الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول حفر الخندق
إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه ﷺ وذلك لما يلي:
(أ) لتأليف قلوب أصحابه.
(ب) وليقتدي به من بعده.
(جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك١.
وغالبًا ما يفعل ذلك في الحروب تطييبًا لقلوبهم وأخذًا بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطًا لهم فيما يفعلونه٢.
لذلك قال تعالى مخالطبًا رسوله ﷺ وممتنًا عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ السياسة الشرعية ١٣٤. ٢ تفسير القرآن العظيم ١/٤٢٠، عارضة الأحوذي ٧/٢٠٨. ٣ سورة آل عمران الآية ١٥٩.
[ ١٣٣ ]
حدث ذلك أولًا في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولًا: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان٣ ثنا عثمان الغطفاني٤ ثنا محمد بن عمرو٥
_________________
(١) ١ أي غزوة أحد. ٢ هو أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري البزار (أبو بكر) محدث فقيه. ولد سنة ٢١٠هـ. وارتحل في الشيخوخة ناشرًا لحديثه فحدث بأصبهان عن الكبار وببغداد ومصر ومكة والرملة. وأدركه أجله فمات سنة ٢٩٧هـ. من تصانيفه شرح موطأ مالك والمسند. انظر: تاريخ بغداد ٤/٣٣٤، السير ١٣/٥٥٤. ٣ عقبة بن سنان بن عقبة بن سنان بن سعد بن جابر بن محمد بن محصن الهدادي بفتح هاء وخفة دال كما في المغني صفحة ٨٤. بصري. روى عن غسان بن مضر وعثمان بن عفان الفطفاني. سمع منه أبي في الرحلة الثالثة ثنا عبد الرحمن قال: "سئل أبي عنه فقال: صدوق". الجرح والتعديل ٦/٣١١. ٤ عثمان بن عثمان الغطفاني أبو عمرو القاضي البصري صدوق ربما وهم من الثامنة. روى له (م د س) . انظر: التقريب٢٣٥. ٥ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام من السادسة ثبت. مات سنة خمس وأربعين ومائة على الصحيح. روى له (ع) . التقريب ٣١٣.
[ ١٣٤ ]
عن أبي سلمة١ عن أبي هريرة٢ قال: "جاء الحارث الغطفاني٣ إلى رسول الله ﷺ" فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة٤ وإلا ملأناها عليك٥ خيلًا ورجالًا" فقال: "حتى استأمر٦ السعود سعد بن عبادة٧ وسعد بن معاذ
_________________
(١) ١ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة. مات سنة ٩٤، وقيل بعدها. وكان مولده بضع وعشرون. روى له (ع) . التقريب ٤٠٩. ٢ أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه فقيل عبد الرحمن بن صخر وقيل غير ذلك. التقريب ٤٣١، التهذيب ١٢/٢٦٢، أسد الغابة ٥/٣١٥. ٣ قائدة بني مرة وسيأتي فيما بعد. ٤ بالمثناة الفوقية وهو التمر المعروف وفي بعض المراجع - ثمر- بالمثلثة وهي تعم التمر وغيره. انظر في ذلك البداية والنهاية ٤/١٠٤، أسد الغابة ٢/٢٨٤. ٥ في مجمع الزوائد ٦/١٣٢ ملأتها. ٦ بمعنى استشر والسعود جمع سعد وهو هنا يريد السعدين بن معاذ وابن عبادة واستشارته ﷺ لهما يدل على فضلهما لدى رسول الله ﷺ ولدى قومهما لذلك قال ابن الأثير عند ترجمة سعد بن عبادة: جاء الخبر أن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف مخالف. قال فظنت قريش أنه يعني سعد بن زيد مناة بن تميم وسعد هذيم من قضاعة فسمعوا الليلة الثانية قائلًا. يا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزر جيين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدي وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف ٧ هو سعد بن عبادة بن سليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي. أحد النقباء واحد الأجواد، ووقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرًا والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فلدغته حية، ذكر ذلك ابن سعد وقيل: إن الرسول ﷺ رده لاستنابته على المدينة فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة وممن ذكره فيمن شهد بدرًا عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني. قال ابن كثير: "وقد وقع في صحيح مسلم ما يشهد لذلك ثم" قال: "والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ". الطبقات الكبرى ٣/٦١٤، وأسد الغابة ٢/٢٨٣، البداية والنهاية ٣/٣١٩، الإصابة ٢/٣٠.
