يطالبوه إما لأنهم قد أسلموا، وإما لأن الله شغلهم عن ذلك حتى انتكث العهد وجاء الفتح"٣.
قلت: بل طالب أولياء المشرك الذي قتله أبو بصير بدية صاحبهم.
قال ابن إسحاق: "فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣٢٨. ٢ زاد المعاد ٣/٣٠٨. ٣ الروض الأنف ٦/٤٩٤.
[ ٢٨٧ ]
أسند ظهره إلى الكعبة" ثم قال: "والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل"، فقال أبو سفيان بن حرب: "والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى (ثلاثًا) " ١.
ونقله ابن حجر عن ابن إسحاق وفيه: فقال أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك؛ لأنه وفّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره ولا على آل أبي بصير شيء أيضًا، لأنه ليس على دينهم٢ ا. هـ
فالتحقيق أنه لا ضمان على القاتل في هذه الحالة بدية، ولا قود، لأنهم أهل حرب بالنسبة له لا أهل عهد وذمة.
قال ابن حجر: ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرًا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش، لأنه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة٣ ا. هـ
والقضية الثانية من المسألة:
هل على الإمام ضمان في مثل ما فعل أبو بصير؟
ذكر ابن القيم أنه لا ضمان عليه وعلل ذلك: بأنه سلمه لهم ولم يعد تحت يده وحكمه.
وظاهر كلام السهيلي أيضًا أنه لا ضمان على الإمام٤.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٤. ٢ فتح الباري ٥/٣٥١. ٣ فتح الباري ٥/٣٥١. ٤ الروض الأنف ٦/٤٩٤.
[ ٢٨٨ ]