المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟
صرحت بعض الروايات بأن رسول الله ﷺ وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضًا أنه ﷺ نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية ﵁ أن رسول الله ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠
[ ٢٣٦ ]
قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية "١.
وقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا"٢.
وأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: "وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم "٣.
وقد جاء في حديث المسور أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل:
(١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: "أن رسول الله ﷺ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم"٧.
وهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكن صحح له ابن الجوزي حديثًا تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحدًا طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضًا ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ١٧٠١، وتقدم برقم (٨) . ٢ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٧، وسيأتي تخريجه حديث رقم (١٥٥) . ٣ السنن الكبرى ٥/٢١٧. ٤ هو: أبو إسحاق بن أبي داود سليمان بن داود البُرلُّسي، الأسدي، وعنه أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وكان حافظًا ثقة، مات بمصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ويعرف بابن أبي داود. وذكره ابن يونس وقال: كان ثقة من حفاظ الحديث. معجم البلدان ١/٤٠٢. ٥ سفيان بن بشر الكوفي، ابن أيمن بن غالب الأسدي، أبو الحسن الكوفي عن شريك وعنه ابن أبي داود، قال ابن يونس في الغرباء قدم مصر وحدث بها، وتوفي بمصر في شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين. مباني الأخبار، لوحة: ٢٢٣. ٦ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون المهملة - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥. ٧ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢. ٨ التعليق المغني على الدارقطني ٢/١٩٤، مع سنن الدارقطني.
[ ٢٣٧ ]
ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم" ٢.
وقد ورد عن عطاء أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحرم:
(١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: "أن منزل النبي ﷺ يوم الحديبية في الحرم"٤.
لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق.
وإذا تقرر أن النبي ﷺ كان نازلًا في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه:
جاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي "أن أصحاب رسول الله ﷺ ذبحوا هديهم في أمكنتهم".
وهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي ﷺ منها وهو في الحل، والله أعلم.
ويدل لذلك أيضًا أثر مجاهد عند البيهقي:
(١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: "اعتمر رسول الله ﷺ ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله ﷺ أهل مكة فصالحوه على
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٣٢٦. ٢ السنن الكبرى ٥/٢١٥. ٣ هو: حماد بن سلمة. ٤ الجوهر النقي ٥/٢١٧ مع السنن الكبرى للبيهقي. ٥ هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. ٦ أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن إسحاق الصنعاني، روى عنه أحمد بن الفرج بن الحجاج، وذكر ابن الثلاج أنه سمع منه في سنة خمس وعشرين وثلثمائة. تاريخ بغداد ٤/٩٠. ٧ محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم أبو العباس الأصم، وكان يكره أن يقال له الأصم، قال الحاكم وهو محدث عصره بلا مدافعة، وقال: حدث في الإسلام ستًا وسبعين سنة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعه ووصفه الذهبي بالإمام المفيد الثقة محدث المشرق. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠. ٨ عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني - بالسكون - المرهبي، أبو ذر الكوفي ثقة، رمي بالإرجاء، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك: خ، د، ت، س، فق، التقريب: ٢٥٣.
[ ٢٣٨ ]
أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله ﷺ الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١.
وهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق.
وقد أشار إلى أن رسول الله ﷺ نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد:
(١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله ﷺ وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحًا عاصفًا٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦.
هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي ﷺ لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي ﷺ نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم.
وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي ﷺ نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، والحرم كله محله عند أهل العلم٧.
وقد أخرج النسائي حديثًا لناجية بن جندب يفيد أن النبي ﷺ أرسله بالهدي فنحره في الحرم.
(١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال:
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٥/٣١٧. ٢ إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس أخطأ في أحاديث من حفظه، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٣٤. ٣ هو: يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، مقبول من الرابعة. د. تقريب: ٣٨٧، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين. الثقات ٧/٦٤٢. ٤ صدر: الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده. النهاية ٣/١٥. ٥ ريح عاصف: شديد الهبوب. النهاية ٣/٢٤٨. ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٠٤. ٧ الأم ٢/١٥٩. ٨ أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وستين ومائتين: س. تقريب: ١٣.
[ ٢٣٩ ]
أنا إسرائيل١ عن مجزأة٢ قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي ﷺ حين صد الهدي فقال: يا رسول الله ابعث به معي فأنا أنحره في الحرم، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه رسول الله ﷺ إليه فانطلق به حتى نحره في الحرم٣.
وأخرجه أبو نعيم٤ من طريق عمرو بن محمد العنقري عن إسرائيل به نحوه.
وأخرجه الطحاوي من طريق مخول٥ بن راشد به قال: أتيت النبي ﷺ حين صد الهدي فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف تأخذ به؟ قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علي فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم٦.
سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيحين، ما عدا شيخ النسائي أحمد بن سليمان وقال عنه ابن حجر: ثقة حافظ.
وهذا الحديث يشهد للروايات السابقة من وجه ويخالفها من وجه:
فمفهوم الحديث يفيد أن رسول الله ﷺ كان نازلًا في الحل، وهذا يؤيد الروايات السابقة، ومنطوق الحديث يفيد أنهم نحروا الهدي في الحرم، وهذا يخالف الروايات السابقة ظاهرًا، لكن يجمع بينها بأن الرسول ﷺ بعث مع ناجية بعض الهدي لا كله، وظاهر كلام٧ ابن حجر على هذا الجمع ويؤيده أيضًا ما روي عن جابر أن النبي ﷺ بعث من هديه بعشرين بدنة، عند المروة مع رجل من أسلم٨.
_________________
(١) ١ هو: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. ٢ مجزأة - بفتح أوله وسكون الجيم وفتح الزاي بعدها همزة مفتوحة - ابن زاهر الأسلمي الكوفي ثقة، من الرابعة: خ، م، س. تقريب: ٣٢٩. ٣ السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ٥٤. ٤ معرفة الصحابة ٢/ لوحة: ٢٢٤. ٥ مخول - بوزن محمد - وقيل بكسر أوله وتخفيف الواو - ابن راشد أبو راشد بن أبي مجالد النهدي الكوفي الحناط - بمهملة ونون - ثقة، نسب إلى التشيع، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣١. ٦ شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢. ٧ فتح الباري ٤/١١. ٨ ذكره الواقدي، المغازي ٢/٦١٥، وذكره الزرقاني وعزاه لابن سعد دون إسناد، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢٠٩، ولم أجده في طبقات ابن سعد.
[ ٢٤٠ ]