[ ١٣٥ ]
يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية١ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:"
يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدرُ
إن تغدوا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
وأمانة النهدي حيث لقيتها مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢
_________________
(١) ١ الدّنيّة بتشديد التحتانية وهي الخصلة الحقيرة المذمومة من الدنو. مختار الصحاح ٢١٢. ٢ في البيت الأول - يا حار - وهو منادي مرخم حارث والبيت الأول موحد في أغلب الروايات إلا أن آخره في الديوان - لم يغدر - بكسر الراء وهو الأولى ليتناسب مع البيتين الآخرين. أما بالنسبة للثاني فهناك اختلاف لا يغير المعنى ففي الشطر الأول مثلًا من عاداتكم - في الديون - منكم شيمة وفي الشطر الأخير منه - واللؤم- في الديوان والغدر - وهو مكسور القافية والسخبر شجر تألفة الحيات فتكسن في أصوله. الواحدة سخبرة قال ابن الأثير وقد ورد ذلك في حديث ابن الزبير حيث قال لمعاوية: لا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السخبر، أما البيت الثالث فهو غير واضح المعنى لكن يوضحه ما جاء في أسد الغابة حيث قال: وأمانة المري ما استودعته) وقد بين ابن الأثير أن سبب هذه الأبيات غير السبب المذكور في الحديث وأنه حدث هذا عندما أرسل النبي ﷺ مع الحارث دعاة: يدعون قومه للإسلام فغدروا بهم فقال حسان هذه الأبيات قلت ولا يمنع أن تكون هذه الأبيات تكررت في الحادثين. انظر في كل ذلك: ديوان حسان ١/١٣٧، ٢/١٢٧، أسد الغابة ١/٣٤٣، الإصابة ١/٢٨٦، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩.
[ ١٣٦ ]
قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه".
قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة"١.
والحديث بهذا السند يعتبر حسنًا لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود٢ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ٣.
أما الهيثمي٤ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة
_________________
(١) ١ كشف الأستار ٢/٣٣٢، الإصابة ٢/٣٦. ٢ أسد الغابة ٢/٢٩٤. ٣ الإصابة ٢/٣٦. ٤ الهيثمي هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي - نور الدين أبو الحسن محدث حافظ وافق العراقي في السماع ولازمه وتوفي بالقاهرة في رمضان ٨٠٧هـ. من تصانيفه مجمع الزوائد، موارد الضمآن في زوائد ابن حبان، كشف الأستار عن زوائد البزار، الضوء اللامع للسخاوي ٥/٢٠٠.
[ ١٣٧ ]
قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا محمد شاطرنا تمر المدينة" فقال: "حتى استأمر السعد فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع١ وسعد بن خيثمة٢ بن مسعود٣ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يارسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟
_________________
(١) ١ سعد بن الربيع بن عمر بن أبي زهير بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي عقبى بدري نقيب كان أحد نقباء الأنصار قاله عروة وابن شهاب وابن عقبة وقد آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وقتل في أحد. أسد الغابة ٢/٢٧٧، الإصابة ٢/٢٦، الاستبصار ١١٤. وهناك سعد بن الربيع - رجل آخر ولكنه يعرف بابن الحنظلية قال فيه الحافظ قال أبو حاتم: "استشهد بأحد قال وفيه نظر ولعله أراد الذي قبله وأما هذا فذكر ابن سعد أنه شهد الخندق". انظر: الإصابة ٢/٢٧ عند ترجمته. ولكن بحثت في الطبقات لابن سعد فلم أجده لأن ابن سعد قد ذكر واحدًا بهذا الاسم وهو الذي قتل في أحد إلا أن يكون ذكره في غير الطبقات فالله أعلم. ٢ سعد بن خثيمة بن الحارث الأنصاري الأوسي يكني أبا خثيمة وهو عقبي بدري قتل في بدر. الاستبصار ٢٦٥، أسد الغابة ٢/٢٧٥. ٣ سعد بن مسعود الأنصاري قال ابن الأثير والحافظ: إنه شهد الخندق وأنه كان ضمن من استشارهم يومئذ. أسد الغابة ٢/٢٩٤ولكنه ذكر سعد بن خثيمة مع أنه ذكر قبل أنه قتل في بدر. انظر: الإصابة ٢/٣٦
[ ١٣٨ ]
فرأينا نتبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا. فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى فقال رسول الله ﷺ: "هو ذا تسمعون ما" يقولون. قالوا غدرت يا محمد".
