جاء في حديث البراء ﵁ عند البخاري: "فأخذ النبي ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"١.
فأخذ أبو الوليد الباجي بظاهر هذه الرواية، وقال: "إن رسول الله ﷺ كتب حقيقة"٢، وقد أنكر عليه ذلك علماء عصره ورموه بالزندقة.
قال ابن حجر تعليقًا على الرواية السابقة: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن رسول الله ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (١٠٣) . ٢ حكاه القاضي عياض، وذكر أن الباجي ألف في ذلك رساله سماها تحقيق المذهب من أن رسول الله ﷺ قد كتب. ترتيب المدارك ٤/٨٠٥.
[ ٢٩٦ ]
عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال: إن رسول الله قد كتبا١
بل حكى القاضي عياض: "أن الفقيه أبا بكر الصائغ قد كفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ "النبي الأمي" وأنه تكذيب بالقرآن٢.
وقد بلغ خبر أبي الوليد إلى أمير وطنه، وجرت بحضرته مناظرة بين أبي الوليد وبعض العلماء الذين أنكروا عليه قوله، فذكر ابن حجر: أن الباجي تغلب عليهم بما لديه من المعرفة حيث ادعى أن كتابة النبي ﷺ في ذلك الوقت لا تنافي القرآن بل تؤخذ من مفهومه لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ وبعد أن تحققت أميته وتقررت معجزته وأمن من الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى٣ ا. هـ
وقد كتب الأمير في المسألة إلى أفريقية وصقلية برغبة الباجي في ذلك، فجاءته الأجوبة من هناك، كان في بعضها تصويب لرأيه، وفي بعضها رد عليه.
وممن صوب رأيه: ابن الخزاز.
وكان ممن رد عليه الزاهد أبو محمد بن مفوز ألف في ذلك جزءًا٤.
وقد وافق الباجي في قوله جماعة منهم: أبو ذر أحمد بن عبد الله الهروي، والسمناني، وأبو الفتح النيسابوري٥.
وقد استدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يلي:
١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥٠٣، وانظر نفح الطيب ٢/٦٨. ٢ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥. ٣ فتح الباري ٧/٥٠٣. ٤ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥-٨٠٦، تاريخ قضاة قرطبة: ٢٠٢. ٥ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢، فتح الباري ٧/٥٠٣، والخصائص الكبرى ٣/٢٧٢.
[ ٢٩٧ ]
وقال مجاهد: "فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك"١.
وذكر السيوطي أن سند هذا الحديث ضعيف، وحكى عنه الطبراني أنه قال: هذا حديث منكر٢.
٢ - واستدلوا بما ورد من طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن ابن الحنظلية أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها، فقال: "قد كتب لك بما أمر لك".
قال يونس: "فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه"٣.
وحكى القرطبي عن ابن عطية: "أنه ذكر هذا الحديث والذي قبله ثم قال: هذا كله ضعيف وقول الباجي منه"٤.
٣ - واستدلوا أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لكاتبه: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك" ٥.
٤ - وربما روي أنه ﷺ قال لمعاوية: "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم" ٦.
وقد ذكر ابن حجر هذين الحديثين مع الحديثين السابقين ثم قال: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث٧.
وبهذا نرى أن الأدلة التي استند إليها القائلون بأن رسول الله ﷺ قد كتب واهية كلها، لا يعتمد عليها، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير.
أما حديث البراء في قصة الحديبية، فذكر ابن حجر: أن الجمهور أجابوا عنه: بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي، وقد صرح في حديث المسور بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب" لبيان قوله: "أرني إياها"، أنه ما احتاج
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/ ٥٠٤، الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠. ٢ الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠. ٣ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٤ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢. ٥ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٦ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٧ م السابق.
[ ٢٩٨ ]
أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي عن محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى.
وذكر ابن حجر جوابًا ثانيًا فقال: "وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوير بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثير من الملوك"١.
وحكى عن السمناني وابن الجوزي جوابًا آخر وهو: "أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا"٢.
وقد مال ابن خلدون إلى هذا حيث قال: "ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب، فإنها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من أن كتابته قادحة في المعجزة، فهو باطل؛ لأن هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف وقوانين الخط وأشكالها، بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة خاصة من إحدى المعجزات"٣.
وقد تعقب السهيلي هذا الجواب فقال: "وقد ظن بعض الناس أنه كتب بيده"، وفي البخاري: "أنه كتب بيده وهو لا يحسن يكتب" فتوهم أن الله قد أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصة، قال: وهي آية.
فيقال له: كانت تكون آية لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهو كونه أميًا لا يكتب وبكونه أميًا في أمة أمية، قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله يده لتكون آية؟ وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، وإنما معنى كتب: أي: أمر أن يكتب٤ اهـ.
وقد تعقب ابن حجر كلام السهيلي فقال: "وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير"٥ اهـ.
قلت: ما قاله السهيلي وجيه لا نظر فيه، وكان يمكن أن يقال إن كتابة اسمه الشريف
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٢ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٣ تاريخ ابن خلدون ٢/٢٢١. ٤ الروض الأنف ٦/٤٨٥-٤٨٦. ٥ فتح الباري ٧/٥٠٤.
[ ٢٩٩ ]
على تلك الصورة لا تنافي الأمية إلا أن الله قد نفى عنه الكتابة بيده، بخصوصها وأخبر أن ذلك لو حصل لأدى إلى ريب في قلوب المبطلين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١، ولو قلنا إنه كتب حقيقة لحصل ذلك الارتياب في قلوب المبطلين بل قد حصل شيء من ذلك فعلًا وجعل بعض المتربصين هذه الرواية ذريعة للوصول إلى أهدافهم المشبوهة٢.
فالراجح هو ما أجاب به الجمهور من أن المراد من قوله "كتب" أي أمر عليًا بالكتابة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٤٨. ٢ انظر الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر: ١٢٨.
[ ٣٠٠ ]