المبحث الخامس: رعاية الله للجماعة المؤمنة:
يشعر القارئ لهذه الغزوة أن عناية الله ورعايته كانت تحوط المؤمنين وتلازمهم ملازمة ظاهرة، فحينما قدم المسلمون لهذه الغزوة - وكانوا عازمين على دخول مكة لأداء عمرتهم - حبس الله ناقة رسول الله ﷺ بالحديبية فكان ذلك الصلح العظيم.
ولما وجد الصحابة رضوان الله عليهم في نفوسهم من الصلح - بسبب شروط قريش - أنزل الله سورة الفتح فسرى بها عن أنفسهم وبشرهم بأن الصلح فتح مبين.
وعندما قدم بعض المهاجرات فرارًا بدينهن من فتنة قريش أرسلت قريش في ردهن فأنزل الله آية الامتحان، تنهى المؤمنين عن ردهن إلى الكفار.
وقد أبرزت سورة الفتح جوانب كثيرة من مظاهر رعاية الله للمؤمنين في تلك الغزوة.
فهل يا ترى هذه الرعاية - التي أولاها الله رسوله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم - كانت خاصة بهم، أم أن هناك أسبابًا بذلوها فأهلتهم لتلك الرعاية من الله سبحانه؟
إن الله ﷾ قد بين في كتابه المؤهلات لرعايته وعنايته فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٤.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥.
فهذه الصفات قد توافرت في الصحابة رضوان الله عليهم فنالوا تلك الرعاية والعناية من الله، ومتى توافرت في شخص أو أمة في كل زمان ومكان فإن رعاية الله سوف تتنزل عليهم، لأن الله قد وعد بذلك ووعده الحق.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ١٢٨. ٢ سورة الأعراف آية: ٥٦. ٣ سورة الطلاق آية: ٢. ٤ سورة الطلاق آية: ٣. ٥ سورة العنكبوت آية: ٦٩.
[ ٣٠٨ ]
الخاتمة
بعد أن أتممت هذا البحث - بعون الله وتوفيقه - أحب أن أشير في الختام إلى أبرز النتائج التي توصلت إليها فيه.
فأقول وبالله التوفيق:
قسمت البحث إلى أربعة أبواب وقد حصرت المرويات في الثلاثة الأبواب الأولى منه، وجعلت الباب الأخير لفقه المرويات.
أ - وكانت أبرز نتائج الباب الأول هي:
(١) بيان أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: "غزوة الحديبية" مع ذكر المرجحات لذلك.
(٢) بيان الصواب في تسمية الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عينًا إلى مكة.
(٣) إضافة قصة "غيقة" إلى هذه الغزوة، ولم يذكرها قبل أحد ممن كتب في المغازي - حسب علمي - ولم تذكر في جملة السرايا كذلك.
(٤) ترجيح أن صلاة الخوف المذكورة في حديث أبي عياش الزرقي كانت في غزوة الحديبية وبيان أنها أول صلاة وقعت في الخوف.
(٥) هناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، أوردها بعض العلماء على ما في حديث أبي عياش والظاهر مغايرتها له.
ب - وأبرز نتائج الباب الثاني:
(١) بيان أن بديل بن ورقاء لم يكن رسولًا لأي من الفريقين.
(٢) ترجيح أن عروة بن مسعود الثقفي إنما أسلم في السنة التاسعة.
(٣) بيان الراجح في تسمية أول من بايع بيعة الرضوان.
(٤) توضيح أسباب الصلح وبيان أنها مشتركة بين الطرفين.
(٥) بيان أن المسلمين لم يردوا إخوانهم إلى قريش إلا وفاء بالعهد، وأن عدم ردهم للمهاجرات لم يكن إخلالًا بالعهد.
[ ٣٠٩ ]
(٦) بيان أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة وليس أبا بصير.
جـ - وأبرز نتائج الباب الثالث:
(١) بيان أن نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية كان في غزوة خيبر، لا في غزوة الحديبية.
(٢) ترجيح أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا البدنة - في الحديبية - عن سبعة فقط.
(٣) ترجيح أن الصحابة نحروا بعض الهدي في الحل، وبعضه في الحرم.
(٤) ترجيح أن نوم المسلمين عن صلاة الصبح حصل في أكثر من غزوة، منها غزوة الحديبية.
(٥) بيان أن معجزة النبي ﷺ في تكثير الماء - في غزوة الحديبية - وقعت مرتين:
الأولى: حال نزولهم الحديبية.
الثانية: في طريق عودتهم.
(٦) ذكر أهم نتائج الغزوة وتشتمل: آثار صلح الحديبية، وما حصل للمسلمين بسبب هذه الغزوة من مغانم أخروية مثل رضا الله عنهم، وتبشير الرسول ﷺ لهم بالجنة والنجاة من النار، ومغانم دنيوية مثل: إحرازهم غنائم خيبر، وما شرع لهم في هذه الغزوة من رخص وأحكام.
د - وأما الباب الرابع فكان في فقه المرويات:
وتضمن أحكامًا في الجهاد والعقيدة وردت في الغزوة، وبعض الدروس، والعبر المستقاة منها.
و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ..
[ ٣١٠ ]