فقال حسان١ بن ثابت ﵁:
يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدًا لا يغدرُ
وأمانة المري٢ حين لقيتها كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ
إن تغدروا فالغدر من عاداتكم واللؤم ينبت في أصول السخبرِ
ثم قال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني ورجالهما فيهم محمد بن عمرو حديثه حسن وبقية رجاله ثقات"٣.
_________________
(١) ١ حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بفتح المهملة والراء الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن أو أبو الوليد شاعر رسول الله ﷺ مشهور ت سنة أربع وخمسين وله مائة وعشرون سنة. وذلك في خلافة علي ﵁ وقد عاش ستين سنة في الجاهلية ومثلها في الإسلام. قال ابن الأثير وكذلك عاش أبوه ثابت وجده المنذر وأبو جده حرام عاش كل واحد منهم مائة عشرين سنة ولا يعرف في العرب مثلهم أربعة تناسلوا من صلب واحد عاش كل واحد منهم مائة وعشرين. وقد وهب له النبي ﷺ جاريته سيرين أخت مارية فولدت له عبد الرحمن بن حسان. أسد الغابة ٢/٤. ٢ يقصد الحارث بن عوف المري. ٣ مجمع الزاوئد ٦/١٣٢- ١٣٣. انظر: الإصابة ٢/٣٦.
[ ١٣٩ ]
وقد أشار إلى ذلك ابن حزم١ ألا أنه ذكر السعدين فقط٢ كما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مطولًا وأنه ﷺ بعث إلى السعدين بعد أن حصلت المراوضة٣ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح وأخيرًا تناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا٤.
أما ما جاء في الحديث السابق الذي ذكره الهيثمي وذكر فيه السعود٥ وساق خمسة منهم، فقد رجعت إلى تراجمهم فوجدت أن هناك تناقضا ظاهرًا حيث تدل الرواية التي ذكرها الهثيمي أنهم كانوا جميعًا ضمن الصحابة الذين حضروا الغزوة أما الحقيقة فهي تدل على أن سعد
_________________
(١) ١ جوامع السيرة ١٨٨. ٢ ابن معاذ وابن عبادة. ٣ المراوضة: هي ما يجري بين المتبابعين من الزيادة والنقصان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/٢٧٦. ٤ البداية والنهاية ٤/١٠٤. ٥ جاء ذكر السعود في شعر حسان حيث قال: أروني سعودًا كالسعود التي سمت بمكة من أولاد عمرو بن عامر أقاموا عماد الدين حتى تمكنت قواعده بالمرهفات البواترقال أبو جعفر بن حبيب أراد بالسعود سبعة وهم أربعة من الأوس وثلاثة من الخزرج. الإصابة ٢/٢٥.
[ ١٤٠ ]
بن الربيع مثلًا قد استشهد في غزوة أحد وقد ساق ابن الأثير حديثًا يدل على ذلك١ وقد تقدمت ترجمته.
أما سعد بن خيثمة فقد استشهد ببدر ذكر ذلك ابن إسحاق٢ وغيره.
أما سعد بن مسعود فقد ذكر الحافظ أن له ذكرًا في حديث الطبراني٣ المذكور ثم ساق الحديث إلى أن قال قال ابن الأثير في ذكر سعد بن خيثمة نظر لأنه استشهد ببدر. والخندق كانت بعدها بثلاث سنين، ثم قال لا يلزم من الغلط في سعد بن خيثمة الغلط في سعد بن مسعود فإن ثبت الخبر فهو من كبار الأنصار بحيث كان يستشار في ذلك الوقت٤.
وهكذا تمت هذه المشاروة مع السعدين كما جاء ذلك في حديث البزار الذي يعتبر أقوى حديث في الباب على ضوء إسناده٥.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٢/٢٧٨. ٢ السيرة النبوية ١/٦٩٠، أسد الغابة ٢/٢٧٥، الإصابة ٢/٣٦. ٣ تقدم في ص ١٣٨. ٤ الإصابة ٢/٣٦. ٥ تقدم وهو يعتبر حسنًا لذاته.
[ ١٤١ ]
ولم تتم تلك الصفقة التي كان يحلم بها الحارث بن عوف وعيينة بن حصن كما في بعض الروايات.
أما المشاورة الثانية الني حصلت في هذه الغزوة فقد حصلت عندما سمع النبي ﷺ ما أجمع عليه كفار قريش ومن تابعهم على المسير إلى المدينة فاستشار الصحابة ﵃ وتمخضت تلك المشاورة عن رأي سديد أدلى به سلمان١ ﵁ حيث أشار بحفر الخندق لكي يحول بين العدو وبين المدينة٢.
ولم يرد في ذلك حديث صحيح غير أن الطبري قال: "حدثت عن محمد بن عمر٣ قال كان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سلمان الفارسي أبو عبد الله يقال أنه مولى رسول الله ﷺ ويعرف بسلمان الخير كان أصله من فارس من رامهرمز من قرية يقال لها جئ، ويقال بل كان أصله من أصبهان قال ابن عبد البر وقد ذكرته في التمهيد وذكرت حديث إسلامه بتمامه وكان إذا قيل له ابن من أنت؟ قال أنا سلمان بن الإسلام من بني آدم وقد تخلف عن رسول الله ﷺ في بدر وأحد بسبب الرق فأشار عليه ﷺ بالمكاتبة وقد عاش ثلاثمائة سنة وكان من المعمرين وكان له ثلاث بنات. انظر: الاستيعاب حاشية الإصابة ٢/٥٦، أسد الغابة ٢/٣٢٨- ٣٣٢ ٢ زاد المعاد ٣/٢٧١، السيرة الحلبية ١/٦٣١. ٣ هو الواقدي شيخ ابن سعد وقد تقدم.
[ ١٤٢ ]
وهو يومئذ حر"١، وقال يا رسول الله: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٢.
والواقدي وصفه أهل الحديث بأنه متروك الحديث مع سعة علمه.
وبذلك قال ابن هشام٣ ونقله عنه ابن كثير٤ وبه قال ابن الأثير٥. وقد نقل الحافظ في الفتح حيث قال: وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر٦ قال: "قال سلمان للنبي ﷺ: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٧.
لقد كان الخندق ذا أهمية عظمى ذلك لأن المسلمين عندما بحثوا خطة الدفاع عن المدينة كانوا يفكرون في
_________________
(١) ١ لأنه قبل ذلك كان مملوكًا حتى أمره النبي ﷺ بالمكاتبة وبذلك تحرر من الرق ولازم الرسول ﷺ. ٢ مغازي الواقدي ٢/٤٤٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤، جامع البيان ٢١/١٣٠ ٣ السيرة النبوية ٢/٢٢٤. ٤ البداية والنهاية ٤/٩٥. ٥ الكامل ٢/١٢٢. ٦ هو نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني أبو معشر وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته - ضعيف - أسن واختلط مات سنة ١٧٠هـ. انظر: التقريب ٣٥٦. ٧ فتح الباري ٧/٣٩٢- ٣٩٣.
[ ١٤٣ ]
إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب المتفوقة عددًا وعدة في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وشل حركتها على النحو الواسع الذي تريد تلك القوة الباغية.
ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعي أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية١.
ولقد حفر الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة لأن هذا المكان هو أصلح موقع يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لابد لأي غاز يريد المدينة من أن يتجه إليها ذلك لأن الجهات الأخرى محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة كالجبال وغيرها والتي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد٢.
وعندما قرر الرسول ﷺ حفر الخندق - بعد المشاورة - أمر بنقل النساء والذراري إلى الآطم٣ الحصينة حتى لا يصيبهم مكروه.
_________________
(١) ١ غزوة الأحزاب لمحمد باشميل ١٤٧. ٢ المصدر السابق ١٤٩. ٣ الأطم بضمة وضمتين القصر وكل حصن مبني بالحجارة وكل بيت مربع مسطح. القاموس ٤/٧٤.
[ ١٤٤ ]
لأنه كان يتخوف عليهم من اليهود - بني قريظة - حيث كانت منازلهم مما يلي العوالي١ وكانوا قد مالؤوا الأحزاب ووافقوهم على نقض العهد الذي ابرموه مع النبي ﷺ. فقد روى الطبراني حيث قال: "حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي٢ البغدادي ثنا عثمان بن يعقوب العثماني٣ ثنا محمد بن طلحة٤ التميمي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة٥ عن هرير٦ بن عبد الرحمن بن رافع٧ بن خديج٨ عن أبيه عن
_________________
(١) ١ العوالي بالفتح جمع العالي ضيعة بينها وبين المدينة أربعة أميال وقيل ثلاثة (وهو الصحيح) . انظر: مراصد الإطلاع ٢/٩٧٠. ٢ هو محمد بن عبد الله العدوي يعرف بالقرمطي. روى عنه أبو القاسم الطبراني. انظر: تاريخ بغداد ٤٣٣. ٣ لم أجد له ترجمة. ٤ محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان ابن عبيد الله التميمي المعروف بابن الطويل وجده عثمان هو أخو طلحة أحد العشرة صدوق يخطئ من الثامنة. مات سنة ثمان ومائة. روى له (س ق) . التقريب ٣٠٢. ٥ محمد بن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الأوسي قال الحافظ ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا وذكره ابن حبان في الثقات. تعجيل المنفعة ٣٦٥. ٦ هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني - مقبول - من الخامسة التقريب ٣٦٣. قال الذهبي وقال الازدي يتكلمون في حديثه وقد وثقه ابن معين وابن حبان. الميزان ٤/٢٩٥. ٧ عبد الرحمن بن رافع قال ابن أبي حاتم روى عن أبيه رافع. وروى عنه ابنه هرير. الجرح والتعديل ٥/٢٣٢. ٨ رافع بن خديج بن عدي الحارثي الأوسي الأنصاري صحابي جليل أول مشاهده أحد ثم الخندق. مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وقيل قبل ذلك. التقريب٩٩، الاستيعاب ٢/٥٩.
[ ١٤٥ ]
جده قال: "لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه" فقال: "إن ألمَّ بكن١ أحد فالمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان - أحد بني جحاش٢على فرس حتى كان في أصل الحصن ثم جعل يقول للنساء انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له ظهير بن رافع٣ فقال: "يا نجدان ابرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ". هذا الحديث قال فيه الهيثمي بعد إيراده.
رواه الطبراني وقال: "ورجاله ثقات٤. وقد رواه ابن جرير في تاريخه بسنده من طريق ابن إسحاق"٥.
_________________
(١) ١ إن ألم بكن أي إذا حصل ذلك وهو دخول أي غريب عنهم اليهن. ٢ في مجمع الزاوئد حشاش واثبت ما في المعجم الكبير. ٣ ظهير بن رافع قال ابن قدامة وشهد ظهير العقبة الثانية ولم يشهد بدرًا وشهد أحدًا مع أخيه مظهر بن رافع ولم يذكر متى مات. الاستبصار ٢٣٩ ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٣، وهو في المعجم الكبير ٤/٣١٨حديث ٤٣٧٨. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٧٠- ٥٧١.
[ ١٤٦ ]
وقال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث: "عن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له فارع" الحديث إلا أنه قال بعد سياقه لهذا الحديث رواه البزار وأبو يعلي باختصار وإسناد هما ضعيف.
ومع ذلك فالمتن فيه اضطراب حيث إن آخره يخالف أوله فقد ذكر أن رسول الله ﷺ أولًا خرج إلى الخندق ثم قال بعد ذلك: ثم خرج إلى أحد. ويظهر من ذلك أنه حصل التباس من خروجه إلى أحد خروجه إلى الخندق ثم قال الهيثمي١ مؤكدًا ذلك:
وقد تقدم الحديث من رواية صفية في وقعة أحد. وهو عند البزار٢ أن ذلك كان في أحد والمشهور أن هذه القصة كانت في الخندق.
أما كونه ﷺ جعلهم في أطم يقال له فارع فهو صحيح بدليل ما جاء في صحيح مسلم٣ عن عبد الله بن الزبير وفيه أنه كان هو وعمر بن أبي سلمة في أطم حسان يوم الخندق مع النسوة الخ كذلك روى
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٣٣- ١٣٤. ٢ كشف الأستار ٢/٣٣٣- ٣٣٤. ٣ صحيح مسلم ٤/١٨٧٩، كتاب فضائل الصحابة.
[ ١٤٧ ]
هذا الحديث أحمد١ في مسند الزبير ثم أورد الهثيمي بعد ذلك حديثًا آخر بهذا المعنى ولفظه عن عروة:
أن النبي ﷺ أخذ نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة وكان حسان بن ثابت رجلًا جبانًا فأدخله مع النساء فأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم فقالت صفيه بنت عبد المطلب: إنزل يا حسان إلى هذا العلج٢ فاقتله فقال ما كنت لأجعل نفسي خطرًا لهذا العلج فائتزرت بكساء وأخذت فهرا٣ فنزلت إليه فقطعت رأسه الخ الحديث.
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ولكنه مرسل"٤.
قال السمهودي: "وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق أي وهو المسمى بفارع
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ١/١٦٦. ٢ العلج: بكسر العين المهملة قال في مختار الصحاح بوزن العجل: الواحد من كفار العجم والجمع علوج واعلاج وعلجه بوزن عنبة. مختار الصحاح ٤٤٩. ٣ الفهر: بكسر الفاء الموحدة هو الحجر قدر ما يدق به الجوز أو يملأ الكف ويؤنث. القاموس المحيط ٢/١١٢. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٤.
[ ١٤٨ ]
فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه" فقال: "مالي بسلبه حاجة"١.
وهذا الحديث وهو رفع النساء والذراري في الآطام رواه ابن جرير في تاريخه٢ وقد روى الطبراني هذه القصة عن صفية في غزوة أحد كما تقدم.
إلا أن الهيثمي قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات"٣.
ثم عقب السمهودي قائلًا: "والمذكور في كتب السير أن هذه القصة كانت في الخندق وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع وأن صفية ﵂ لما فرغت من قتل اليهودي رجعت إلى الحصن فقالت لحسان: "انزل
_________________
(١) ١ وفاء الوفاء ١/٢١٥. ٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٠. ٣ مجمع الزوائد ٦/١١٥.
[ ١٤٩ ]
فاسلبه١ فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل" قال: "مالي بسلبه حاجة يابنت عبد المطلب"٢ أ. هـ. كلام السمهودي.
وهذه القصة صحيحة لتظافر الأدلة التي يقوي بعضها بعضًا يؤيدها أن اليهود إنما غدروا في غزوة الخندق ولم يكن لهم ذكر في أحد.
أما بالنسبة لهذه التهمة التي وجهت ضد حسان بن ثابت وهي الجبن فقد دفعها بعض العلماء لذلك قال السهيلي: "مجمل هذا الحديث عند الناس أن حسانًا كان جبانًا شديد الجبن وقد دفع بعض العلماء هذا وانكره وقال: لو صح هذا. لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء وكانوا يردون عليه فما عيره أحد بجبن. وإن صح فلعل حسان كان معتلًا في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال وهذا أولى ما تأول".
ثم قال: "وممن أنكر أن يكون هذا صحيحًا أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه الدرر٣ وهذا هو الحق والله أعلم فإن شعر حسان كان أشد
_________________
(١) ١ السلب هو أخذ ما يكون على المقتول أو معه من سلاح وثياب ودابة وغيرها النهاية في غريب الحديث ٢/٣٨٧. ٢ وفاء الوفاء ١/٣١٥. ٣ الروض الأنف ٣/٣٨١، وفي الاستيعاب ١/٤٠٥. قال: وقال اكندا هل الخبار والسير: إن حسان كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة كرهت ذكرها لنكارتها.
[ ١٥٠ ]
على الأعداء من وقع النبل، وذلك واضح من المهاجاة التي وقعت بينه وبين شعراء قريش كابن الزبعرى وغيره، حتى أن الرسول ﷺ كان ينصب له منبرًا في المسجد١ يقوم عليه قائمًا يفاخر عن رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ" وكان يقول للنبي ﷺ لأسلنك كما تسل الشعرة من العجين٢ ولو كان هذا حقًا لهجاه به اعداؤه.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٢/٤. ٢ النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩٢، والحديث في البخاري. انظر: فتح الباري ٧/٣٤٦، ورواه مسلم في صحيحه ٤/١٩٣٤ فضائل حسان.
[ ١٥١ ]